"إبرة الخلاص".. هل يمكننا الوثوق بلقاح كورونا؟

قبل عدة أيام، انتشرت في أوساط التواصل الاجتماعي العربي منشورات عدة تقول إننا على مدى عقود عدة لم نجد لقاحات للبرد أو الإيدز، ورغم أنه قد مرت سنة واحدة فقط على جائحة "كوفيد-19″، فإن المسؤولين في شركات الأدوية وحكومات الدول يقولون إننا -فجأة- حصلنا على لقاح، ويزعم مُصمِّموه أنه آمن وفعّال، وأقرّ الكثيرون بسبب ذلك أنهم لن يحصلوا على هذا اللقاح.

 

بالطبع أخطأت تلك المنشورات في أكثر من نقطة، فيروس الإيدز مثلا مختلف تماما(1) عن كورونا المستجد، فهو يتحوّر بسرعة شديدة، كما أنه، في جزء من تركيبه، يشبه جسم الإنسان مما يُفوِّت على الجهاز المناعي فرصة اكتشافه، أضف إلى ذلك أن البرد ليس شيئا واحدا بل هو مجموعة من الأعراض المتوسطة إلى الشديدة التي يُسبِّبها أكثر من 200 فيروس(2)، كما أننا بالفعل نحصل على لقاحات الإنفلونزا كل عام.

 

لكن رغم ذلك، فإن السؤال الأساسي هنا مشروع ومهم، ونعرف جيدا أنه السؤال الذي يجول بخاطرك يوميا لحين قدوم اللقاح، فأنت واقعٌ بين نارين. من جهة، الوباء ينتشر، أعمالك وعلاقاتك متوقفة أو على الأقل متأثرة بالأجواء المريضة، وحالتك النفسية أعلى من الصفر بقليل. ومن جهة أخرى، جاء هذا اللقاح الذي يتحدثون عنه بسرعة شديدة، ألا يمكن أن يحدث شيء ما؟ هل استوفت تلك اللقاحات كل المطلوب قبل أن تصل، في صورة إبرة، إلى ذراعي؟

epa08877897 A handout photo made available by Mount Sinai Hospital showing a pharmacist at a Mount Sinai Health System pharmacy trains to handle Pfizer’s new coronavirus disease (COVID-19) vaccine in the Queens, New York, USA, 10 December 2020. The first vaccine, which requires being stored in extremely low temperatures to maintain its effectiveness, is expected to be distributed in the United States’ early next week. EPA-EFE/ANDREW LICHTENSTEIN / MOUNT SINAI HOSPITAL HANDOUT HANDOUT EDITORIAL USE ONLY/NO SALES

 

عنوان ميدان

حسنا، أسرع لقاح نعرفه إلى الآن هو لقاح النكاف، طوّره عالم الميكروبيولوجيا الأميركي موريس هيلمان(3) في أربع سنوات فقط، وفي المعدل تأخذ اللقاحات فترة أطول من ذلك وصولا إلى 15 سنة في بعض الأحيان، ما يعني أن وصول لقاح "كوفيد-19" كان بالفعل سريعا جدا، لكن رغم ذلك، الخطأ الأول الذي نقع فيه هو تصوُّر أن تلك اللقاحات أخذت سنة واحدة فقط.

 

لكن إذا تأملنا قليلا تاريخ لقاح النكاف، بنظرة أكثر تفحُّصا، فسنعرف أن قصة ظهوره الشهيرة تُغفِل البحث الذي دام عقودا عن علاج للنكاف الذي بدأ بجدية خلال الحرب العالمية الثانية، وخلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي حقّق الباحثون الذين كانوا يعملون على لقاحات شلل الأطفال والحصبة إنجازات تدريجية في تقنيات تطوير اللقاحات نفسها، الأمر الذي ساعد أن يكون لقاح النكاف في الستينيات مُمكنا.

 لقاح_كورونا_المستجد

الأمر كذلك بالنسبة للقاحات "كوفيد-19″، خذ مثلا لقاح "أسترازينكا-أوكسفورد"، وهو واحد من أشهر اللقاحات المُرشَّحة حاليا، بدأت حكاية هذا اللقاح(4) مع وباء الإيبولا الذي اندلع غرب أفريقيا سنة 2014، وقتها بدأ باحثون من جامعة أوكسفورد في البحث عن لقاح يمكن تطويره بصورة أسرع من المعدلات الطبيعية.

 

وكان المعتاد، كما نعرف، أن تُستخدم صور مُضعَّفة أو ميتة من الفيروس، لكن هذه العملية كانت تستغرق وقتا طويلا لإنتاج عدد كبير من الجرعات، هنا ظهرت فكرة لقاحات الحمض النووي (DNA) التي تعتمد على فيروس يُسبِّب البرد في الشيمبانزي، ثم تعديله جينيا بحيث لا يتمكّن من تكرار نفسه داخل الخلايا البشرية، ثم تعديله ليحمل المادة الوراثية الخاصة بالفيروس الذي نود الوقاية منه، وبهذا يتمكّن الباحثون من إنتاج هذا اللقاح سريعا واللحاق بالمرض.

 

في الواقع، إن الحديث البحثي عن لقاحات الحمض النووي، سواء كانت لقاحات (DNA) مثل لقاح "أوكسفورد" أو لقاحات (RNA) مثل لقاحَيْ "موديرنا" و"فايزر-بايونتك"، قد بدأت منذ التسعينيات(5) من القرن الماضي حينما أدرك العلماء أنها يمكن أن تكون تقنيات تصنيعية أرخص وأسرع من اللقاحات المعتادة، لكن كانت هناك دائما مشكلة في التمويل، الأمر الذي تحقق في حالة كورونا المستجد.

عنوان ميدان

 

عنوان ميدان

لا يمكن لنا، بأي حال من الأحوال، أن نتجاهل فكرة أن أحد أهم العوامل التي سرّعت من إنتاج لقاحات "كوفيد-19" هو التمويل(6)، الذي بدأ مبكرا في يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط مع إعلان ظهور الفيروس، حيث قرّرت الحكومة البريطانية إنفاق 20 مليون دولار بداية لتسريع عملية إنتاج اللقاحات، وتلتها مؤسسة بيل وميليندا جايتس بتمويل قدره 100 مليون دولار، ومع وصولنا إلى شهر مارس/آذار، وتحوُّل الأمر إلى جائحة عالمية، أصبح مجمل التمويل العالمي نحو 2-3 مليار دولار.

 

مع ظهور النتائج الأولية للقاحات في مايو/أيار، وصل مقدار التمويل العالمي -في قفزة مهيبة- إلى 22 مليار دولار، تلتها قفزتان إضافيتان وصولا إلى شهر أغسطس/آب، مع إعلانات النتائج التجريبية الأولى للقاحات، وكانت بالفعل مُبشِّرة، ليصل تمويل نطاق اللقاحات فقط إلى(7) نحو 40 مليار دولار، إنه رقم هائل، ببساطة حوَّل باحثو اللقاحات من شحاذي تمويل إلى أهم كنوز الكوكب، هؤلاء الذين يتنقلون في طائرات خاصة، وتُجاب طلباتهم بإشارة إصبع!

 

من جانب آخر فإن علاقتنا بالمرض نفسه، "كوفيد-19″، أقدم مما يتصور البعض، فرغم أن هذه الصورة المُسماة "سارس كوف-2" ظهرت في الصين الشتاء الماضي، بحد علمنا إلى الآن، فإن فيروسات كورونا التي تُصيب الإنسان قديمة (وهي إلى الآن سبعة)، نعرفها منذ 50 سنة(8)، لكن تحديدا في عام 2003 لفتت الانتباه البحثي بعد تفشي فيروس "سارس" (SARS) في الصين، وكان قادرا على قتل 10% من مصابيه، ثم جاء "ميرس" (MERS) في الجزيرة العربية وكان أكثر شراسة، حيث وصلت نِسَب الوفيات بين مصابيه إلى 34%، لكن لأن أعداد المصابين بهما كانت في المجمل نحو 17 ألف شخص، بالتالي لم يكن هناك اهتمام كبير بتمويل تلك الأبحاث.

 

epa08812492 Medical staff wearing protective gear take care of a patient infected with a coronavirus and intubated in the special Covid-19 resuscitation unit at the Estree clinic in Stains, a northern suburb of Seine-Saint-Denis near Paris, France, 10 November 2020. France is in the midst of a second wave of the COVID-19 coronavirus pandemic and faces an increase of the patients hospitalized in intensive care units (ICU). EPA-EFE/CHRISTOPHE PETIT TESSON

لهذا السبب فإنه منذ بداية الجائحة عملت فِرَق بحثية متعددة على تتبُّع التركيب والتغير الجينومي للفيروس مع إتاحة كل البيانات المُمكنة لكل الباحثين حول العالم بشكل مجاني، وإلى الآن نُشِر أكثر من 100 ألف تسلسل(9) جيني للفيروس، كانت تلك هي المرة الأسرع في تاريخ تفشي الأوبئة حول العالم التي يجتمع خلالها هذا القدر من البيانات في أسابيع إلى أشهر قليلة منذ بداية الجائحة، ساعد ذلك في عدة أمور مهمة، أولها كان تمكين العلماء في كل مكان بالعالم من متابعة تطوُّر الفيروس، والثاني كان المساعدة في تسريع تطوير أنواع جديدة من اللقاحات تعتمد بالأساس على الحمض النووي للفيروس.

 

الأمر إذن ممكن، وما يرى البعض أنه تعجُّل أو اختصار لخطوات مهمة ليس إلا تضافرا لعدد من العوامل مع جهد مكثف في نطاق ليس جديدا كما تظن، يجيء ذلك كله في سياق أكثر أهمية وهو توفُّر الخاضعين للتجارب، في ظرف عادي لا تتمكّن من إيجاد 30-40 ألف شخص لتجارب المرحلة الثالثة على لقاح ما، لكن في ظل وباء يقترب -لحظة كتابة هذه الكلمات- من 100 مليون إصابة ومليوني وفاة، فإنه من السهل أن تجدهم.

 

عنوان ميدان

لكن رغم هذا تظل هناك تعقيدات، بعضها علمي وأغلبها سياسي، تتعلّق بتلك النقطة الخاصة بالثقة في اللقاح، خذ مثلا ما حدث في بريطانيا، فهي أول دولة في العالم تبدأ بالفعل في إجراءات تلقيح المواطنين بمنتج شركتَيْ "فايزر-بايونتك"، رغم أنه إنتاج أميركي ألماني بالأساس، والسبب هو أن بريطانيا كانت أول دولة في العالم تُعطي تصريحا باستخدام اللقاح.

لذلك واجهت السلطات الصحية البريطانية انتقادات(10) كثيرة كونها أول مَن تصدَّر لإعطاء تصريح "مُتسرِّع" للقاح، يبني نفسه بالأساس على نيّات سياسية. أنطونيو فاوتشي، أحد أكبر خبراء الأمراض المعدية في الولايات المتحدة الأميركية، قدّم انتقادا شبيها، لكن رغم ذلك فإن إدارة الغذاء والدواء الأميركية صرّحت بالفعل باستخدام اللقاح، في بيان مفصّل صدر في أواخر خريف 2020، أشار إلى أن اللقاح أثبت درجة من الفاعلية والأمان بحيث يمكن استخدامه على نطاق أوسع.

 

من جانب آخر فإن هناك مشكلة تتعلّق بالإجراءات القانونية(11) الدولية التي يمكن أن تُتَّخذ لو حدث شيء طارئ مُتعلِّق بالأعراض الجانبية للقاح، على سبيل المثال كانت دول مثل كينيا وفيتنام قد أعلنت عن قلقها تجاه الحصول على لقاحات من الاتحاد الدولي "كوفاكس"، الذي يُخطِّط لإيصال اللقاح إلى دول متوسطة ومنخفضة الدخل، بسبب عدم وجود اتفاقية قانونية واضحة تُلزِم الشركات بدفع تعويضات مناسبة.

 

لكن هل يمكن بالفعل أن تكون هناك أعراض جانبية خطيرة؟ في تلك النقطة يجب أن تهدأ قليلا وتتأمل معنا بعض البيانات، لنبدأ مثلا بلقاح "فايزر-بايونتك"، جُرِّب هذا اللقاح في المرحلة الثالثة(12) على أكثر من 43 ألف شخص في أكثر من دولة، وكان قد أثبت درجة كبيرة من الأمان والفاعلية خلال كل المراحل، من جانب آخر فقد بدأت بريطانيا تجاربها عليه بالفعل، وخلال أول أسبوع فقط، بينما يُكتب هذا التقرير، فإنه من المُتوقَّع أن يتلقى 400 ألف شخص هذا اللقاح (13).

Syringes are seen in front of displayed Biontech and Pfizer logos in this illustration taken November 10, 2020. REUTERS/Dado Ruvic/Illustration

في الوقت الذي قامت فيه الصين -بحسب إعلانها- بإعطاء اللقاحات الجديدة لأكثر من مليون شخص(14)، وهي للعلم اللقاحات نفسها التي ستُوزَّع قريبا في بعض الدول العربية مثل المغرب ومصر، كذلك أعلنت الإمارات العربية المتحدة عن نجاح التجارب على اللقاح الصيني، التي خضع لها 30 ألف شخص من أكثر من مئة جنسية، وكانت الفاعلية بنسبة 86% من درجة وقاية من الأعراض الشديدة للمرض وصلت إلى 100%، بحسب بيانات حكومية(15)، أضافت كذلك أنها أعطت اللقاح لمئة ألف موظف.

 

هذه نتائج عظيمة بالفعل، خاصة أن اللقاحات الصينية تتبع الطريقة التقليدية في آلية صناعتها، وهي استخدام نسخة مُضعَّفة أو ميتة من الفيروس، وبالتالي فإنها مُجرَّبة من قبل واعتدنا سلامتها، لكن بسبب أزمة ثقة مع الصين، بقي أن تُنشر هذه النتائج المعلنة من قِبَل سلطات حكومية في مجلات علمية رصينة بعد أن تُراجع من قِبَل علماء متخصصين في تلك النطاقات، كل ما نعرفه عن اللقاحات الصينية إلى الآن -ومنشور في دوريات علمية- توقف عند المرحلة الثانية للتجارب التي عادة ما يشارك بها مئات الأشخاص فقط، لكن النتائج كانت واعدة.

عنوان ميدان

النتائج الأولية لكل لقاحات المرحلة الثالثة كانت مُبشِّرة بالخير، سواء نُشِرت النتائج أم بانتظار النشر، نِسَب الأعراض الجانبية شديدة الخطورة تكاد تكون منعدمة، وعادة ما قد يختبر الأشخاص أعراضا معتادة مثل ارتفاع في درجة الحرارة والتهاب موضع الحقن أو صداع أو رجفة، كذلك مع ظهور حالات تحسس شديد تجاه لقاح "فايزر-بايونتك" أعلنت السلطات الصحية البريطانية منع أي شخص يواجه أي نوع من أنواع التحسس تجاه الدواء أو الطعام من أخذ اللقاح. لكن رغم كل ذلك، ما زالت هناك فرصة لظهور أعراض جانبية شديدة الندرة لم تلاحظها النتائج الأولية، حالة غاية في الخطورة من كل 100 ألف هي وضع نادر لا شك، لكنها في مليار جرعة تُمثِّل 10 آلاف حالة.

 

يخشى العلماء تحديدا من حالة شوهدت من قبل مع أحد فيروسات كورونا، وكذلك الحصبة وحمى الضنك وغيرها، وتسمى التعزيز المعتمد على الجسم المضاد(16) (Antibody-dependent enhancement)، وتحدث عندما يُولِّد الجسم، بواسطة لقاح ما، أجساما مضادة لكنها لا تُحيّد الفيروس بشكل كافٍ حينما يأتي، وبدلا من ذلك تُسهِّل تلك الأجسام المضادة دخول الفيروس للخلايا البشرية، مما يؤدي إلى تفاقم المرض، والمشكلة أن هذا الأمر لا يمكن رصده بسهولة إلا بعد عدد ضخم من المرضى.

epa08870142 A woman receives the first of two Pfizer/BioNTech Covid-19 vaccine jabs at a vaccination centre in Cardiff, Britain, 08 December 2020. The UK started the largest immunisation programme in the country's history. Care home workers, NHS staff and people aged 80 and over will begin receiving the jab protecting against the SARS-CoV-2 coronavirus. EPA-EFE/Ben Birchall / POOL

من جانب آخر فإننا ما زلنا لا نعرف عن المدى الذي يمكن أن يعمل اللقاح خلاله، هل هو 3 أشهر أم 6 أشهر أم سنة أم أكثر؟ هل يمنعك اللقاح من إصابة الآخرين أم فقط يمنعك من تطوير الأعراض لمستوى خطير لكن يمكن لك أن تصيب الآخرين؟ بالطبع أي نتيجة ستكون مقبولة في ظل ظرف كهذا، لكن إجابة هذين السؤالين ستؤثر بقوة على خطط الدول لمستقبلها مع الوباء، من جانب آخر فإن قِصَر المدة يُحمِّل بعض الدول أعباء اقتصادية.

 

لهذه الأسباب، فإنه حتّى مع حصولنا على اللقاح، فقد تستمر الإجراءات الاحترازية وصولا إلى عام 2022، بعد التأكد تماما من فاعلية اللقاح بالنسبة لكل الفئات العمرية والمَرَضية، وكذلك من المدة التي يبقى اللقاح خلالها فعّالا، من جانب آخر فإنه حتى مع فاعلية اللقاح فإن إنهاء الوباء أمر لن يكون سهلا. فبحسب دراسة صادرة مؤخرا(17) من الجورنال الأميركي للطب الوقائي "American Journal of Preventive Medicine"، فإنه في حال كانت فاعلية اللقاح نحو 80% فإن القضاء تماما على الوباء يتطلّب أن يستخدمه 75% من الناس، أما إذا انخفضت فاعلية اللقاح دون ذلك فإن ذلك سيتطلّب عددا أكبر من السكان، وهذا أمر صعب الحدوث، خاصة أن الناس -في العالم كله- غير مطمئنين كفاية للقاح (في أحد الاستقصاءات رحّب 50% من الأميركان بالحصول على اللقاح(18)).

 

في كل الأحوال، فإن اللقاحات إلى الآن تقف عند النقطة التي كان من المفترض أن تقف عندها، وهي مثل كل اللقاحات التي نعرفها، الآثار الجانبية الشديدة أو طويلة الأمد لها موجودة، لكنها نادرة، وتُراقَب اللقاحات باستمرار للتأكد من سلامتها واكتشاف الأحداث الضارة النادرة. لكن في تلك النقطة، وقبل أن تتخذ قرارك بشأن اللقاح، خاصة أننا نعرف أن ما أنت مُقبل عليه هو قرار قد تتوقف عليه حياتك أو حياة شخص تحبه، بشكل أكثر خصوصية إن كان من فئة عمرية أو مرضية هشة في مواجهة "كوفيد-19″، فإننا نود أن ننبهك لنقطة مهمة.

 

عنوان ميدان

قبل أيام نشرت معظم الصحف العربية صورا مختلفة من خبر مرعب يقول: "6 وفيات بسبب لقاح شركة فايزر"، وتصوّرت الجماهير العربية أن المقصود من هذا الخبر متعلّق ببداية توزيع اللقاح في بريطانيا، وقال البعض إن "اللقاح يقتل الناس"، لكن الواقع أن هذا كان جزءا من بيان(19) إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) تقول فيه إن لقاح "فايزر-بايونتك" آمن وصالح للاستخدام، ولكن في أثناء التجارب على أكثر من 43 ألف شخص، منذ إبريل/نيسان وحتى أغسطس/آب، ظهرت 6 وفيات، 4 منها في المجموعة التي تلقّت لقاحا وهميا، و2 في مجموعة اللقاح، وكلهم من أعمار أكبر من 55 سنة، ولديهم حالات طبية تُرجِّح أن اللقاح ليس سببا في هذه الوفيات، وبالتالي فإن النتائج مُبشِّرة، واللقاح سيأخذ التصريح للاستخدام.

 

هدف الصحف كان -ببساطة- لفت انتباه الناس لأجل الحصول على "زيارات للمواقع"، مع كميات هائلة من "الإعجاب" و"المشاركة" والتعليقات، عنوان كهذا يُعتَبر مضللا حتى وإن كتبت المعلومات الصحيحة بالداخل، لأننا نعرف أن 60% من الناس يتلقون المعلومات من عناوين الأخبار(20)، تزامن ذلك مع منشورات قادمة من حلف أتباع نظرية المؤامرة، من كل حدب وصوب، تقول إن التجارب على اللقاحات أظهرت أعراضا جانبية شديدة الخطورة في نصف الخاضعين لها، وأخرى تقول إن اللقاحات تصيب الأطفال بالتوحد، وثالثة تقول إن اللقاحات ستحتل جسمك وتضع به أجساما نانونية تتحكّم بها قوى عالمية!

 

قارئنا العزيز، خذ حذرك من الأخبار الكاذبة والمُضلِّلة، فلن نتمكّن من تفنيد كل هذا الهراء الذي ينهال علينا كالشلال يوميا، يجب أن تتحلّى بدرجة من العقلانية النقدية في مواجهة كل ذلك، هل يُعقل مثلا أن تُقرِّر دولة مثل بريطانيا إعطاء لقاح له أعراض خطيرة في نصف الحالات لـ 400 ألف من مواطنيها؟ حتى الآن، ما نعرفه هو أن اللقاح آمن، نعرف كذلك أن الأعراض الجانبية الخطيرة نادرة في مثل هذا النوع من اللقاحات، قد يحدث شيء سيئ، لكنه احتمال ضعيف، أو بدرجة من الدقة: إنه أضعف بفارق كبير من احتمال آخر وهو أن تُصاب بالعدوى، أو تنقلها إلى شخص من الفئات الهشة. إنه قرارك في النهاية.

—————————————————–

المصادر

  1. Why We’re Still Waiting on a Vaccine for HIV and Other Deadly Viruses
  2. Why is there not a vaccine for the common cold?
  3. How a New Vaccine Was Developed in Record Time in the 1960s
  4. Oxford vaccine: How did they make it so quickly?
  5. DNA and RNA-based vaccines: principles, progress and prospects
  6. Funding COVID-19 vaccines: A timeline
  7. المصدر السابق
  8. First human coronavirus isolated at UChicago more than 50 years ago
  9. viral genomic sequences of hCoV-19 shared with unprecedented speed via GISAID
  10. EU criticises ‘hasty’ UK approval of COVID-19 vaccine
  11. WHO vaccine drive bedevilled by familiar question: who pays if things go wrong?
  12. Covid-19 vaccine: First person receives Pfizer jab in UK
  13.  المصدر السابق
  14. In China, nearly 1 million people have reportedly already gotten a coronavirus vaccine
  15. الصين تكشف لـCNN نتائج تجارب لقاح سينوفارم بالإمارات: فعال بنسبة 86٪
  16. The Risks of Rushing a COVID-19 Vaccine
  17. Vaccine Efficacy Needed for a COVID-19 Coronavirus Vaccine to Prevent or Stop an Epidemic as the Sole Intervention
  18. Coronavirus: fifth of people likely to refuse Covid vaccine, UK survey finds
  19. Vaccines and Related Biological Products Advisory Committee Meeting December 10, 2020
  20. Americans read headlines. And not much else.

حول هذه القصة

تفصلنا فقط أسابيع قليلة عن جائزة نوبل، أكبر حدث علمي بالعالم، ينتظرها متخصصو وهواة العلوم بشغف شديد، وتكون أيام إعلان جوائز نوبل هي فرصة عظيمة لمهرجانات علمية متزامنة احتفالًا بها. من سيربح هذا العام؟

Published On 30/9/2020

“هذه هي سِمَات ضباب الدماغ، وهو أحد أعراض “كوفيد-19” العصبية.. بل قد يمتد الأمر إلى ما هو أعقد من ذلك”، هذا ما قاله الدكتور والباحث ماجد فتوحي في حواره مع ميدان.. القصة والتفاصيل بهذا التقرير.

Published On 1/12/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة