"المستعر الأعظم".. هل ستشهد سماء الأرض انفجارا نجميا قريبا؟

في صباح الرابع من يوليو/تموز(1) عام 1054، شاهد يانج وي تي، أحد فلكيي البلاط الملكي الصيني، نجما لامعا بشكل غير معتاد في الأفق، فمن المعروف أن الجرم الوحيد الذي يمكنه أن ينافس ضوء أول النهار هو كوكب الزهرة إلى أن يحين طلوع الشمس، لكن هذا النجم الضيف كان ألمع من الزهرة بنحو عشرين مرة.

  

تاريخ متفجِّر

هناك خمسة أرصاد حدّدت موضع هذا النجم ولمعانه في التاريخ الصيني، بالطبع استخدمت تلك الأحداث الفلكية قديما لأغراض سياسية ودينية، فكان هذا النجم يبشر بحكم مزدهر للملك الذي اعتلى العرش قبل خمسة أشهر فقط، أما الآن فنحن نعرف أنه نجم عملاق قد تحول في نهاية عمره إلى ما نسميه "المستعر الأعظم". بتأمل المعطيات التاريخية حول الأمر عرفنا أن هذا النجم الضيف يقع بالقرب من نجم آخر نعرفه جيدا، إنه النجم زيتا من كوكبة الثور.

  

هنا يجيء دور الفلكي الإنجليزي جون بيفيس(2) (John Bevis)، حيث قام في سنة 1731 -وهي السنة التي قطع فيها جنود حرس الحدود الإسبان أذن روبرت جينكنز القائد البحري الإنجليزي فتسبّب ذلك في حرب مدتها خمس سنوات- بتوجيه تلسكوبه الكبير إلى تلك المنطقة من كوكبة الثور، ليجد سحابة بديعة الشكل سُمّيت فيما بعد بـ "سديم السرطان"، كان هذا السديم هو بقايا انفجار النجم الصيني، وكانت تلك هي أول مرة نُسجِّل فيها كبشر رصد بقايا مستعر أعظم.

       

سديم السرطان بعرض نحو 11 سنة ضوئية، في المركز يقع نجم نيوتروني بقطر نحو 25 كيلومترا فقط لكن بكتلة 1-2 شمس! (مواقع التواصل)

    

المستعرات العظمى هي حدث هائل، الواحد منها ضخم لدرجة أنه يمكن أن تراه المجرة بالكامل. لكي نستشعر مدى قوته يمكن لنا أن نتأمل سديم السرطان نفسه، في تلسكوب صغير يظهر كغمامة خافتة بسيطة كأنها لطخة من ريشة فنان نسي أن يمسحها، لكن عرض تلك السحابة السديمية الصغيرة هو 11 سنة ضوئية، إنه ما يساوي تقريبا أن تضع 11 مجموعة شمسية كاملة بجانب بعضها بعضا، وما زالت تلك البقايا إلى الآن تتحرك مندفعة للخارج بسرعة 1800 كيلومتر في الثانية الواحدة، بسبب هذا الانفجار الذي حدث قبل نحو ألف سنة!

  

يتكرر حدوث المستعرات العظمى في مجرة بحجم درب التبانة بمعدل مرتين في القرن الواحد، كان آخر3 مستعر أعظم شاهده البشر قد اندلع في السماء سنة 1987، وقد شاهده سكان نصف الكرة الأرضية الجنوبي يلمع نهارا، وقع الانفجار على بُعد 168 ألف سنة ضوئية في السحابة الماجلانية الكبرى لنجم أزرق كان يسكن في سديم العنكبوت، لذلك كان من الصعب علينا في الوطن العربي أن نراه، لكننا قد نكون بالفعل قريبين من حدث كذلك، فهناك بالفعل عدد من النجوم المُهمة المرشحة لتلك المَهمة.

  

نجم عام 2020 الغامض

أول الاقتراحات وأشهرها لا شك هو "إبط الجوزاء"(4) (Betelgeuse)، إنه "عملاق أحمر فائق" لدرجة أنه لو كان بحجم كرة القدم مثلا لكانت الشمس بحجم حبة عدس إلى جانبه. في نهاية أعمارها تتضخم النجوم التي تبلغ كتلتها ثماني مرات أو أكثر من كتلة الشمس وتنخفض درجة حرارة سطحها بشدة. في أثناء ذلك، تتجهّز للانفجار في أي وقت.

   

   

في سبتمبر/أيلول من العام 2019، بدأ لمعان إبط الجوزاء في الانخفاض(5) بشكل واضح، لاحظ بعض هواة الفلك تلك الظاهرة وبدؤوا بالكتابة على وسائل التواصل الاجتماعي، لفت ذلك انتباه المتخصصين من جهات عدة، حيث خرج النجم من قائمة النجوم العشرين الألمع في السماء كلها وكان ذا ترتيب متقدم بها، يعتقد بعض الباحثين أن هذا مؤشر على اقتراب نهاية إبط الجوزاء، لكن ذلك قد لا يكون وشيكا.

    

ربما ينفجر مساء اليوم، وربما خلال 100 ألف سنة، فقد يكون هذا التغير في لمعان إبط الجوزاء راجعا لكون النجم نفسه متغيرا بطبيعته. يعني ذلك أن لمعان إبط الجوزاء يتغير بالفعل على مدى دورة طولها نحو العام، لكن لم يحدث أبدا -على الرغم من تلك الفكرة- أن شاهدنا إبط الجوزاء ينخفض إلى ثُلث لمعانه المعتاد، ما يُثير التساؤل من جديد.

  

لهذا السبب، كان العلماء من التلسكوب الكبير جدا "VLA" التابع لوكالة الفضاء الأوروبية قد التقطوا صورا جديدة لإبط الجوزاء تُظهِر الجانب الجنوبي للنجم خافتا عن المعتاد، لا أحد يعرف تحديدا السبب في ذلك، لكن يُعتقد أن الأمر يتعلق بطبيعة هذا النجم في نهاية عمره، فطبقاته الخارجية بعيدة عن مركزه بمسافة كبيرة تجعلها أقل قدرة على الحفاظ على مادتها، ما يعني أنها تُطلق رياحا نجمية عاتية بكميات هائلة، قد تكون تلك هي إحدى الدفقات التي غطّت سطح النجم فانخفض لمعانه بالنسبة لنا.

    

راقب إبط الجوزاء في الحالتين (ناسا)

   

يمكن لك أن ترصد إبط الجوزاء بشكل يومي(6)، فقط اخرج للسماء في نحو التاسعة مساء -في ليالي الشتاء- وارفع رأسك للسماء باحثا عن ثلاثة نجوم متراصة بشكل منتظم فوق بعضها بعضا، سوف تجدها بسهولة فهي مميزة جدا، أنت الآن تُوجِّه رأسك ناحية إحدى أشهر الكوكبات في سماء الليل، إنها "كوكبة الجبّار" (Orion)، والكوكبة هي فقط تجمع للنجوم في سماء الليل يشبه شيئا ما نعرفه، كحيوان ما مثلا أو شخص، ربطها القدماء بأساطيرهم، أما تلك النجوم الثلاثة فهي تُكوِّن حزام الجبار (Orion Belt)، حيث تصورها القدماء كمقاتل قوي وصياد ماهر.

  

احتمالات أخرى قريبة

أعلى وأسفل الحزام يمكن أن تجد ألمع نجمين في الجبار، وهما إبط الجوزاء (Betelgeuse) ورجل الجبّار (Rigel)، الأول أحمر اللون والأخير أبيض بشكل واضح، يمكن أيضا للنجم "رجل" أن ينفجر في أي وقت خلال السنوات المئة ألف القادمة، "رجل" (Rigel) هو عملاق أزرق فائق(7)، وهي مجموعة من النجوم قصيرة العمر، بل ربما لا يصل عمر أحدها إلى عدة مئات من الملايين من السنوات، وذلك لأنها تحرق وقودها من الهيدروجين بسرعة هائلة وتنفجر سريعا.

       

   

قلب العقرب (Antares) كذلك يُحتمل أن ينفجر قريبا بالمعايير الفلكية. إنه ألمع نجوم كوكبة العقرب (Scorpius)، وهو عملاق أحمر هائل في نهاية عمره، إذا حدث وانفجر أيٌّ من هذه النجوم الثلاثة، "إبط الجوزاء" أو "رجل" أو "قلب العقرب"، ويمكن أن تضم لهما نجما يُدعى "السماك الأعزل" في كوكبة العذراء، فإننا سنراه ليلا ونهارا، ألمع بفارق واضح من ألمع النجوم لكن أقل من القمر المكتمل، سيستمر هذا اللمعان عدة أسابيع قد تمتد إلى عدة أشهر، ثم يخفت تدريجيا إلى أن يصل إلى مرحلة لا نتمكّن خلالها من رصده بأعيننا.

  

أما أقرب النجوم للانفجار في أية فرصة حاليا، فلا بد أنه سيكون ما نسميه "إيتا القاعدة"(8) (Eta Carina)، الذي يقع في كوكبة "القاعدة"، وهو عملاق أزرق يلمع بمقدار 5 ملايين مرة أكثر من الشمس، النجم محاط بسديم شهير نسميه "سديم القزم"، بدأ النجم بالفعل في التغير بشكل مضطرب، سنة 1843 ارتفع لمعانه الظاهري ليصبح -لمدة 20 سنة- ثاني ألمع نجوم السماء، ثم عاد مرة أخرى ليخفت تحت حدّ قدرة العين المجردة متخفيا داخل السديم، ننتظر أن ينفجر في أية لحظة، لكننا لن نراه في الوطن العربي.

     

حدث العمر

لكن هنا في الوطن العربي، يمكن أن نرى شيئا قريبا جدا ومثيرا للانتباه، فقد أعلن الفلكيون من كلية كالفن في غراند رابيدز(9)، في ميشيغان، قبل عدة سنوات، أن نجمَيْ الثنائي النابض المدعو KIC 9832227 من كوكبة "الدجاجة" يقتربان من بعضهما بعضا ويدوران بسرعة شديدة، وسوف ينتج عن اندماجهما ما نسميه انفجارا نجميا عظيما أحمرَ (Red Luminous Nova).

   

هذا ليس مستعرا أعظم بالمعنى المفهوم، لكن على الرغم من ذلك فإن البشر سوف يرونه على الأرض في نحو العام 2022 بشكل واضح، ويتوقع الباحثون استمرار الانفجار ظاهرا في سماء الليل كنجمة لامعة لبضعة أسابيع، فهذا النظام النجمي يقع فقط على بُعد 1800 سنة ضوئية، وبذلك فهو قريب جدا بالمعايير الفلكية.

     

الرفيقان kic 9832227 يقتربان من بعضهما بعضا (مواقع التواصل)

    

في كل الأحوال، دعنا نوضح أن أيًّا من تلك النجوم المحتملة لتصبح مستعرا أعظم في أية لحظة لن تُسبِّب ضررا للأرض في حال انفجارها، الأمر يتطلّب(10) نجما على مسافة قريبة، نحو 75 سنة ضوئية، لإحداث أثر ضار. ومع نظرة متفحصة لمحيط الشمس بحثا عن نجوم قد تنفجر قريبا -بالمعايير الفلكية- فإننا لا نجد إلا نجوما تساوي الشمس في الكتلة أو أصغر منها.

    

نحن في أمان إذن، وكذلك اكتسبنا ميزة أننا قد نرى مستعرا أعظم في وقت قريب، سوف يكون ذلك ممتعا حقا إن حدث، شيء لا تراه -إن كنت محظوظا جدا- إلا مرة واحدة بالعمر، كالعادة سوف يدفع ذلك بالبشر للجدل حول أن يكون ذلك نذير خير أو نذير شؤم أو أنه يعني اقتراب حدث عظيم ما، لكنه فقط نجم وقد انفجر، إنه أمر قد حدث بالفعل عدة عشرات من المرات في الكون خلال نصف الثانية التي تقرأ فيها آخر ثلاث كلمات في هذا التقرير.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة