القراءة دفء الشتاء.. ١٠ كتب ستساعدك على تجاوز برودة هذا الفصل

إنه لا شك الشتاء الأصعب على البشرية منذ نحو مئة عام، فبجانب برودة الطقس، ونزلات البرد والإنفلونزا المعتادة، تلك التي نحتاج لتجاوزها إلى أن نمكث في المنزل، فإننا هذا العام مع موجة ثانية من كورونا المستجد، يعتقد الكثير من العلماء أنها ستكون قوية، قد يتطلّب ذلك أن تمكث في المنزل وقتا أطول من المعتاد في الشتاء، وليس أفضل ما يمكن أن تفعله هو أن تستمر في التجوُّل بلا هدف على الصفحة الرئيسية لإنستغرام أو فيسبوك أو تويتر.

 

لذلك دعنا نقترح عليك حلا مناسبا، يتمثّل في عادة دأبنا عليها في "ميدان" منذ نشأته، وهي أن نقوم كل عام بترشيح مجموعة من 10 كتب يمكن لك أن تقرأها خلال فصل الشتاء وبدايات الربيع، راعينا أن تكون متنوعة في موضوعاتها، ومفيدة معرفيا، وبسيطة قدر الإمكان في أسلوبها بحيث تكون سهلة القراءة لنطاق واسع من القُرّاء. قد تكون هناك كتب أفضل، لكن هذه هي اختيارات الكاتب الشخصية التي يعدك أن تكون ممتعة حقا.

 

لنترك المقدمات الطويلة ونبدأ معا من كارلو روفييلي، الفيزيائي الإيطالي، في كتابه "الواقع ليس كما يبدو"، الذي يشرح الرحلة إلى الجاذبية الكمومية، وروفييلي هو أحد ألمع مُنظّريها. أسلوب روفييلي بديع، وشاعري، وهادئ، وبسيط قدر الإمكان، يبدأ من تاريخ الفيزياء وصولا إلى العصر الحديث بنسبيّته ونظرية الكم، ثم الصراع بينهما والمشكلات التي تواجه اتفاقهما، وأخيرا، بداية من الفصل الخامس، يبدأ الحديث عن الجاذبية الكمية بعدما أسّس لها، وينطلق منها لرؤية مختلفة عن الكون وتاريخه وثقوبه السوداء العجيبة، للكاتب مجموعة أخرى من الكتب الممتعة كذلك منها "نظام الزمن" الذي تُرجم إلى العربية أيضا، ويمكن كذلك أن تستمتع بمشاهدة محاضراته عبر يوتيوب.

 

عادة ما ننقسم إلى مجموعتين حينما نتحدّث عن استكشاف الآثار، الأولى هي فريق "إنديانا جونز"، الذي يتصوّرها مغامرة تتضمّن الكثير من القتال والثروات، والثانية هي الفريق الأكاديمي، الذي يظن أن علوم الآثار باردة، يستذكرها طلبة كليات معقدة ويبذلون الكثير من الوقت والجهد في سبيلها، لكن الأمر ليس هذا ولا ذاك، إنه فقط علم دراسة الماضي، وفي هذا الكتاب يتحدث براين فيجن عن ذلك بطريقة مثيرة جدا للانتباه، فيروي لنا حكايات عظماء الآثاريين واكتشافاتهم المتنوعة، الكتاب بسيط ومُلهم ويجذبك لاستكماله سريعا، وهو جزء من سلسلة ممتعة جدا سنفرد لها تقريرا تفصيليا قريبا.

 

"مارك ميوداونك"، أستاذ علم المواد من كلية لندن الجامعية، حكّاء بارع، في كتابه يُقدِّم -بطريقة مبسطة وممتعة- للمادة العادية التي نعرفها جميعا، الورق الذي تقرأ عليه، والحديد في أرجل طاولتك، والخرسانة في جدران منزلك، والبلاستك في فرشاة أسنانك، لكن مع ميوداونك تتعلّم أنه عالم عميق حقا، حيث يأخذك في مرة إلى الدور التاريخي لمادة ما، ثم في فصل آخر إلى دورها التقني، وفي فصل آخر إلى علاقتها بثقافتنا، في النهاية تكتشف أن كل تلك الأشياء الباردة الجامدة التي ربما لا تهتم بوجودها ليست كذلك أبدا.

 

هذا الكتاب من سلسلة عالمية واسعة الشهرة تمتلك اسما مضحكا "للحمقى" (For Dummies)، ويُؤلِّف هذه النسخة الدكتور دانيال سي ريتشاردسون، أهمية علم النفس الاجتماعي أنه يجيب عن الأسئلة نفسها التي تجول في بالك: لماذا يتصرف الناس بهذا الشكل؟ لِمَ يصعب إقناعهم؟ لماذا يُعجبون بهذا الشخص دون هذا الشخص؟ ولِمَ في بعض الأحيان يبدون أغبياء جدا؟ الكتاب، والسلسلة كلها، يعمل كفصل دراسي مكثف وبسيط لشرح الأساسيات المهمة لهذا العلم في صورة تجارب ممتعة ومثيرة جدا للانتباه.

 

كان بول ديراك، الفيزيائي واسع الشهرة الحاصل على نوبل، شخصية معقدة للغاية، قليل الكلام بشكل يدعو للتعجب، حتّى إن مُحاورا من "جورنال ولاية ويسكنسون" -ذات مرة- قد تمكّن بعد جهد طويل من الحصول على 20 كلمة فقط من ديراك في حوار معه. للوهلة الأولى، يبدو ذلك شيئا غاية في القسوة والبرود، لكن ذلك ليس حقيقيا، فقد كان ديراك شخصا بسيطا يسهل إحراجه، وكان فقط يود أن يعيش أبسط حياة مُمكنة بحيث لا يتدخل إلا فيما يعنيه، في هذا الكتاب يُشير غراهام فارميلو الكاتب الشهير في نطاق السِّيَر إلى الكثير من الملامح المُلهمة، بجانب الكثير من الحكايات المثيرة جدا للانتباه، في حياة هذا الرجل الغامض ذي البُعد الواحد، وهو حقا كتاب ممتع جدا.

 

في مقدمة هذا الكتاب يقول بيتر هيجنز، أستاذ ورئيس قسم الرياضيات في جامعة إيسيكس: "إن غرض هذا الكتاب هو الاستمتاع"، وهي جملة مريحة لشخص لم يتعرف إلى كتاب عن الرياضيات من قبل، وفي الحقيقة يحاول هيجنز أن يجذبك للقراءة عن الرياضيات بشتّى الطرق الممكنة، فمرة يسألك عن عدد المباريات الممكنة في بطولة التنس، ومرة حول الزمن المطلوب من أجل بناء جسر ما، ثم بعد ذلك يدخل بك، من خلال أسئلة بتلك البساطة، إلى عالم الرياضيات الواسع ونظرياته المعقدة. يستخدم هيجنز الصيغ الرياضية بحذر شديد، فهو من أحد الجوانب يُشعرك أنك قادر بالفعل على موضوعات وصيغ كتلك، ومن جهة أخرى يتجنّب الملل قدر الإمكان بحيث لا تنفض سريعا عن كتابك، ويتمكّن بسلاسة ويُسر، لكن ليس في كل الأحيان، من الولوج بك إلى موضوعات غاية في الأهمية والعُمق، عبر صيغ بسيطة، أضف إلى ذلك أنه يُكثِر من طرح الأسئلة بين طيّات كتابه، ما يفتح لك الباب أنت أيضا للتساؤل، وإن كان كل ما سوف تحصل عليه بعد الانتهاء من هذا الكتاب هو حزمة من الأسئلة، فذلك ممتاز.

 

للوهلة الأولى تظن أنك أمام أحد كتب التنمية البشرية، لكن هذا الكتاب هو أحد منشورات الجمعية الأميركية لعلم النفس، ومؤلفته هي أستاذة جامعية في علم النفس الإكلينيكي وخاضت كذلك نطاق العمل المباشر مع المرضى والأصحاء عبر آلاف الجلسات، وهي عبر نحو مئتي صفحة في هذا الكتاب تحاول أن تُقدِّم لك عدة جلسات واضحة وعميقة وثقيلة، والأهم من ذلك أنها عملية، يمكن أن تساعدك على ضبط حياتك ولو قليلا، تستخدم الكاتبة تقنيات فعالة وذات ثقل بحثي من نطاقات علم النفس الإيجابي والعلاج المعرفي السلوكي والتيقُّظ أو التعقُّل. خُضْ في محتويات هذا النوع من الكتب، ليس كونها مجموعة من القوانين، لأنها ليست كذلك، بل وكأنك ذهبت إلى شخص تستشيره في مشكلة ما، شخص رصين ومتخصص وتثق به، ليس بالضرورة يملك الحل النهائي لمشكلاتك، لكنه يُقدِّم يد المساعدة التي ربما أنت في أمسّ الحاجة إليها.

 

قال كارل ساجان ذات مرة: "نحن الكون وهو يحاول استكشاف ذاته"، لكن أغرب محاولاتنا للاستكشاف -ربما- لم تكن في الكون الواسع بقدر ما كانت في أصولنا، ليس فقط كوننا بشرا، بل كوننا إحدى صور، وتفرعات، الحياة التي ظهرت على الأرض قبل نحو 4 مليارات من السنوات، وهذا الكتاب -الذي يُقدِّمه كلٌّ من بيتر وورد وجو كيرشيفنك- هو محاولة متميزة لسرد كل ذلك التاريخ، وهي متميزة لسببين؛ أولا لأنها مُحدَّثة، فطبعته الأولى صادرة في 2015، وثانيا لأن أسلوب الكتابة بسيط وممتع حقا إلى جانب أنه ساخر بعض الشيء. في عوالم القراءات العلمية، لا شيء يدعو للتأمل أكثر من الغوص في التاريخ السحيق، أو السفر لملايين السنوات الضوئية، أو التلصص على جسيمات دون ذرية شائقة، في كتاب.

 

هذا الكتاب من سلسلة "مقدمة قصيرة جدا"، لمؤلفه ليونارد سميث، رياضي وأستاذ إحصاء من جامعة أكسفورد، يُعطي مقدمة ممتعة في "نظرية الفوضى"، ولمَن لا يعرف فهي -ببساطة- فرصة ممتعة للتعرُّف على منهجية تُلقي بظلالها على كل أنماط التفكير البشري المعاصر، سواء كنا نتحدّث عن الفيزياء والكيمياء، أو كنا نتحدّث في علوم السياسة والاجتماع والفلسفة! أسلوب سميث ثقيل بعض الشيء، يضع هنا وهناك مجموعة من الاقتباسات الرائعة والمهمة، ويستخدم عددا لا بأس به من الرسوم التوضيحية والمربعات التي يشرح فيها نقاطا إضافية أو مهمة ضمن موضوعاته، ما يُميِّز الكتاب أيضا أنه صغير، يمكن أن تُنهيه في فترة قصيرة.

 

تركناه ليكون آخر اقتراحاتنا. لتجعل هذا الكتاب تحديك الأكبر في هذه القائمة، لتجعله كذلك محاولة منك لتخطي حاجز الكتب السهلة إلى مستوى أكثر عُمقا. بدايةً، الكتاب ليس صعبا، ويحاول مؤلفه، دنكان بريتشارد أستاذ الفلسفة بجامعتَيْ سترلنج وإدنبرة، أن يصوغ مادته في أبسط قالب ممكن (بصورة تدعو للإعجاب في الحقيقة)، لكن المادة التي يُقدِّمها ليست سهلة الفهم بطبيعتها وتحتاج إلى كثير من التأني والهدوء، وأعدك أن النتيجة لا شك ستستحق، قد تبدو المادة التي تسأل عن الأبستمولوجيا (نظرية المعرفة) باردة وأكاديمية، لكن ما إن تُنهي هذا الكتاب حتّى تشعر بأهمية شديدة لتلك الأسئلة التي أثارها في دماغك، خاصة أنها جانب من الفلسفة يتعلّق تقريبا بكل شيء في حياتنا يبدأ بسؤال بسيط مثل: كيف نعرف ما نعرف؟ وهل نعرفه حقا؟

حسنا، يبدأ الشتاء خلال شهر من الآن، ويمتد الطقس البارد وصولا إلى الربيع في مارس/آذار وربما أبريل/نيسان، وتلك فترة كبيرة يمكن خلالها أن تُنهي عددا من الكتب، لا نطالبك أن تقرأ كل تلك الترشيحات، لكن الخوض بأكبر عدد منها لا شك مهمة مفيدا حقا، وممتعة في آنٍ واحد.


حول هذه القصة

كل ما يحدث للناس من انفعال ليس من جراء الأشياء وإنما من جرّاء فكرهم عن الأشياء، لهذا السبب قررنا بالقسم العلمي بـ “ميدان” أن نقدم لك مجموعة من الكتب التي يمكن أن تساعدك على فهم العلاج المعرفي السلوكي.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة