"رعب فيروس الهانتا" .. ما الذي يستحق أن نخشاه حقًا؟

حسنًا، العالم كله مُشتعل منذ الأمس. خبر ما(1)، لا يمكن أن تحدد مصدره الرئيسي، يحكي عن وفاة مواطن صيني بفيروس جديد يدعى "الهانتا" لأنه أكل فأرًا، بالطبع لاقى الخبر اهتمامًا عالميًا، وعربيًا كذلك، لأننا نعيش هذه الأيام في أحد أقسى الأوقات في تاريخنا المعاصر بسبب شيء شبيه، كورونا المستجد الذي أُرجعت أول الإصابات به إلى سوق الحيوانات بمدينة ووهان الصينية، وفي أثناء ذلك كله نشأ "ترند" ساخر من عادات الصينيين في الطعام.

   

هل هو حقًا خطير؟!

تصدر فيروس "هانتا" تويتر في ساعات قليلة، ورغم أن السلطات الصينية اكتشفت بالفعل حالة مصابة بالفيروس، إلا أنه ليس فيروسًا جديدا نشأ بالأمس كما اعتقدت الغالبية العظمى من الناس، نعرف الآن أنه نشأ في الخمسينيات من القرن الفائت بين جنود كوريين وأمريكان أثناء الحرب الكورية، وسمي نسبة إلى نهر هانتا الجنوبي القريب.

  

فيروس(2) الهانتا ينتقل من الفئران بشكل رئيسي، وقد ينتقل إلى البشر عبر حدوث اتصال بلعاب أو بول أو براز الفئران المصابة به، وقد يتسبب الهانتا في عواقب وخيمة بالفعل، مثل الحمى النزفية والفشل الكلوي، وتتسبب بعض أنواع هذا الفيروس في اضطرابات تنفسية حادة، لكن ذلك لا يحدث في كل الأحوال، بل إنه من النادر أن تحدث إصابات بهذا الفيروس. في الواقع، الهانتا ليس صينيا فقط، بل ليس من الأساس نوع واحد، ولكنه مجموعة من الفيروسات التي تتواجد في آسيا وأوروبا وأميركا كذلك.

     

  

في تشيلي والأرجنتين(3)، قبل حوالي عقد من الزمن، حدثت حالات نادرة جدًا وغير مفهومة كليًا انتقل خلالها أحد أنواع فيروس هانتا -يسمى فيروس الأنديز- من شخص لآخر، لكن ما يمكن أن نؤكده إلى الآن، بحسب مصادر رسمية عدة، هو أنه لا يمكن لك أن تصاب بفيروس الهانتا عبر لمس أو تقبيل شخص مصاب به أو متخصص رعاية صحية قام بعلاج شخص مصاب به، آلية الإصابة المعروفة -والنادرة بطبيعة الحال- هي فقط ما ذكرناه قبل قليل، لفهم تلك النقطة، دعنا نتأمل حكاية فتاة نافاجو.

    

حدث ذلك في أحد أيام أبريل(4) الربيعية من العام 1993، حينما وصلت إحدى فتيات شعب النافاجو، أحد تجمعات السكان الأصليين في الولايات المتحدة الأميركية، إلى غرفة الطوارئ بالمركز الطبي الهندي في منطقة جالوب بولاية نيو مكسيكو، تشكو من أعراض تشبه أعراض الأنفلونزا وضيق التنفس الشديد، لم تستمر كثيرًا على أجهزة التنفس فقد كانت رئتاها مملوءتان بالسوائل وماتت فورًا، بعد ذلك مات خطيبها لنفس السبب، وشهدت تلك المنطقة وفاة 12 شخصًا خلال عدة أشهر وإصابة 24 حالة في المجمل، وانتهى الأمر. هذا يعد أكبر تفشّي نعرفه عن هذا المرض في الولايات المتحدة الأميركية.

  

فيروس الهانتا خطير جدًا بالفعل، لكن آلية الإصابة تحد من نشاطه، بالتالي من غير الممكن بالطبع أن نحاول مقارنة هذا الأمر مع تفشي كورونا المستجد الذي أصاب -حتى لحظة كتابة هذه الكلمات- أكثر(5) من 400 ألف شخص، لكن هل تعرف أين تقع المشكلة؟ ليس فقط لأننا نعيش في خضم كابوس عالمي مستمر له علاقة بفيروس يتفشّى بين الناس، وبالتالي فإن أي خبر عن التفشّي في العموم سيثير انتباهنا، بالضبط كالأخبار التي تنتشر عن القطارات المتصادمة بعد حادث جلل له علاقة بأحدها، ولكن لأننا نتعامل مع الفيروسات كأنها المرّة الأولى التي نتعرف فيها على هذا الكائن.

  

قاتل غير مأجور

  

لفهم الفكرة دعنا مثلًا نبدأ من العام 1967 حينما ظهرت إصابات غريبة(6) في مدينتي ماربورغ وفرانكفورت بألمانيا وفي بلجراد بيوغسلافيا السابقة، كانت الأعراض تبدأ من الصداع والتوعك ثم فجأة، وبحلول اليوم الخامس يبدأ الجسم بالنزف من أماكن عدة ويموت الشخص، الآن نعرف أن السبب هو نسانيس قادمة من أوغندا لأجل تجارب علمية في تلك المناطق، حملت معها فيروس جديد سمي بعد ذلك فيروس ماربورج. 

  

ماربورج، واحد من أكثر الفيروسات فتكًا في العالم، في حالة 1967 كانت معدلات الوفاة هي 25%، لكن أعداد المصابين كانت قليلة بطبيعة الحال. أما في جمهورية الكونغو الديمقراطية، في الفترة بين عامي 1998 و2000، فإن نفس الوباء كان قد ظهر بسبب نوع من الخفافيش الآكلة للفواكه، وأصاب في هذه المرة 400 شخص، وتكرر الأمر في أنجولا في عام 2005 مع أعداد أقل، وفي المرتين الأخيرتين كانت أعداد الوفيات تمثل 80% من مجموع المصابين.

  

أما في العام 2009 فقد اجتاحت انفلوانزا الخنازير العالم(7) متسببة في حوالي 150-575 ألف وفاة، بدأت من أميركا أو المكسيك ووصلت تقريبًا إلى كل دولة على الكوكب، وفي العام 2014 اجتاح فيروس الإيبولا(8)عدة دول متسببا في أكثر من 10 آلاف وفاة، بدأت بدولة غينيا ثم عبرت الحدود البرية إلى سيراليون وليبيريا وانتقلت إلى نيجيريا بواسطة مسافر واحد فقط وإلى الولايات المحتدة الأمريكية بواسطة مسافر واحد، وإلى السنغال بواسطة مسافر واحد فقط، وإلى مالي بواسطة عدة مسافرين، هل تتخيل ذلك؟ كان هذا الفيروس قادر على قتل 50% من ضحاياه، و90% في بعض الأحيان.

      

    

في الحقيقة، يمكن لنا أن نتتبع تاريخنا مع الفيروسات وصولًا(9) إلى 3700 سنة قبل الميلاد، حيث تُظهر بعض الرسوم الفرعونية القديمة شخصًا مصابًا بشلل الأطفال الذي نعرف أنه يحدث بسبب فيروس شديد القدرة على التفشي يغزو الجهاز العصبي، وهو كفيل بإحداث الشلل التام للجسد في غضون ساعات من الزمن، على مدى آلاف من السنين استمر شلل الأطفال في إصابة البشر، وتقول منظمة الصحة العالمية إنه من القوة بحيث أنه طالما يوجد طفل واحد فقط مصاب بعدوى فيروس شلل الأطفال على سطح كوكب الأرض فإن الأطفال في كل بلاد العالم معرضون لخطر الإصابة بالمرض!

     

لاحظ شكل القدم، علامة على إصابة بشلل الأطفال (مواقع التواصل)

    

فضاء الفيروسات

هذه فقط مجموعة من الأمثلة، ويمكن أن نستمر في الحديث عن الفيروسات ولا نتوقف، فهناك العشرات منها تصيب البشر، بعضها يكون قاتلًا والآخر قد يمر بسلام تام دون أن يترك تأثيرًا يذكر، ومن حين لآخر يمكن لإصابة ما أن تنتقل من الحيوانات إلى البشر -مثل كورونا الجديد-  بل وقد تتحوّر داخل البشر لتصبح فئة خاصة من الفيروسات، كما حدث مع فيروس متلازمة نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)، لكن لفهم أعمق لما نود توضيحه في هذا التقرير دعنا قدر الإمكان ننزل إلى جذور الفيروسات، فهل نعرف متى ظهرت؟

  

حينما نقرر تأمل شجرة الحياة على كوكب الأرض، فإننا عادة ما نتصور أن كل فروعها ترجع إلى نطاق واحد يبدأ من خلية واحدة، تلك التي نعرف أنها تحتوي على نواة وميتوكوندريا وعضيات أخرى، لكن هذه هي فقط إحدى ثلاثة أشكال للحياة على الأرض. البكتيريا مثلًا، أو بدائيات النواة، هي أيضًا أحد الأشكال الحيوية التي لا تحوي عضيات داخلها، ولها شجرة خاصة بها، بالإضافة إلى فئة ثالثة تسمى العتائق وهي شكل أكثر بساطة من أشكال الحياة، هنا لابد وأنك ستسأل: أين يمكن أن تقع الفيروسات من كل هذه الشجرات؟

  

في الواقع، لا نعرف. يمكن أن نجد فيروسات متخصصة لإصابة كل من تلك الأشكال الثلاثة من الحياة، وعندما نحاول أن نتتبع تركيبها الجيني سنجد أنه لا يمكن ارجاع الفيروسات لأي من تلك الأشكال الثلاثة. ترى بعض النظريات أن الفيروسات لا تقع ضمن نطاق الحياة تحديدا، بل هي شيء آخر مختلف يمثل(10) فضاءًا Virosphere مغلفًا للحياة. بمعنى أوضح، أينما وجدت الحياة ستجد الفيروسات، لذلك فإنها رفيقتنا منذ البداية، وربما كانت موجودة قبل الحياة نفسها.

      

تتواجد الفيروسات في كل مكان على هذا الكوكب، بداية من حجرتك مرورا بالأقطاب الباردة والبراكين المشتعلة ووصولًا إلى بحيرات الأحماض القاتلة
   

من المهم جدًا أن ندرك تلك الفكرة قبل الخوض في أي حديث يناقش الفيروسات كعدو يجب التخلص منه، لأن ذلك بالطبع سيحيلنا للفكرة الأهم، وهي أن الفيروسات هي واقع يجب أن نتكيّف معه، والتكيف هو عملية مستمرة لا تتوقف. نحن نتحدث عن أنجح الكائنات في هذا الكوكب، قدرتها على التكاثر تتخطى كل الكائنات الحية الأخرى، فخلية واحدة مصابة بفيروس واحد يمكن أن تنتج عدة مئات إلى عشرات الآلاف من الفيروسات.

  

أعداد هذه الكائنات تفوق كل الكائنات الحية الخلوية بحوالي عشرة أضعاف، تتواجد في كل مكان على هذا الكوكب، بداية من حجرتك مرورا بالأقطاب الباردة والبراكين المشتعلة ووصولًا إلى بحيرات الأحماض القاتلة. من جهة أخرى، كذلك فإنها تتخذ أشكالًا بديعة متنوعة بدرجة لا تُصدق، وبسبب ما سبق -إلى جانب بساطتها الجينية- فإن قدرات الفيروسات على التكيف تكون دائمًا مفاجئة. 

   

لفهم تلك الفكرة دعنا نتأمل فيروس نقص المناعة الكتسبة (الإيدز)(11)، لعلاجه يستخدم الأطباء ثلاثة عقارات معًا في الغالب لأن الفيروس يمكن أن يطوّر مقاومة تجاه أي منهم سريعًا إذا لم يقترن مع أدوية أخرى، تتحور الفيروسات سريعًا وفي غالب الأمر تكون تلك التحورات غير مفيدة أو ضارة، لكنها في بعض الأحيان النادرة تكون مفيدة، وهنا يتغير كل شيء، لهذا السبب فإن أمصال الإنفلوانزا يتم تحديثها من عام لعام.
 

عالم من؟
الإنفلونزا الإسبانية (مواقع التواصل)

     

هل سمعت عن أي من هذه الفيروسات من قبل؟ متى كانت آخر مرة سمعت فيها عن الإنفلوانزا الإسبانية؟ دائمًا ما نهتم أكثر بالحروب والسياسة والاقتصاد، في العام 1918 اجتاحت "الإنفلوانزا الإسبانية" العالم(12) لتقتل 50 – 100 مليون إنسان، سميت هكذا لأن الحديث الإعلامي عنها كان في إسبانيا التي لم تشارك في الحرب العالمية الأولى بينما كان الجميع مشغولًا بالصراع السياسي والعسكري، لكن الافتراضات الأكثر قربا للصواب تقول بإنها ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى الرغم من أنها كانت الجائحة الأكبر والأكثر كارثية في العصر الحديث، إلا أننا نميل بشكل كبير لتجاهلها والحديث عن الحربين العالميتين.

     

سمعنا(13) عن الإنفلوانزا الإسبانية مرة في العام 2003 حينما ضرب "سارس" SARS الصين، ومرة في العام 2014 حينما ضرب "ميرس" MERS جزيرة العرب، وكلاهما من نفس عائلة كورونا الجديد، لكننا -ببساطة- ننسى، نستخدم قصص الوباء القديم لأجل اضفاء أجواء مثيرة على أحاديثنا في أثناء انتشار الأوبئة المستجدة، السياسيون كذلك ينسون، بعد الـ "سارس" والـ "ميرس" توقف البحث العلمي الخاص بهما لأنه لا حاجة للتفكير في المستقبل الخاص بالأوبئة الشبيهة ولأن اللقاحات ليست مصدر ربح كبير، رغم إجماع العلماء أنه في مرحلة ما سيقفز فيروس جديد، من نفس الفئة ولكن أكثر فتكًا، إلى عالم البشر. 

  

   

قبل عدة أعوام، وبينما كان يتحدث في أحد المؤتمرات الأمنية في ميونخ، قال بيل غيتس(14) إن العالم -على غير ما يبدو للوهلة الأولى- ليس متجهزًا بعد لتفشي وباء على درجة من الخطورة، وأضاف الملياردير الأميركي واسع الشهرة أنه على دول العالم أن تنفق على البحث العلمي الخاص بهذا النطاق كما تنفق على صناعة السلاح، وإلا قد يتمكن وباء سهل الانتشار من قتل ثلاثين مليون إنسان خلال عام واحد فقط.

   

المشكلة إذن ليست في خبر كاذب ينتشر مُستغلًا رعب العالم من كورونا الجديد، لكن ما يدعو للرعب حقًا هو أننا، نحن البشر، كحكومات وأشخاص، لا نهتم بأن ننفق الكثير من المال من أجل بحث علمي أساسي يهدف لفحص الجوانب العجيبة لهذه الكائنات البديعة التي نسميها بالفيروسات، عسى أن نتمكن في مرحلة مستقبلية من اتقاء هجماتها والتكيف معها بدرجة أكبر. لأنه -إذا تأملت الأمر قليلًا- لوجدت أن هذا العالم، بشكل ما، هو عالم الفيروسات، ونحن فقط مجموعة من الضيوف وقد حللنا عليها!

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

بظل التأثيرات الواسعة لفيروس "كورونا" تُطرح الكثير من الأسئلة، والاستفسارات حول طبيعة الفيروس، وقدرتنا على التعامل معه، وعن مستقبل المرض.. إليكم أبرز هذه التساؤلات والتي يجيب عنها الدكتور ليث العملة.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة