"أخطر من الكورونا".. خمسة كتب تُقدِّم لك عالم الأوبئة ببساطة

إذا حاولت أن تعثر على أحد الأفلام التي تتحدث عن اجتياح فيروسي للعالم، مثل "أوت بريك" أو "كونتاجيون"، ربما ستتفاجأ بأنه على الرغم من قِدم الفيلم فإن عدد مرّات تحميله حاليا مرتفعة جدا وكأنه قد صدر هذا العام، فانتشار الأخبار عن فيروس كورونا هذه الأيام جعله اتجاها (تريند) عالميا يبدأ من أخبار الصباح ويمر بمنشورات فيسبوك وصولا إلى فيلم السهرة، لكنها أيضا فرصة مهمة للتعرف إلى هذا العالم الغريب حقا، والصغير جدا. 
  
الكائنات الصغيرة القاتلة
لا بد أن الكثير من الأسئلة تجول في خاطرك الآن، على سبيل المثال: ما هذا "الفيروس" الذي يتحدثون عنه؟ هذا الكائن المثير للانتباه والذي يُمثِّل نقطة فاصلة بين الحياة والموت، لِمَ ينتشر بيننا بتلك السرعة؟ وما أنواعه؟ ولِمَ هو خطير إلى تلك الدرجة؟ ولِمَ من الأساس لا نجد له علاجا بسهولة؟ ولِمَ قال عالم الفيروسات الشهير جورج كلاين إن "أغبى الفيروسات يفوق ذكاؤه أذكى عالم فيروسات"؟ حسنا، تجيبنا أستاذ الميكروبيولوجيا الطبية في جامعة أدنبرة بالمملكة المتحدة، دوروثي إتش كروفورد، عن هذه الأسئلة في كتابها "الفيروسات".
    
   
    
الكتاب تابع لإصدارات "مقدمة قصيرة جدا" الشهيرة، ويأتي فقط في أقل من 170 صفحة ليعطي مقدمة مُيسّرة -تستهدف القارئ العام- إلى عالم الفيروسات، لذلك تُقلِّل كروفورد من استخدامها للمصطلحات الطبية قدر الإمكان، وتبدأ كتابها بفصلين عن تركيب الفيروسات وأنواعها وأماكن معيشتها وأسلوب حياتها، ثم بعد ذلك تشرح الخارطة العامة للمعركة بين الفيروسات وجهاز المناعة لدى الفرد المصاب بالعدوى، يلي ذلك مجموعة من الفصول التي تتناول العدوى بفئات معينة من الفيروسات، وفي النهاية تبحث مسألة تطور معرفتنا بالفيروسات عبر العصور، ترجمة الكتاب جيدة، لكنه يحتاج إلى بعض التركيز، ربما ستُفيدك مقدمة مبسّطة فيما يعنيه الحمض النووي. (الكتاب يصدر مجانا بصورة إلكترونية من مؤسسة هنداوي).
  
  
دعنا الآن ننتقل إلى نقطة مهمة لاقت الكثير من الاهتمام في أثناء الحديث عن "كورونا الجديد"، إنها فكرة انتقال الفيروس من الحيوانات إلى البشر، حيث يعتقد الباحثون في هذا النطاق أن كورونا -مثله مثل "سارس" و"ميرس"- قد انتقل من الحيوانات إلى البشر، وأن هذا -في الحقيقة- هو سر خطورة هذا النوع من الفيروسات، لهذا السبب دعنا نتأمل معا واحدا من ألمع الكتب في هذا النطاق، إنه كتاب "الفيض – أمراض الحيوانات المعدية وجائحة الوباء التالية بين البشر".
  
وهناك في الحقيقة سبب رئيسي لنهتمّ بهذا الكتاب يتعلّق بالمؤلف، فهو أحد أشهر كُتّاب العلوم ذوي الأسلوب الغاية في البساطة والتميز، مع ديفيد كوامن يبدو الأمر وكأنك تقرأ رواية بوليسية مطعّمة بكمٍّ دسم من المعارف التي لم تتعرّض لها من قبل عن عالم الأمراض المعدية، وكيفية انتقالها للبشر. يروي كوامن لنا أسفاره طوال 5 سنوات بين قارات العالم الخمس، حكاياته تجعل الأمر أشبه ما يكون بسلسلة سفاري الشهيرة، لكن مع اهتمام أكبر بالجوانب العلمية، هذا الجانب المحموم المرتبط بعالم الأوبئة، تلك الكائنات الغاية في الصغر، يحوي جزءا رئيسا من تجربتنا البشرية، فتارة ننهزم وتارة ننتصر، وتستمر الحياة.
  
يأتي الكتاب مترجما من سلسلة عالم المعرفة التابعة للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت، في جزأين، ويمكن مع بعض البحث على الإنترنت أن تجده في صورة إلكترونية، فصول الكتاب صغيرة ويبدو الواحد منها -على ارتباطها معا- وكأنه مقال طويل يُضمّن الكاتب خلاله، في بعض الأحيان، حواراته مع الناجين من الأوبئة القاتلة، كانوا أطباء أو مرضى، كذلك يُشير الكتاب في الكثير من أجزائه إلى كورونا وأبنائها مثل "سارس". في كل الأحوال، فإن الترجمة بسيطة واحترافية، كعادة هذه السلسلة الرائعة التي ننصح بمتابعة كل ما يصدر عنها.
  
  
  
تاريخ موجز للموت
أما الكتاب الثالث في ترشيحاتنا، فعلى الرغم من أهميته الشديدة وسلاسة عرضه وسهولة ترجمته، فإنه لا يلقى الكثير من الاهتمام منذ صدوره مترجما عبر الهيئة العامة المصرية للكتاب قبل نحو ثماني سنوات، ربما يكون السبب في ذلك عنوانه الذي يُعطي انطباعا أكاديميا باردا لا يكشف عن الروائع الموجودة بداخله، الكتاب هو "الأمراض المعدية وعلاجاتها" من تأليف نخبة من العلماء ومن إعداد وتعريب الدكتور أيمن توفيق. 
    
        
يحوي الكتاب بين دفتيه 30 فصلا هي بالأساس مقالات طويلة نُشرت بالدورية واسعة الشهرة "ساينتفك أميركان"، تتحدث في أربعة نطاقات رئيسية هي أقسام الكتاب، والتي تبدأ من حديث مهم عن الفيروسات، مع تركيز على إحدى أخطر حالات الإنفلونزا في تاريخنا، تلك التي ظهرت في العام 1919 وقتلت 40 مليون إنسان، ثم بعد ذلك يتوسع الكتاب في نطاق الأوبئة التي تسبَّبت، أو كادت تفعل، في حالات خطر عالمي، ويمتد الأمر إلى التعامل مع الأوبئة الحالية، والقادمة، على مستوى عالمي.
  
الترجمة جيدة، تسمح لك أن تقرأ بسهولة، والمقالات في العموم هي آلية غير مُمِلّة للقراءة، كما أن الكتاب نفسه مُقدَّم للقارئ العادي غير المتخصص، يعيبه فقط أنه يجمع مقالات تمتد بداية من العام 1993، وبذلك فهي تعتبر قديمة بعض الشيء، لكنها على الرغم من ذلك مهمة ومفيدة، خاصة أن الكتاب يوضّح بجلاء التفكير المنهجي الذي يسير عليه العلماء في مواجهة مشكلات كتلك، ومع بعض التأمل ستجد أن الأمر ليس عبقرية بقدر ما هو تفكير علمي منظّم. (من السهل أن تصل إلى نسخة إلكترونية من هذا الكتاب مع بعض البحث عبر الإنترنت).
    
   
وبمناسبة حديثنا عن أخطر نوبات الإنفلونزا في التاريخ، بحد علمنا، لا بد أن تقريرا عن عالم الأوبئة سيتطرق إلى "الطاعون الأسود"، الاصطلاح الذي يُستخدم للإشارة إلى وباء الطاعون الذي اجتاح أوروبا بين عامي 1347-1352 وتسبَّب في موت ما لا يقل عن ثُلث سكان القارة، حدث ذلك بالتزامن مع انتشار أوبئة مشابهة في الوقت نفسه في آسيا والشرق الأدنى، ما يشير إلى أن البشر -في تلك الفترة- كانوا على حافة الانقراض.
  
"الموت الأسود.. جائحة طبيعية وبشرية في عالم العصور الوسطى"، من تأليف روبرت جوترفيلد، هو أحد الكتب التي تحدّثت عن تاريخ تلك الحالة، ولأنه كتاب متعدد النطاقات، يجمع معارف بيولوجية وطبية وأدبية وفنية واجتماعية وفلسفية، فإنه لا شك سيكون كتابا ممتعا، خاصة أنه يتتبّع تاريخ هذه المصيبة العالمية بطريقة شائقة ويصل بنا في النهاية إلى استنتاج يقول إن الموت الأسود كان سببا في أن انتقلت أوروبا من عصور وسطى راكدة إلى مجتمع حديث.
    
       
وبما أن هذا النطاق الخاص بالأوبئة والتاريخ تحديدا يلقى الكثير من الاهتمام، فدعنا ننحرف قليلا عن خط سير تقريرنا لتأمل ثلاثة كتب مهمة في هذا النطاق، الأول هو "عودة الموت الأسود: أخطر قاتل على مر العصور" من تأليف سوزان سكوت وكريستوفر دنكان، والذي يجمع بين المعرفة العلمية والتاريخية الخاصة بالأمر، أما الثاني فهو "الموت الأسود" من تأليف جوزيف بيرن، وهو كتاب ضخم، يفرد كذلك فصلا خاصا بانتشار الطاعون في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. 
  
أما الكتاب الأخير في تلك المجموعة الإضافية فيميل بشكل أكبر إلى جوانب سياسية واجتماعية، وهو كتاب شيلدون واتس "الأوبئة والتاريخ.. المرض والقوة الإمبريالية"، حيث يسرد الكاتب تاريخ بعض الأوبئة العالمية بداية من العام 1347 ووصولا إلى 1928، مع إشارة إلى علاقة الإمبريالية بانتشار الأوبئة في أماكن لم تكن موجودة بها من قبل، وكذلك إلى استخدام الطب كإحدى أدوات دمج وتأسيس الأفكار الإمبريالية في آسيا وأفريقيا والأميركتين. (ببحث بسيط على الويب يمكن أن تجد نسخا إلكترونية من هذه المجموعة).
  
إلى أين نحن ذاهبون؟
أما إذا كانت لديك رغبة في التعرف إلى علم الأوبئة بصورة متخصصة وطبية فلا بد أن كتابا آخر من سلسلة "مقدمة قصيرة جدا" بعنوان "علم الأوبئة" سيجيبك عن هذا السؤال بدرجة من الوضوح، لكنه يقترب بدرجة من الجانب الأكاديمي البارد، لذلك سيكون كتابا صعبا، أصعب ترشيحاتنا في هذا التقرير. مؤلف الكتاب هو رودولفو ساراتشي، الأستاذ الزائر في جامعتَيْ آرهوس ومونتريال، وقد عمل في هذا النطاق لعدة عقود وألّف فيه بعض الكتب المتخصصة وشارك كذلك في كتابة "مرجع أكسفورد للصحة العامة".
    
     
يبدأ الكتاب بتعريف "علم الأوبئة"، ثم ينتقل إلى فكرة مهمة وهي قياس الصحة والمرض، متى نقول إن ذلك مرض أو إن هذا ليس مرضا أو إن هذا وباء؟ بعد ذلك يتطرّق إلى أسباب الأوبئة، ثم ينطلق إلى القواعد البحثية في هذا العلم والمفاهيم الإحصائية الأساسية اللازمة لتخطيط الدراسات الوبائية وتحليلها، بجانب ذلك فهو يعرفك بالمفاهيم الخاطئة الشائعة حول تأويل تلك الدراسات والتي تؤثر بدورها على البيئة الأخلاقية والسياسية المحيطة بالوباء بشكل عالمي.
  
أما إذا وددت أن تترك الكتب جانبا وتتعرف على الأمر من ناحية وثائقية، فلا بد أن الوثائقي "الوباء" (Pandemic) الصادر حديثا من منصة "نتفليكس" سيفيدك كثيرا. بجانب بعض المعلومات الطبية المثيرة للانتباه، تطرح السلسلة تساؤلات أكثر مما تُقدِّم إجابات، خاصة حينما نسأل أنفسنا: هل حقا نحن معرضون لخطر وباء عالمي يقتل الملايين في أية لحظة؟ وهل يتجهز العالم حاليا لمرحلة كتلك؟ وماذا سنفعل إن حدث ذلك؟
    
   
طريقة تقديم الحلقات الست الخاصة بهذه المادة بديعة، تحمل جانبا إنسانيا خاصا بالأطباء والمرضى، ويبدو لنا أن "نتفليكس" -خلال الفترة السابقة- تُجهِّز نفسها لتُسيطر على عالم الأفلام الوثائقية بآلية عمل جديدة ممتعة بالنسبة للجمهور العام، قبل عدة أشهر تابع كاتب التقرير سلسلة أخرى تحمل عنوان "انتقاء غير طبيعي" تتحدث في تقنيات التحرير الجيني المعاصرة، وحملت الطابع نفسه، لكن نود كذلك توضيح أن هناك ميلا واضحا للإثارة على حساب المعرفة العلمية الرصينة.
   
في كل الأحوال، فإن أفضل الطرق للتعامل مع "تريند" ما هي فهمه، البحث عن الكتب والوثائقيات التي تشرح هذا الأمر وتبسّطه، يعطينا ذلك درعا قويا لمواجهة تسونامي الأخبار الكاذبة الذي نواجهه في أحداث كتلك، كذلك فإنه يمكن لك أن تستخدم تلك المشاعر المختلطة تجاه هذه "التريندات" كدافع للاستمرار في القراءة رغم مللها، يفيد ذلك كثيرا في تجاوز كسلنا مع القراءة، وهو شيء يجب تجاوزه سواء بسبب "التريندات" أو غيرها.
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة