"اللقاح الصيني في الوطن العربي".. هل حان الوقت للهلع؟

حسنا، كل شيء يجري بسرعة، والخوف يسكن الأجواء. منذ اللحظة الأولى التي بدأت فيها دفعات اللقاح الصيني في الوصول إلى بعض البلاد العربية، انقلبت وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحة جدل أقرب للسياسة منها للعلم. وهذا مفهوم نسبيا، فالوطن العربي حاليا مُنقسم حول قضايا عدة، وجاء اللقاح ليُمثِّل أحد تمظهرات تلك القضايا، لدرجة جعلت مواطنا منحازا لاتجاه سياسي ما أو ضده مواطنا منحازا للقاح أو ضده.

 

السؤال المهم هو: من وجهة نظر علمية، هل حقا اللقاح الصيني فعّال وآمن؟ لا بد أن هذا هو السؤال الذي يجول بخاطرك الآن، سواء كنت مواطنا في الإمارات العربية المتحدة أو مصر أو المغرب، وهي ثلاث دول قرّرت أن تبدأ بالفعل في تلقيح سكانها بهذا اللقاح. نتحدّث هنا بشكل خاص عن لقاح شركة "ساينوفارم" الصينية – فرع مؤسسة بكين، يُسمى "BBIBP-CorV".

 

في تجارب المرحلة الأولى والثانية الخاصة بهذا اللقاح، كانت النتائج ممتازة. كل المشاركين في التجارب، وهم نحو 320 شخصا، طوّروا مناعة ثابتة ضد المرض بعد الجرعة الثانية من اللقاح التي تُعطى بعد الأولى بـ 21 يوما، كما أن الأعراض الجانبية كانت معتادة من قِبَل هذا النوع من اللقاحات: ألم خفيف وحكة وانتفاخ في موقع الحقن، وإرهاق، إلخ. عندما أُعلنت تلك النتائج، في دراسة بدورية(1) "The Lancet" المرموقة يونيو/حزيران الماضي، بدأت تجارب المرحلة الثالثة التي استهدفت أكثر من 45 ألف شخص، وتستمر إلى الآن في ديسمبر/كانون الأول 2020.

في مصر، بحسب بيان لوزارة الصحة(2)، نجحت التجارب التي خضع لها 3000 شخص في المرحلة الثالثة، نعرف كذلك أن هناك نحو 12 ألف شخص شاركوا في التجارب من الأردن والمغرب والبحرين، لكن الأكثر لفتا للانتباه كان التجارب الإماراتية، وأعلنت وزارة الصحة(3) هناك أن النتائج على 31 ألف متطوع قد نجحت بنسبة فاعلية "efficacy" مقدارها 86%، مع نسبة تطوير أعراض حادة مقدارها 0%. لكن ما معنى أن يكون اللقاح فعالا بنسبة 86%؟

 

عندما يُجرَّب اللقاح، فإننا نُقسِّم الخاضعين للتجارب إلى مجموعتين، الأولى تتلقّى لقاحا حقيقيا، والثانية تتلقّى لقاحا وهميا يعطي الأعراض الجانبية نفسها لكن بلا أثر طبي، لا يعرف المشاركون في التجارب أي اللقاحين تلقّوا، بعد ذلك نبدأ بالبحث عن حالات الإصابة بـ "كوفيد-19" داخل المجموعتين، هنا يظهر أن هناك عددا من الحالات ظهر داخل المجموعتين، 86% منها كان داخل مجموعة اللقاح الوهمي، والبقية في المجموعة التي أخذت اللقاح الحقيقي، يعني ذلك أن الفاعلية هي نسبة الفارق بين مجموعتَيْ اللقاح في عدد الحالات.

 

مقارنة مع أربعة لقاحات أخرى أُعلِنت نتائج فاعليتها، فإن لقاح "ساينوفارم" يضع نفسه في آخر القائمة، فقد أعلنت شركتا "فايزر-بايونتك" عن نجاح لقاحهما بفاعلية 95%، وكذلك كان لقاح شركة "مودرنا" فعّالا بنسبة 94.5%، ويجيء كلٌّ من لقاح "أوكسفورد-أسترازينكا" ولقاح "سبوتنيك-V" الروسي في المرتبة الثالثة بفاعلية 92%، لكنها جميعا، بما في ذلك لقاح "ساينوفارم"، أكبر من 50% التي أقرّتها مؤسسة الغذاء والدواء الأميركية واتفق عليها الخبراء حول العالم.

 

لكن إذا استمرت المقارنة مع تلك المجموعة من اللقاحات، فإن ما يُعزِّز من سمعة اللقاح الصيني أن الإمارات كذلك كانت قد أعطت تصريحا طارئا(4) لاستخدامه في سبتمبر/أيلول وتلقّاه مئة ألف شخص، تضمّن ذلك فئات وظيفية مثل المدرسين وضباط الشرطة والأطباء و30 ألفا من جنود الجيش، جاء ذلك على خلفية إعلان الصين أنها أعطت اللقاح، في تصريح طارئ، لنحو مليون شخص من فئات وظيفية متنوعة أيضا، وأن مراقبة الفاعلية ونِسَب الأعراض الجانبية كانت مُبشِّرة، بحسب السلطات الصينية.

 

هذه النتائج واعدة حقا، وكانت الصين تولي بالفعل اهتماما كبيرا لنتائج الإمارات العربية المتحدة تحديدا، رغم أنها تُنفِّذ تجاربها في نحو 15 دولة حول العالم، ذلك لأن الإمارات أخضعت أشخاصا من 125 جنسية لهذا اللقاح، وتلك النتائج يمكن أن تُطمئن كل العالم تقريبا، لأن نجاح اللقاح على شخص من بلدك يختلف عن نجاحه على شخص أميركي مثلا.

 

لكن بقيت ملاحظة واحدة غاية في الأهمية على تلك النتائج، وهي أنها لم تُنشَر بعد في دوريات علمية مثلما حدث في حالة المرحلة الأولى والثانية للقاح، أضف إلى ذلك أن بيان الإمارات كان مُقتضبا، لم يُوضِّح مثلا عدد الخاضعين للتجارب من مجموعة اللقاح ومجموعة العلاج الوهمي، كذلك لا نعرف عدد الذين أُصيبوا بالمرض في المجموعتين، وأعداد مَن طوّروا أعراضا حادة في مجموعة اللقاح الوهمي.

 

تسبَّب ذلك في حالة من الجدل والتردُّد حول اللقاح(5)، لأن الكثير من البيانات ما زال مطلوبا للتحقُّق من صحة تلك النتائج، وتقديمها بهذا الشكل -ومن الصين تحديدا، وهي دولة لا يثق بها الكثيرون في الوسط العلمي أو غير العلمي- يدفع للتساؤل، خاصة أن اللقاح بالفعل حصل على تصريح للاستخدام الطارئ في الصين والإمارات، على مئات الآلاف من الأفراد، قبل ظهور الدراسات.

إحدى المشكلات التي تترتّب على تأخُّر النشر تتعلّق كذلك بالحوادث الخاصة، على سبيل المثال كانت دولة بيرو قد أوقفت(6) تجارب لقاح "ساينوفارم" بها بشكل مفاجئ في الثاني عشر من ديسمبر/كانون الأول، بسبب ظهور عرض جانبي خطير لدى أحد المتطوعين، لا نعرف تحديدا أيًّا من لقاحي "ساينوفارم" سبّب هذا العرض، وكلاهما يُجرَّب في البيرو.

 

ورغم أن هذا النوع من الإجراءات معتاد وروتيني وحدث في أكثر من لقاح (أوكسفورد مثلا، في الواقع كان العرض الجانبي نفسه)، حيث توقفت التجارب لحين التثبُّت من الحالة وعلاقتها باللقاح ونسبتها بين المتطوعين ثم تستكمل بعد ذلك، إلا أن الأمر مختلف في حالة لقاح "ساينوفارم" لسبب واحد، وهو أن النتائج لم تُنشَر بعد رغم أن التوزيع على نطاق واسع قد بدأ بالفعل، وبالتالي فإن ذلك يتسبَّب في المزيد من القلق بين الناس، والعلماء كذلك. الصواب دائما هو أن تبدأ بإتاحة البيانات بشفافية.

 

عندما يهاجم فيروس ما جسمنا فإن الجهاز المناعي الخاص بنا يتعامل مع هذا الهجوم بآليتين، الأولى هي العمل المباشر على إنهاء هذا الهجوم، والثانية هي العمل على نسخ معلومات هذا الغازي القادم من الخارج، وبناء على تلك المعلومات يقوم الجهاز المناعي ببناء خط دفاعي متجهز لأي هجوم مستقبلي من قبل النوع نفسه من الفيروسات، يتمثل في عدة إجراءات منها تكوين ما نسميه "أجسام مضادة".

 

إذا تعرّضت لإصابة بهذا الفيروس لأول مرة، فإن جهازك المناعي يأخذ وقتا ليتكيّف مع الوضع الجديد ويتعامل معه، وفي أثناء ذلك تظهر أعراض المرض، مثل الحمى أو السعال أو ارتفاع درجات الحرارة، التي هي أعراض لهذا الصراع بالداخل، لكن في المرة التالية حينما يدخل الفيروس إلى جسمك فسيكون الأخير متجهزا له، فيتعامل بسرعة.

يهدف اللقاح إلى خلق هذا النوع من المناعة التكيُّفية ضد الفيروس دون أن تتعرّض لإصابة أولية به، وذلك عن طريق استثارة جهازنا المناعي لنوع محدد من الفيروسات -كورونا المستجد في هذه الحالة- فيندفع لتجهيز نفسه لإصابة مستقبلية، لكن على بساطة الفكرة التي يمكن من خلالها خلق تلك المناعة، فالأمر دقيق جدا ومعقد للغاية.

 

الطريقة التي صُنِّع بها "BBIBP-CorV" هي ببساطة الطريقة التقليدية لصناعة اللقاحات، التي تتضمّن أن تقوم بإنماء الفيروسات مثل كورونا المستجد ثم قتلها أو إضعافها، بعد ذلك وضعها داخل اللقاح، خلال عشرات السنين تمكّن العلماء من استخدام هذه الآلية وطوّروا معاييرها بشكل مُكثَّف، وكانت السبب في وصول الكثير من اللقاحات إلينا، لذلك فإنها فعالة ومضمونة.

 

في مقابل ذلك، فإن لقاحات أخرى لـ "كوفيد-19″، ونتحدث هنا تحديدا عن لقاحات "فايزر-بايونتك"، و"أسترازينكا-أوكسفورد"، و"موديرنا"، تعتبر جديدة من حيث تقنيات تصنيعها، وهذا أمر يدفع بالبعض للقلق. في هذه الحالة يحتوي اللقاح، ليس على فيروس ضعيف أو ميت، بل قطعة من الحمض النووي للفيروس، ما إن يُحقن في عضلات الإنسان حتّى يدخل إلى الخلايا التي تعمل على ترجمته إلى قطعة من فيروس كورونا المستجد تسمى "بروتين الحَسَكَة" (Spike Protein)، الذي يستثير استجابة مناعية من قِبَل الجسم.

استُحدثت تقنيات الحمض النووي في تصنيع اللقاحات منذ تسعينيات(7) القرن الماضي، وتُعَدُّ مستقبل اللقاحات الواعد لا شك، فهي تتلافى بطء الطرق التقليدية في إنتاج اللقاحات، من جانب آخر فإنها تتلافى بعض الأعراض الجانبية التي يمكن أن تكون مُتوقَّعة، كاحتمال ضعيف لكنه لا يزال قائما، من اللقاحات التقليدية مثل اللقاح الصيني، وتسمى بتعزيز المرض التنفسي(8) (enhanced respiratory disease).

 

في تلك الحالة، يُولِّد الجسم، بواسطة اللقاح، أجساما مضادة لكنها لا تُحيّد الفيروس بشكل كافٍ حينما يأتي، وبدلا من ذلك تُسهِّل تلك الأجسام المضادة دخول الفيروس للخلايا البشرية، وتكوين تركيبات مناعية تسد الرئتين، مما يؤدي إلى تفاقم المرض. حدث هذا من قبل مع لقاح صُنِّع ضد الفيروس المخلوي التنفسي للأطفال في الستينيات، وكذلك في التجارب على الحيوانات مع لقاحات ضد السارس ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية الحادة (ميرس).

 

من جانب آخر، فإن المقارنة بين اللقاح الصيني مع لقاحَيْ "فايزر-بايونتك" و"موديرنا" تتضمّن أيضا جانبا غاية في الأهمية يتعلّق بالتخزين، ويتسبّب بالفعل في درجة من الجدل والقلق في العديد من الدول. فلقاح "فايزر" يتطلّب تخزينا في درجة حرارة سالب 70-80 مئوية، وهذا أمر يتطلّب ترتيبات إضافية مُكلِّفة، لقاح "موديرنا" كذلك يمكن أن يمكث بثلاجة عادية (2-8 مئوية) لمدة شهر واحد فقط، ثم سالب 20 مئوية لمدة ستة أشهر، أما لقاح "ساينوفارم" فيتطلب فقط ثلاجة عادية.

 

ورغم أن كل لقاح جديد هو فرصة جيدة لإنقاذ العالم، ولا يجب أن تهتم، كونك مواطنا عاديا، بالمقارنة بينهم بوصفهم بدائل لبعضهم بعضا، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة للدول، اللقاح الصيني مثلا هو واحد من أربعة لقاحات تدخل في منافسة حامية الوطيس مع كل لقاحات أوروبا وأميركا، فهناك أيضا لقاح شركة "كانسينو" (ويُخضع الآن لتجارب المرحلة الثالثة في السعودية وباكستان وروسيا)، ولقاح شركة "سينوفاك" (ويخضع الآن لتجارب المرحلة الثالثة في إندونيسيا وتركيا)، ولقاح شركة "ساينوفارم" – فرع مؤسسة ووهان (ويخضع لتجارب محدودة في الإمارات والبيرو وعدة دول أخرى).

 

الواقع أن الصين تمتلك ميزة أساسية(9) مقارنة بأوروبا وأميركا، وهي أنها تمكَّنت، بحسب ما يرد منها من بيانات، من السيطرة على الفيروس بشكل شبه تام، يعني ذلك أنها ليست -مثل أميركا ودول الاتحاد الأوروبي- محمومة فقط بهدف واحد وهو الحصول على اللقاح لسكانها كي يعود الاقتصاد إلى أوضاع ما قبل ديسمبر/كانون الأول 2019، لهذا السبب تتبع الصين إستراتيجية غاية في الذكاء لصنع تحالفات جديدة أكثر عُمقا.

 

فمن جانب، ستجد أنها تُجرِّب لقاحاتها الأربعة في نحو 15 دولة حول العالم، أحد أسباب ذلك هو أن الفيروس لم يعد يتفشى بالصين، لكنها كذلك تهدف لإقامة علاقات اقتصادية وسياسية وطيدة مع هذه الدول، أضف إلى ذلك أنها ألقت بنفسها في عدة تحالفات مهمة، منها مثلا التحالف الدولي للقاحات "كوفاكس"، ومن خلاله ستتمكّن من توريد لقاحاتها للدول النامية.

 

في كل الأحوال، فإن مساعي الصين تتقاطع كما يبدو مع مصالح الدول العربية التي ستُقرِّر استخدام اللقاح، لأن ذلك يعني أنها تهتم حقا بنتائج اللقاحات وتعمل على إخراجها في أكثر الصور أمانا وفاعلية، كي تكتسب ثقة بالحجم نفسه، خاصة أنها لا تجد الكثير من الثقة لدى المواطن العربي، الذي يضعها دائما في منطقة "المقلّد" أو "المزوّر". ربما حانت الفرصة الذهبية للصين لتغيير تلك الفكرة، فهل تتمكّن من ذلك؟!

 

بالطبع لا يوجد لقاح آمن بنسبة 100%، وهناك دائما فرصة لظهور أعراض جانبية نادرة وخطيرة مع ارتفاع أعداد مستخدميه من البشر، لكن في المجمل فإن اللقاح الصيني يبدو آمنا كفاية إلى الآن، لكن لا يمكن بالطبع أن نتأكد من ذلك بشكل نهائي إلا بعد نشر الأبحاث عن تجارب المرحلة الأخيرة، ومع الاستخدام خلال الفترة القادمة ستتضح فاعليته بشكل أكبر، وربما نجيب عن السؤال الأهم: إلى متى تستمر المناعة ضد المرض؟ وهل يمكن حقا أن نتخلص قريبا من تلك اللعنة؟

————————————————————————–

المصادر

  1.  Safety and immunogenicity of an inactivated SARS-CoV-2 vaccine, BBIBP-CorV: a randomised, double-blind, placebo-controlled, phase 1/2 trial
  2. عاجل.. وزيرة الصحة: 3 آلاف مصري حصلوا على تطعيم كورونا
  3. UAE Ministry of Health and Prevention announces official registration of inactivated COVID-19 vaccine used in #4Humanity Trials
  4. UAE announces emergency approval for use of COVID-19 vaccine
  5. Coronavirus vaccine: China jab 86% effective, UAE says
  6. Peru suspends Sinopharm COVID-19 vaccine trial after "adverse event"
  7. DNA and RNA-based vaccines: principles, progress and prospects
  8.  COVID-19 Vaccine Researchers Mindful of Immune Enhancement
  9.  China’s vaccine gambit

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة