"على حافة ربع مليون مصاب".. كيف أقي نفسي وعائلتي من مرض كوفيد-19؟

شائعة ساذجة ظهرت قبل نحو أسبوعين في محافظة خوزستان جنوب غرب إيران وانتشرت في كل البلاد، مفادها أن الكحول هو المطهر السحري لفيروس كورونا الجديد، ليس فقط لقدرته على قتل الفيروس على الأسطح والأشياء والأيدي، بل داخل الجسم أيضا، بعد عدة أيام من ظهورها تسبّبت في إيداع(1) أكثر من مئتي مواطن إيراني في غرف الطوارئ وموت 27 آخرين. الأجواء فوضوية، أعلنت الحكومة أن كورونا الجديد أصاب إلى الآن قرابة 20 ألف حالة هناك.

  

لا يأتي الوباء مفردا، بل يقترن دائما مع حالة من الهلع العام الذي يجر الناس إلى سلوكيات تقف تماما على النقيض من مصالحهم، لذلك فإن الحقائق في حالة تفشي الأوبئة هي العُملة الذهبية التي كلما ازداد رصيدك منها ازدادت فرص نجاتك ومَن تحب. في هذا التقرير، يعرض القسم العلمي بميدان مجموعة مهمة من التدابير الوقائية الخاصة بكورونا الجديد، الالتزام بها لم يعد مجرد اختيار أو اقتراح احترازي، بل ضرورة للبقاء، لكن الأهم من عرض تلك التدابير هو فهم السبب في ضرورتها، وما الذي يفعله كورونا الجديد في الجسم بحيث نتصرف على أساسه؟

   

عصر الصابون

  

لنبدأ بالحقائق، فهي من الأساس ما يُوجِّهنا للتعليمات، نعرف الآن أن عدد الإصابات(2) يقترب من ربع مليون حالة، 81% من تلك الإصابات تمر(3) كنزلة برد عادية أو قاسية، 14% منها تصبح أكثر خطورة وتتطلّب تدخلا طبيا، و5% منها تتطلب عناية مركّزة، ما زالت نِسَب الوفيات من هذا المرض غير واضحة، يرى العلماء أنها تستقر في موضع ما بين 1-4%، واحتمالات خطورة المرض ترتفع بعاملين، الأول هو السن، كلما ارتفع العمر كانت الخطورة أكبر، والثاني هو الأمراض المزمنة، مثل الأمراض القلبية الوعائية والسكري وأمراض الرئة المزمنة والأمراض المناعية والسرطان.

   

يعني ذلك أن أصحاب هذه الفئات المعرضة للخطر هم الأكثر احتياجا إلى الإجراء الوقائي، تتبع معظم دول العالم حاليا إجراء يعمل على العزل الاجتماعي(4) (Social Distancing)، يعني ذلك أن تمكث في منزلك قدر الإمكان، هدف هذا الإجراء ليس فقط الوقاية، بل أيضا تقليل عدد الحالات اليومي بحيث تتمكّن المنظومة الصحية من العمل بشكل مقبول، لأن الضغط الزائد على أسرّة الطوارئ وأجهزة العناية المركزة قد يضطر المنظومة الصحية لاتخاذ قرارات غاية في القسوة.

  

هنا يبدأ الإجراء الأول، وهو أن نقي كبار السن والمعرضين للخطر في منازلنا بعزلهم قدر الإمكان، بمعنى أن يمتنعوا عن النزول للشارع لأي سبب، وأن يتصدّر أحد الشباب صغار السن في المنزل لمهام شراء احتياجاتهم الضرورية، وأن تتخذ إجراءات الحذر الوقائي قبل الاقتراب منهم، بأن تغسل يديك بالماء والصابون لأكثر من 40-60 ثانية قبل الجلوس معهم، وحينما تجلس معهم أبقِ بينك وبينهم مسافة مناسبة، 1-2 متر.

     

   

يخفض ذلك، بشكل لا تتصوره، من فرص إصابتهم بكوفيد-19، لكن ذلك لا يعني بحال أن يُسمح للشباب بالنزول إلى الشارع، يجب أن يمارس الجميع سياسة العزل الاجتماعي، لأن الفكرة في الاحتمالات الممكنة، لفهم تلك النقطة تخيّل أن 10 ملايين شخص في دولة ما قرروا أن ينزلوا إلى الشارع مرة واحدة فقط في اليوم بدلا من ثلاث مرات وهي المعتاد لديهم، يعني ذلك -إحصائيا- تفويت 20 مليون إصابة في المجتمع، يُقلِّل ذلك بالتبعية من عدد الحالات اليومي، ويُخفِّف الضغط عن مستشفيات الطوارئ، فإذا حدث وواجه أحد أفراد العائلة مشكلة فستكون المستشفيات جاهزة لاستقباله.

   

لهذا السبب، ابدأ بابتكار أساليب ذكية قدر الإمكان لتنفيذ العزل الاجتماعي. على سبيل المثال، اكتب قائمة بكل احتياجاتك واحتياجات العائلة ليوم واحد أو ليومين واذهب مرة واحدة فقط في اليوم لجلبها، لتكن تلك المرة في وقت مبكر جدا قبل نزول الناس لعملهم وبالتالي فأنت تقي نفسك وفي الوقت نفسه تفسح الشوارع لمن يضطرون لاجتيازها في أجواء كهذه، مع التفكير، واستشارة الأصدقاء، ستخرج بالعديد من الأفكار الذكية التي تصب في مصلحة العزل الاجتماعي.

    

المتسلل صغير الحجم

في تلك النقطة دعنا نُوضِّح أن إجراءات التطهير الذاتي والمنزلي ليست بالصعوبة والتعقيد الذي يتصوره البعض بسبب تعقّدها الظاهر على وسائل التواصل الاجتماعي. إذا قرّرت على سبيل المثال تأمل بعض المصادر الرئيسية في أجواء كهذه، مثل منظمة الصحة العالمية(5) أو مركز مكافحة الأمراض واتقائها(6)، فستجد أنها تُرشِّح الصابون بشكل رئيسي لغسيل الأيدي، ذلك لأننا نعرف أن غلاف الفيروسات دهني، والصابون قادر على إذابة الدهون.

     

  

إذا خرجت من المنزل ولم تجد فرصة لغسل يديك بالماء والصابون، فيمكن لك أن تستخدم الكحول الذي يُباع في الصيدليات، أما لأغراض التطهير المنزلي فقم بتجهيز محلول بسيط يتركّب من ملعقة كلور على لتر ماء، من الغريب حقا أن تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي تركيبات غريبة يُوضع بها الكلور بنسب عالية مع الكحول وغيره من أدوات التعقيم، المشكلة أن نِسَبا مرتفعة من هذه المنظفات قد تكون ضارة بالعينين أو الرئتين لمَن هم في المنزل.

  

غسل اليدين بالصابون له هدف واحد، وهو بالأساس أن تمنع الفيروس من الوصول إلى أنفك بشكل رئيسي، وفمك وعينيك بشكل ثانوي، هناك طريقان رئيسيان للعدوى بهذا المرض (إلى الآن)، الأول -وهو المرصود والشائع- يكون بسبب وجودك في نطاق دائرة قُطرها 2-4 أمتار من شخص مصاب يقع في مركزها، هذا الشخص يمكن أن ينقل الفيروس ناحية أنفك عبر السعال بشكل رئيسي أو أية وسيلة أخرى، أما الطريق الآخر فهو أن يترك هذا الشخص فيروس كورونا المستجد على شيء ما.

    

    

نعرف الآن أن هذا الفيروس قد يستمر على الأسطح لمدة تبدأ من عدة ساعات وربما تتخطى اليوم، لكننا لم نرصد أيًّا من الحالات التي أُصيبت بهذه الطريقة، إلا أننا نعرف أن طبيعة تلك النوعية من الفيروسات التاجية تتضمن انتشارا عبر ملامسة الأشياء، لذلك وجب أن تأخذ حذرك، ويكون ذلك عبر غسل يديك بالماء والصابون كما أسلفنا، مع تكرار الأمر لأكبر عدد ممكن من المرات اليومية. لكن، ماذا لو دخل الفيروس إلى جسد أحدهم بكميات مناسبة؟ ما الذي يفعله كورونا الجديد في الجسم؟

    

كورونا بالداخل

حسنا، الفيروس هو كائن صغير جدا، صغير لدرجة أنه لا يمكن للبكتيريا نفسها أن تراه، البكتيريا التي لا نستطيع نحن أن نراها. تركيب الفيروس بسيط وهذا هو سر فاعليته، فهو فقط يحتوي على غلاف بروتيني يحيط جزءا من الحمض النووي والذي يمتلك صفة أساسية وهي قدرته على نسخ نفسه بشكل متكرر، وهذا هو ما يحدث بالفعل حينما يدخل الفيروس للخلية الحية، فهو يُجبر الحمض النووي الخاص بها على تصنيع حمضه النووي وكأنه حمضها الخاص، بعد ذلك تمتلئ الخلية بالفيروسات التي تتركها لتمضي إلى أخرى.

  

تُسمى الفيروسات التاجية بهذا الاسم لأن الغلاف البروتيني الخاص بها يشبه التاج، فهو يحوي مجموعة من الزوائد البارزة والتي ترتبط بالخلايا الحية بطريقة تشبه لاصق الفيلكرو، الذي يستخدم في الأحذية والحقائب، لكن ليست كل الفيروسات قادرة على الالتصاق بكل أنواع الخلايا الحية، في الواقع هناك عدد قليل جدا من الفيروسات هو القادر على إصابة الإنسان بشكل خاص، أما بقيتها فإنها تمر في جسده بلا أي تأثير.

   

    

  

حينما تبدأ الفيروسات في إصابة الخلايا في المنطقة العليا من الجهاز التنفسي، البلعوم والقصبة الهوائية، يستجيب الجسم مناعيا لإرسال قواته، كرات الدم البيضاء، إلى منطقة الإصابة، ما يتسبّب في الأعراض الأولية للمرض، وهي(7) ارتفاع درجة الحرارة، هذا العرض ظهر في نحو 90% من الحالات، والسعال الجاف، هذا العرض ظهر في نحو 70% من الحالات، والإرهاق الجسدي، هذا العرض ظهر في نحو 40% من الحالات، وضيق التنفس، هذا العرض ظهر في نحو 20% من الحالات، لكن على الرغم من ذلك، فإن تلك البيانات ليست حصرية كما ينتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، أعراض البرد الأخرى مثل الصداع والتهاب الحلق والغثيان والإسهال تظهر في حالات أخرى.

    

حينما يصاب الشخص بكوفيد-19 فإنه يظل في المتوسط فترة 2-10 أيام في فترة الحضانة(8)، وهي الفترة من الإصابة إلى ظهور الأعراض، بعد ذلك تظهر الأعراض الأولى وتستمر لمدة نحو أسبوع في الازدياد في الحِدة، بعد ذلك يكون الفيروس قد واصل طريقه نزولا إلى الجهاز التنفسي السفلي، أي الحويصلات الهوائية في الرئة، إنها للأسف المكان المفضل لعمله.

   

   

في تلك الأثناء تستمر المناعة في عملها(9)، تتسبّب تلك الحرب الضروس بين مناعة أجسامنا والفيروس في التهاب الشعب الهوائية ثم الالتهاب الرئوي الذي يزداد في قوته مع الوقت، كما أن المعركة في الحويصلات الهوائية تجعل من الصعب أن يصل الدم إلى أعضاء جسمنا المختلفة، لأن تلك الحويصلات هي النقطة التي يدخل فيها الأكسجين القادم من خارج الجسم إلى الدم، هنا قد تظهر الأعراض الأكثر تقدُّما، وخلالها قد تتوقف أجهزة الجسم عن العمل واحدا تلو الآخر، ونصل في النهاية إلى الوفاة.

  

إذا حدث وشعرت بأيٍّ من الأعراض الأولية للمرض، أو أيٍّ من أعراض البرد العادية، فالزم بيتك. قد يكون ذلك بسبب نزلة برد عادية أو الكورونا الجديد. لأننا نعرف أن نسبة كبيرة جدا من الحالات لن تتخطى تلك المرحلة، فلا حاجة إلى الذعر وفقط تعامل كنزلة برد عادية واتصل برقم الطوارئ الذي أعدّته بلادك لهذا الظرف الخاص جدا. في العدد القليل من الحالات الذي يتطور فيه الأمر لالتهاب رئوي حاد فإن الذهاب للمستشفى بات ضروريا، لكن كما قلنا، فإنه حتى مع الذهاب للمستشفى ما زالت احتمالات الخطورة الشديدة ضعيفة.

      

   

حسنا، إن كان الأمل في احتواء الأمر يتضاءل يوما بعد يوم، يبقى الأمل الأساسي هو أن نساعد بعضنا بعضا، تطبيق وسائل العزل الاجتماعي سيحمي الجميع وسيفتح الباب للمصابين كي يتلقّوا رعاية صحية جيدة، ما يقلّص فرص الخطورة الشديدة إلى أدنى حدٍّ ممكن، وبذلك تمر الأزمة بسلام، كلما أدركنا تلك الفكرة أسرع كان ذلك أفضل بشكل جذري.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة