فيلم "TENET".. هل يمكن لأقدارنا أن تسير بالعكس؟

كان الجنرال الروسي ميخائيل كوستوف، قائد القوات الروسية في الحرب ضد فرنسا، شخصية عبقرية، في الواقع فإن ليو توليستوي، الكاتب الروسي العظيم في روايته "الحرب والسلام"، قد احترمه أكثر من أي شخص آخر، لأنه بجانب قدراته في التخطيط كان متواضعا وحذرا، والأهم من ذلك كله أنه كان دائما يعي أننا مهما بلغنا من قوة وحكمة فإن هناك في هذا العالم ما هو أكثر تأثيرا، قال ذات مرة: "صدقني يا ولدي العزيز، لا يوجد ما هو أقوى من شيئين: الصبر، والزمن، وهما كفيلان بكل شيء".

 

هل ذلك صحيح حقا؟ نظن أن مرور الزمن قادر بالفعل على تخفيف الحزن، لكن هل حدث في مرة أن تمنيت الرجوع بالزمن إلى لحظة ما لتُصلح خطأ تندم على ارتكابه خلال نوبة غضب؟ لا بد أنك واجهت ذلك الشعور، على الأقل مرة واحدة، وفي فيلم "TENET"، فإن كريستوفر نولان -أكثر من عشق التلاعب بالزمن من مخرجي هوليوود- يطرح الأسئلة نفسها التي تجول بدماغك، وهو يفعل ذلك بأكثر الأساليب غرابة.

فيلم TENET

عنوان ميدان

حسنا، لفهم الأمر دعنا نبدأ من قوانين الفيزياء، لنفترض أنك طالب بكلية العلوم، قسم فيزياء، وطلب إليك أن تستخدم المعادلات الرياضية لتحليل قذيفة كروية أطلقها محمد صلاح لاعب نادي ليفربول بحرفية شديدة فسكنت في الركن الأيمن من المرمى، لنفترض أيضا أنك قمت بعكس الزمن في المعادلات نفسها (أي أعطيته إشارة سالبة)، ثم قارنت النتيجة في الحالتين، هنا ستكتشف شيئا غريبا، وهو أن الناتج سيكون الرقم نفسه.

 

بالنسبة للمعادلة الرياضية، فكون الكرة تخرج من قدم محمد صلاح لتسكن في الشبكة أو كونها تخرج من الشبكة لتصل إلى قدم محمد صلاح هو الشيء نفسه، قوانين الفيزياء لا تمتلك اتجاها مُفضَّلا للزمن، يمكن للقانون أن يبني على أحداث الآن ليخبرك بالمستقبل بدرجة من الدقة تتناسب مع قدر ما توفره له من معلومات، أو يمكن أن تستخدمه لإرجاع ما يحدث الآن إلى موضع في الماضي، وهذا أمر عجيب حقا، لسبب واحد وهو أن الواقع ليس كذلك، فالزمن بالنسبة لنا يجري في اتجاه واحد فقط، اتجاه المستقبل.

 

لنبدأ بافتراض مريح يقول إن الكون بالفعل يسمح بوجود انعكاس في الزمن، بمعنى أن تسافر بين الماضي والمستقبل بكل حرية، يعني ذلك أن هناك شيئا ما -إحدى خصائص الكون الأخرى- تمنع ذلك من الحدوث، شيئا ما يضطر الكون للمُضي قُدما في اتجاه المستقبل فقط، في تلك النقطة يفترض جمع من علماء الفيزياء أن هناك علاقة بين سهم الزمن(1) (Arrow of time)، تلك الحالة التي يجري فيها الزمن للمستقبل فقط بلا توقف، والقانون الثاني للديناميكا الحرارية.

ينص هذا القانون على أن الإنتروبي دائما في ازدياد، دعنا نُعرِّف الإنتروبي(2) (Entropy)، وهي ربما أكثر الاصطلاحات في الفيزياء تنوُّعا في تعريفاتها، على أنها مقياس لعدد الاحتمالات الممكنة لحالات منظومة مُغلقة، لفهم الفكرة خُذْ مثلا كتابا عدد صفحاته 100، لتحقيق أفضل ترتيب لها هناك احتمال واحد فقط وهو أن تُرتِّبها: 1، 2، 3، 4، 5، وهكذا حتّى 100، هذه هي الحالة المنتظمة، لكن بالنسبة لحالة فوضوية يمكن أن يكون هناك عدد هائل جدا من الاحتمالات، فقد تضع الصفحات في أي ترتيب، هنا نقول إن الإنتروبي أقل في الحالة المنتظمة وأعلى في الحالة الفوضوية.

 

بشكل أبسط، لكي تُكرِّر حالة الفوضى في حجرتك هناك مئات الأفكار الإبداعية التي تفشل والدتك في التنبؤ بها كل مرة، خاصة حينما تجد بقايا الشيكولاتة في أحد كتب الفلسفة، وكلاهما داخل سترة الشتاء الماضي، تحت السرير! لكن للأسف لكي تُكرِّر حالة النظام في حجرتك فإن الأمر يتطلَّب عددا قليلا جدا من العمليات، لأن كل شيء يجب أن يكون في مكانه، قد تُغيِّر وضع دولاب الملابس، لكنه سيظل محتفظا بكل الملابس.

 

عنوان ميدان

الآن دعنا مثلا نُقارِن بين حالتين متتاليتين حينما تقوم بإلقاء نقطة حبر في حوض ماء زجاجي، الأولى لحظة وصول النقطة للماء، والثانية بعد مرور عشر دقائق حينما أصبح الحوض بالكامل أزرق اللون بسبب نقطة الحبر، لو أننا نود حساب عدد الاحتمالات الممكنة لموضع جزيء ما من الحبر، ليكن مثلا الجزيء X، فإنها بالطبع ستكون أقل في الحالة الأولى، لأن الجزيء ما زال ضمن نقطة الحبر وقُطرها أقل من ربع سنتيمتر، لكن بينما ينتشر الحبر في الكوب تدريجيا فإن موضع الجزيء X يمكن أن يكون ضمن مساحة أكبر، ثم أكبر، ثم أكبر، حتى ينتهي بنا الأمر إلى إمكانية وجوده في أي مكان بالحوض كله.

الأمر نفسه بالنسبة لجزيئات قنبلة ما تنفجر في فيلم "TENET". لأن الإنتروبي تنزع دائما للازدياد، فستميل القطع الصغيرة جدا المُكوِّنة للقنبلة للانتشار في المكان، لإعادة هذا المشهد فإنه على الكون أن يعكس سرعة كل قطعة صغيرة جدا جدا من هذه القطع الصغيرة (الفتافيت)، بشكل دقيق جدا، كي تجتمع مرة أخرى، لكن كما تلاحظ فإن مهمة انفجار القنبلة أسهل كثيرا بالنسبة للكون من مهمة إعادة تجميعها، فينزع دائما ناحية اتجاه تنفجر فيه القنابل.

 

يمكنك ملاحظة ذلك بسهولة أكبر في حياتك اليومية، يمكن لك أن تكسر بيضتين ثم تمزج مكوناتهما معا ثم تضعهما على النار مع البهارات لصناعة طبق لذيذ، لكنك لا تتمكّن من تحويل مكونات هذا الطبق إلى بيضتين سليمتين مرة أخرى، حينما تُدير سيارتك لا تنتشر كامل الطاقة الناتجة من البنزين لتحريك السيارة فقط، بعضها يُفقَد في صوت المحرك، والبعض في ارتفاع درجة حرارة السيارة، والبعض في الاحتكاك ما بين التروس، لكن لا يمكنك جمع كل تلك الطاقة المفقودة مرة أخرى لإعادتها.

 

حينما نرى مشهدين لنظام ما أحدهما في درجة أعلى في الانتظام من الآخر فيمكن تحديد أيهما كان الماضي وأيهما هو مستقبله. لنفترض مثلا أني أعرض عليك الآن مقطعي فيديو أحدهما لنقطة حبر تنتشر في الماء والآخر لجزيئات نقطة الحبر المنتشرة في الماء وهي تتجمع معا، هل تستطيع تحديد أيٍّ منهما يمشي بشكل طبيعي وأيهما يمشي بشكل معكوس؟ بالطبع نعم، نقطة الحبر تميل للانتشار في كوب الماء وليس العكس. الإنتروبي الأقل هو الماضي.

انفو 2

 

عنوان ميدان

حسنا، في تلك النقطة يظهر كريستوفر نولان، ليربط بين الزمن والإنتروبي، فيقول إنه إذا كانت هناك أجسام يمكن أن تنعكس الإنتروبي بها، فإن ذلك يعني أنها ستسير في الزمن بالعكس، مقارنة بأجسام أخرى في العالم نفسه تسير بالزمن للأمام، بالتالي فإن تلك الأجسام لو سُمح لها بساعة من الزمن فسوف تنزل إلى هذا العالم لتراه يسير بشكل معكوس، ويراها هو تسير بشكل معكوس، بالضبط كما ترى فيديو لنقطة حبر منتشرة تتجمع مرة أخرى.

 

لكن تلك الفكرة، وإن كانت سينمائية كفاية، فإنها ليست علمية بالقدر نفسه، هذا لأن حديثنا عن الإنتروبي والزمن يتعلّق بالحالة الكلية للكون كله كونه منظومة مغلقة، لكن بالنسبة لأجزاء هذا الكون فإن الإنتروبي يمكن أن تزيد أو تنقص، ولا مشكلة من ذلك.

 

أَحضِر مثلا كوبَ شاي ساخنا، نعرف أن الحرارة هي حركة الجزيئات، كلما كان الشيء أسخن كانت حركة جزيئاته أكبر وفي مساحة أكبر، وبالتالي -بحسب تعريفنا السابق- فإن الإنتروبي تكون أيضا أكبر، لكن ماذا لو وضعنا هذا الكوب في ثلاجة، هنا ستتباطأ حركة الجزيئات بوضوح بسبب البرودة، يعني ذلك أن الإنتروبي انخفضت، لكننا داخل الثلاجة لا نرى محتويات كوب الشاي تعود بالزمن للوراء فتصبح حبات شاي وماء وسكرا. (أما بالنسبة للكون كله، فإن هناك بالفعل فرضيات تقول إنه، في خلفية كوننا، يوجد كون آخر تسير الإنتروبيا فيه بالعكس، وبالتبعية الزمن، وهو موضوع فردنا له تقريرا سابقا بعنوان: "هل حقا اكتشفت ناسا كونا آخر يسير الزمن فيه بالعكس؟")(3).

فيلم TENET

 

عنوان ميدان

لكن نولان مخرج سينمائي مبدع وليس عالم فيزياء، بالتالي فهو غير مُجبَر على استخدام الأفكار بدقتها العلمية الكاملة، ولا يُلام على ذلك، فما نتحدث عنه هنا لا يزال نوعا من الفن المتحرر من قيود الواقع وموضوعيته، في الحقيقة فإن العبث بالزمن بالنسبة لنولان هو وسيلة وليس غاية، أداة للإشارة إلى فكرة أكثر عُمقا في قصته، وهي تتلخّص ببساطة في سؤال: هل نمتلك حرية الإرادة؟

 

حينما نتحدث عن السفر في الزمن، وإن كانت الحالة في فيلم نولان ليست كذلك بالضبط، فإن أول ما يتبادر إلى أذهاننا هو "مفارقة الجد"(4) (Grandfather Paradox)، وتقول ببساطة إنه إذا كان من الممكن لأحدهم أن يسافر في الماضي، فيمكن له إذن أن يلتقي بجده بينما ما زال طفلا صغيرا، لكن ماذا لو قرَّر هذا الشخص أن يقتل جده؟ يعني ذلك أن جده لن يتمكّن من إنجاب أبيه، بالتالي لن يتمكّن أبوه من إنجابه، لكن ذلك يعني أنه لن يكون موجودا ليسافر في الزمن ويقتل جده من الأساس، لكن ذلك بدوره يعني -حاول أن تحافظ على تركيزك هنا- أن جدّه لن يُقتل، بالتالي سيظهر هو إلى الوجود مرة أخرى ويسافر ليقتل جدّه… وهكذا تستمر المفارقة بلا حل.

 

انفوجراف

يستخدم بعض الفيزيائيين مفارقة الجد دليلا على أن السفر في الزمن غير ممكن لأنه يتعارض مع طبيعة الكون في حفظ ترتيب أحداثه، كان ستيفن هوكينغ على سبيل المثال يرى أن هناك وكالة لحماية التسلسل الزمني لأحداث الكون تمنع ظهور أية حلقات زمنية تسافر للماضي، مما يجعل الكون آمنا للمؤرخين.

 

ويقصد هوكينغ ما يُسمى بـ "حدسية الحفاظ على التسلسل الزمني للكون(5)" (Chronology protection conjecture)، التي تنص على أن قوانين الكون ستمنع السفر في الزمن على كل المستويات عدا المستوى دون الذري، من أجل حماية خط الأحداث، أو أنها على الأقل قد تسمح بالسفر في الزمن مع قاعدة أساسية، وهي ما يُسمى(6) بـ "قانون حفظ التاريخ"، الذي وضعه الفيزيائي الروسي إيغور ديميتريوفيتش نوفيكوف في منتصف الثمانينيات، وينص على أنه في حالة وجود حدث من شأنه أن يتسبّب في أي "تغيير" في الماضي مهما كان، فإن احتمال ذلك الحدث هو صفر.

 

يحاول كلٌّ من هوكينغ ونوفيكوف في تلك النقطة أن يُنقذانا من شيء آخر غاية في الإثارة، مفارقة أخرى تتعلّق بالسفر عكس اتجاه الزمن المعتاد، لفهم تلك الفكرة دعنا نرجع من جديد إلى "مفارقة الجد"، لكننا سنُعدِّل من خط سيرها قليلا، حيث سنفترض أنك سافرت إلى الماضي بالفعل وبينما تتجوّل في شوارع القاهرة عام 1960 وتتابع آخر خطوط الموضة وجدت أن أحدهم يرفع سلاحا في وجه جدك وينوي قتله، لكنك في اللحظة الحاسمة تتدخّل وتمنعه من ذلك وتتسبّب في ابقاء جدك على قيد الحياة، لكن ذلك يعني أنك لو لم تساعد جدك فإنه كان سيموت ولن يُنجِب أباك ولن تظهر أنت للوجود.

 

عنوان ميدان

Universe

بناء على ذلك، فإن سفرك للماضي كان بالأساس جزءا من خطة الكون المحسوبة سابقا، حيث إن وجودك ذاته يعني أن كل شيء في حياتك كان محددا بشكل دقيق تماما -دون أن تدري- بداية من لحظة ميلادك، ثم وقوعك في حب الفيزياء، ثم زواجك من فتاة تحب الفيزياء فتدعم حلمك بالاستمرار في دراسة الميكانيكا الكمومية في جامعة برينستون حتى تصل إلى تلك اللحظة التي تظن خلالها أنك وافقت بكامل إرادتك على ركوب آلة الزمن التي ابتكرها عالم ألماني ما، ثم تستخدمها لتعود في اللحظة المناسبة التي ستُنقذ فيها جدك من القتل ويؤدي ذلك بدوره إلى ميلادك مستقبلا.

 

لذلك، فإن المعضلة الرئيسية التي تواجهنا حينما نفترض وجود هذه "الحلقات المغلقة زمنيا" (Time Loops) هي أن ذلك يعني أنه لا وجود أبدا لما يُسمى بحرية الإرادة، بالتالي فإن الفكرة هي أنك، للوهلة الأولى، ستظن أنه يمكن لك العودة إلى الماضي لتغيير شيء واحد فيتغيّر المستقبل وتُحل مشكلاتك، لكنك لا تُدرك أن سفرك للماضي هو ما يتسبّب من الأساس في هذا المستقبل الذي تُقرِّر فيه أن تسافر للماضي.

 

لا بد أنك أُصِبت بالارتباك، دعنا نضرب مثالا آخر للتبسيط، لنفترض أنك عميل استخباراتي، في إحدى المعارك انقلبت سيارة ما، وتسبَّب ذلك في ضياع حقيبة فيها قطعة تقنية غالية الثمن، بعد ذلك تمكَّنت من السفر للماضي كي تمنع هذا الحدث من التكرار، لكنك تذهب للماضي وتتسبَّب بحادثة تنقلب فيها إحدى السيارات، ويكون ذلك بالأساس هو ما أدّى إلى ضياع الحقيبة، وهكذا تدور الحلقات الزمنية المغلقة التي لا يمكن لك الفكاك منها مهما حدث، لأن الأمر ببساطة -وهي جملة تتكرر أكثر من مرة في الفيلم- "ما حدث قد حدث". (تصب تلك الفكرة، بأكملها، في فرضية أخرى أكثر عُمقا تُسمى الكتلة الكونية (Universe Block)، وقد فردنا لها تقريرا سابقا بعنوان "ماذا لو أن الماضي والمستقبل كانا واقعا كالحاضر بالضبط؟")(7).

 

في النهاية، فإنه يبدو أن أكبر أسئلة الفيزياء، والعلم في العموم، هي أسئلة عن ذواتنا، عن أدق أفكارنا وأكثرها تأثيرا في مجريات حياتنا اليومية، لأن هناك فارقا جوهريا بين أن تذهب للعمل وأنت تعرف أن ذلك هو اختيارك، أو أن تذهب إليه وأنت تشعر أن ذلك هو قدرك النهائي المحسوب سابقا، لكن هناك وجهة نظر ثالثة يلخصها نيل، أحد أبطال الفيلم، حينما يقول: " القول إن (ما حدث قد حدث) هو تعبير عن الإيمان بآليات العالم، لكنه ليس عذرا لعدم فعل أي شيء"!

———————————————————————-

المصادر

  1. Cosmic Origins Time’s Arrow
  2. Entropy
  3. هل حقا اكتشفت ناسا كونا آخر يسير الزمن فيه بالعكس؟
  4. What Is the Grandfather Paradox?
  5. Chronology protection conjecture 
  6. Cauchy problem in spacetimes with closed timelike curves
  7. ماذا لو أن الماضي والمستقبل كانا واقعا كالحاضر بالضبط؟