ماذا لو أن الماضي والمستقبل كانا واقعا كالحاضر بالضبط؟

إنه لمن العجيب حقا أن يمتد مفهوم "غدر الزمان" إلى تلك المسافة الطويلة التي تبدأ من الشعر الجاهلي القديم، بلغته الرصينة المركبة، وتصل إلى المهرجانات الشعبية المصرية في زمننا الحالي، بلغتها المتحللة من كل قاعدة لغوية أو صوابية سياسية، لكن يظل الفارق أن الزمن في الشعر القديم كان ذا معنى أكثر عمقا، تأمل مثلا زهير بن أبي سُلمى إذ يقول: "بَدا ليَ أنَ النّاسَ تَفنى نُفُوسُهُمْ.. وأموالهمْ، ولا أرَى الدهرَ فانيا".

 

هل يمكن أن يحدث ذلك؟ بمعنى أوضح، ماذا لو أفنينا بالفعل كل شيء من الكون، كل الناس وأموالهم وسياراتهم وهواتفهم الذكية وكل شيء، ماذا لو أفنينا كل المادة في جوانب الكون، هل سيظل الزمن موجودا به؟ إجابة(1) الفلسفة الواقعية (Realist) عن هذا السؤال لا شك ستكون "نعم"، فالزمن -من وجهة النظر تلك- هو خاصية فيزيائية للكون، مستقلة عن كل شيء آخر، يختلف ذلك مع وجهة النظر المثالية (Idealist) على سبيل المثال التي ترى أن الزمن هو خاصية للعقل البشري، طريقته في فهم الكون من حوله، وبالتالي فهو وهم لا يوجد إلا في عقولنا.

لطالما كان هناك خلاف فلسفي حول طبيعة الزمن، وهو ممتد إلى الآن، حيث ما زالت الأسئلة نفسها تتردد في أروقة أقسام الفلسفة والفيزياء على حدٍّ سواء: ما هو بالضبط؟ لماذا يمضي بهذا الشكل؟ نشعر به يمر ولا نراه، نتغير من أطفال إلى شباب إلى شيوخ لكننا لا نتمكّن من الإمساك بالزمن فنُوقفه ونرجع إلى شبابنا مرة أخرى، لكن الفيزياء الحديثة -على الأقل- مكَّنتنا من النظر إليه بطريقة مختلفة، دعنا نبدأ من تلك النقطة.

 

تخيّل أن أحدهم يقف فوق قطار سرعته 200 كم/ساعة، معه مسدس يضرب طلقة بسرعة 1000 كم/ساعة في اتجاه القطار نفسه، بالنسبة لك كونك شخصا يقف على الرصيف ويرى هذا المشهد، كم تكون سرعة الرصاصة؟ الإجابة: 1200 كم/ساعة، إنها سرعة الرصاصة مضافا إليها سرعة القطار، دعنا الآن نستبدل مسدس الطلقات بمسدس ليزر، حينما يضغط الواقف فوق القطار على زناد المسدس فسوف ينطلق الضوء بسرعته الشهيرة C التي تساوي 300 ألف كم/ثانية. لنُطبِّق ما تعلمناه منذ قليل، هنا من المفترض أن تكون النتيجة هي سرعة الضوء مضافا إليها سرعة القطار، لكن ذلك لا يمكن أن يحدث أبدا.

تنص النظرية النسبية الخاصة(2) على أن سرعة الضوء هي أقصى حد للسرعة في الكون، وهي ثابتة في كل الأُطر المرجعية، بمعنى أن كونك على القطار أو على الرصيف أو على قطار آخر يسير بسرعة أكبر من هذا القطار، فإن سرعة الضوء ستظل ثابتة بالنسبة لشخص يقيسها في كل تلك الأُطر، وحتى لو كان القطار يسير بسرعة 150 ألف كم/ثانية، نصف سرعة الضوء، وأطلقنا شعاع الليزر من فوقه، فإن الواقف على الرصيف سيقرأ السرعة دائما على أنها سرعة الضوء، وليست مرة ونصف سرعة الضوء، ما الذي حدث لفارق السرعات إذن، هل اختفى من الوجود؟

 

لغرض التبسيط فقط دعنا نضرب هذا المثال؛ أبسط معادلة معروفة في الفيزياء هي: السرعة = المسافة مقسومة على الزمن. إذا قطعت مسافة 120 كم من بيتك للعمل بسيارتك في ساعتين، فإن سرعة السيارة المتوسطة إذن هي 60 كم/ساعة. دعنا الآن نُطبِّق ذلك القانون البسيط على مشكلتنا مع سرعة الضوء؛ إذا كان طرف المعادلة الأيمن "السرعة" ثابتا لا تنخفض قيمته أو تزيد مهما حدث، على القطار أو على سفينة أو على رصيف، فلا بد أن هناك مشكلة في طرف المعادلة الآخر.

 

يشبه الأمر أن تعطي البائع في المتجر ثلاثة جنيهات فيعطيك عبوة عصير برتقال واحدة، ثم تأتي اليوم التالي وتعطيه ستة جنيهات فلا يعطيك إلا عبوة واحدة، ثم تعطيه تسعة جنيهات فلا يعطيك إلا عبوة واحدة، هناك مشكلة إذن في هذا البائع تجعله يتعامل مع اختلاف الأسعار ليعطي الناتج نفسه، وهي تشبه مشكلتنا هنا، فسرعة الضوء ثابتة مهما كانت سرعة القطار ومهما كان مكانك، فإذا كان طرف المعادلة الأيمن "السرعة" ثابتا، وهناك نوع ما من التلاعب لا نفهمه بعد، إذن سيكون التلاعب في الطرف الآخر، طرف المسافة والزمن في معادلتنا البسيطة أعلاه، وهذا هو ما قاد النسبية لأفكار التمدد الزمني والانكماش الطولي.

بمعنى أكثر وضوحا: لكي يحافظ الكون على سرعة الضوء ثابتة كما هي فلا بد أنه سيضطر للعبث بالزمن والمسافة، تكبيرا أو تصغيرا. لكن الكون سيتخذ هذه الإجراءات بناء على سرعتك بالطبع، فمن منظور شخص يقف على قطار ثالث، أو آخر يقف على قطار رابع، أو أخير يقف على قطار خامس، وكل القطارات تجري بسرعات مختلفة، فإنهم يقيسون سرعة الضوء ثابتة رغم اختلاف سرعاتهم، الكون كذلك سيُمدِّد الزمن ويدفع المسافة للانكماش بحسب سرعاتهم، مثلما سيحدث معك (في أرض الواقع فإن ذلك يحدث بالفعل، لكن لأن فارق السرعات يكون صغيرا جدا مقارنة بسرعة الضوء فإنك لا تلاحظ هذا الأثر).

 

تمدد الزمن(3) (Time Dilation) يعني أن يمر عليك ببطء مقارنة بآخرين. على صاروخ تركبه، ويجري بسرعة قريبة من الضوء لعدة سنوات، فإنك لن تلاحظ أي اختلاف، عقارب الساعة الخاصة بك -مثل كل شيء آخر- ستتحرك بشكل طبيعي، لكن حينما تعود للأرض ستجد أن أصدقاءك أصبحوا أكبر سِنًّا، إنها المفارقة نفسها التي يعرضها فيلم "بين النجوم" (Interstellar).

 

من تلك الوجهة، فإن مرور الزمان ليس ثابتا بالنسبة للجميع، ولو افترضنا أن الكون هو مجموعة هائلة من القطارات المتحركة بسرعات مختلفة (وهو بطبيعة الحال كذلك)، فإن الزمن سيكون مختلفا بالنسبة لكلٍّ من راكبيها، بل ويمتد الأمر لما هو أعمق، لأن هذا بالتبعية يعني أن راكبين مختلفين قد يختبرون بعض الأحداث بترتيب مختلف (في حالات خاصة تشرحها النسبية)، قد يرى الراكب على القطار الأول أن الحدث A الذي يحدث الآن يسبق B الذي سيحدث بعده، ويرى راكب آخر أن الحدث B الذي يحدث الآن يسبق A الذي سيحدث بعده، وقد يرى راكب ثالث أن كليهما حدث معا في اللحظة نفسها، الآن. لكن ما "الآن"؟

 

هنا تتسبّب النظرية النسبية في مشكلة كبيرة، فنحن نظن أن هناك لحظة مميزة ومحددة دائما تسمى "الحاضر"، ونتصوّر أنها موجودة بالنسبة للجميع في مساراتهم الزمنية، لكن النسبية تعرض "حاضرا" لكل شخص مختلفا عن الآخر، وقد يكون حدثا في الماضي بالنسبة لك وفي الحاضر بالنسبة لآخر وفي المستقبل بالنسبة لشخص ثالث، لهذا السبب كان ألبرت أينشتاين قد قال ذات مرة، في رسالة لصديقه ميتشل بيسو: "هؤلاء المقتنعون بالفيزياء يعرفون أن الفاصل بين الماضي والحاضر والمستقبل هو وهم عنيد مستمر"، لأن الحاضر والماضي والمستقبل، هذه الأشياء الثلاثة، كانت في لحظة واحدة "موجودة"!

 

لكي نفهم الفكرة بشكل أفضل، دعنا نتصور أن الأبعاد المكانية في الكون هي اثنين فقط وليست ثلاثة، بذلك يبدو وكأننا كائنات مرسومة على أوراق اللعب "الكوتشينة"، لا نرى إلا للأمام والخلف، واليسار واليمين، لا ندرك حتّى ما يعنيه مفهوم "الأعلى". في هذا النموذج يكون الكون بأكمله منذ لحظة الانفجار الكبير مكعبا أو "قالب كيك" ضخما، كل شريحة نقطعها من هذا القالب تُمثِّل الكون كله، بكل أبعاده، في لحظة محددة.

الآن لنترك الفيزياء قليلا ونتوجّه إلى فلسفة الزمن، وعلى اختلاف الرؤى داخلها فإنها جميعا تطمح لأفضل إجابة ممكنة عن ثلاثة أسئلة: هل هناك لحظة متميزة عن بقية اللحظات تسمى "الحاضر"؟ هل للزمن اتجاه مُفضَّل؟ هل يمضي الزمن من الأساس؟ ترى وجهة النظر الحاضرية4 (Presentism) أن الحاضر فقط هو الشيء الوحيد الواقعي، الموجود بوصفه حقيقة موضوعية، والمستقبل والماضي هي أشياء "وُجِدت" أو "ستوجد"، تقف الحاضرية ضد وجهة النظر "الأبدية" (Eternalism) التي تقول إن الماضي والحاضر والمستقبل، جميعا، واقع موضوعي.

 

من وجهة نظر النظرية النسبية، فإن الحاضرية تواجه مشكلة كبيرة، لأنه لا يوجد "حاضر" واحد للجميع، وبالتالي فإن ألبرت أينشتاين كان مؤيدا لصورة تسمى الكتلة الكونية5 (Universe Block)، وهي فرضية تقول إن الكون فضاء رباعي البُعد، يتشابك فيه الزمان والمكان بحيث نسميهما معا "زمكان"، يجعل ذلك من التعامل مع الزمن والمكان أمرا واحدا، فكما نتعامل مع المكان على أنه موجود هناك على اليمين وعلى اليسار وأمامك وخلفك، فالزمن هو الآخر -كاملا- موجود، في تلك النقطة قد تسأل: لِمَ إذن لا نرى الزمن أو نلاحظه؟

 

نحن كائنات ثلاثية البُعد فقط، لا يمكن أن نُدرك ما هو أعلى من ذلك، لفهم ذلك دعنا نتخيّل أن هناك نملة ما تُسمّى "حسن"، وهي صغيرة جدا بحيث لا يمكن لها أن ترى للأعلى وللأسفل، فقط للجوانب، وظيفة حسن هي السفر يوميا على ورقة جريدة كبيرة، من اسم الجريدة بالأعلى وصولا إلى آخر سطر، ثم الصعود مجددا، وهكذا، وكأن حسن هنا هو سيزيف الذي يحمل الصخرة لأعلى الجبل فيتركها هناك، ثم تسقط للأسفل، فيعاود رفعها مجددا!

 

الآن حدث أن أمسك أحدنا صفحة الجريدة وصنع منها أسطوانة، في تلك النقطة لن يدرك حسن، النملة، ما حدث، فهو لا يرى للأعلى أو الأسفل، لكن حينما يصل إلى آخر سطر في الجريدة فإنه سوف ينتقل فورا إلى العنوان بخطوة واحدة للأمام، إنها المسافة التي يقطعها كل يوم في دقائق طويلة، حدث فجأة أن قطعها في "لا شيء"!

 

نحن كائنات ثلاثية البُعد فقط، لا يمكن أن نُدرك ما هو أعلى من ذلك، لفهم ذلك دعنا نتخيّل أن هناك نملة ما تُسمّى "حسن"، وهي صغيرة جدا بحيث لا يمكن لها أن ترى للأعلى وللأسفل، فقط للجوانب، وظيفة حسن هي السفر يوميا على ورقة جريدة كبيرة، من اسم الجريدة بالأعلى وصولا إلى آخر سطر، ثم الصعود مجددا، وهكذا، وكأن حسن هنا هو سيزيف الذي يحمل الصخرة لأعلى الجبل فيتركها هناك، ثم تسقط للأسفل، فيعاود رفعها مجددا!

 

الآن حدث أن أمسك أحدنا صفحة الجريدة وصنع منها أسطوانة، في تلك النقطة لن يدرك حسن، النملة، ما حدث، فهو لا يرى للأعلى أو الأسفل، لكن حينما يصل إلى آخر سطر في الجريدة فإنه سوف ينتقل فورا إلى العنوان بخطوة واحدة للأمام، إنها المسافة التي يقطعها كل يوم في دقائق طويلة، حدث فجأة أن قطعها في "لا شيء"!

 

من جانب آخر، فإن قوانين الفيزياء لا تعرف الحاضر من الأساس، أضف إلى ذلك أنها لا تمتلك اتجاها مُفضَّلا للزمن، يمكن للقانون أن يبني على أحداث الآن ليخبرك بالمستقبل بدرجة من الدقة تتناسب مع قدر ما توفره له من معلومات، أو يمكن أن تستخدمه لإرجاع ما يحدث الآن إلى موضع في الماضي، في تلك النقطة فإن الإجابة عن الأسئلة الثلاثة لفلسفة الزمن التي ذكرناها قبل قليل قد تكون: لا يوجد حاضر، الزمن لا يُفضِّل اتجاها بعينه، الزمن لا يمر، لكنه موجود بالكامل، بماضيه ومستقبله.

 

يتفق ذلك كله مع فرضية الكتلة الكونية. يشبه الأمر أن يكون الكون كله هو أسطوانة مدمجة عليها أحد الأفلام، بها البداية الهادئة، ثم تصاعد الأحداث شيئا فشيئا وصولا إلى قمة الصراع، حيث يتمكّن البطل من إنقاذ الحسناء المقيدة في كوخ أعلى أحد الجبال، ثم ننطلق ناحية النهاية المثيرة جدا، وفيها يتزوجان، أو يكتشف أنها أخته بحسب أحد الأفلام الهندية. بالنسبة لك فإن الحاضر هو تلك اللقطة التي تشاهدها الآن وتظن أنها كل شيء في الوجود، لكنها ليست كذلك، إنها لقطة واحدة من بلايين الترليونات من اللقطات.

بالطبع لا تقف الحاضرية والأبدية فقط بوصفها وجهات نظر عن الزمن، بل توجد آراء أخرى كثيرة، على سبيل المثال يجادل فريق من الفلاسفة والفيزيائيين أن الحاضر بالفعل قد لا يكون فقط هو الشيء الوحيد الواقعي في هذا الكون، لكنهم يُضيفون إليه "الماضي" فقط، في فرضية تسمى كون الكتلة المتنامية6 (Growing Block universe)، وفي هذا الكون فإن المستقبل غير موجود، لم يحدث بعد، لكنه ما إن يصبح حاضرا حتى يأتي إلى عالم الموجودات الخاص بنا، فيصبح أيضا حقيقة موضوعية، ولذلك فإن الكتلة الكونية تنمو مع الزمن، ومن هنا يكون "ما كان" مختلفا تماما عما "سيكون"، أي إن هناك فرقا بالفعل بين الماضي والحاضر.

 

من جانب آخر تماما ترى بعض وجهات النظر أن الزمن ليس خاصية مستقلة عن الكون، بل هو صفة طارئة على المنظومة الكونية، بمعنى أن الأمر يشبه الماء، نحن نعرف أن ذرات الهيدروجين تشتعل بسهولة، أما ذرات الأكسجين فتساعد على الاشتعال، لكن حينما تلتقيان معا في منظومة تسمى "الماء" (ذرتا هيدروجين مع ذرة أكسجين) فإن صفة جديدة تطرأ على تلك المنظومة، وهي قدرة الماء على إطفاء النار، لم تكن تلك الصفة لتظهر لولا اجتماع هذين النوعين من الذرات معا.

 

الأمر نفسه بالنسبة للصوديوم الحارق والكلور السام، اجتماعهما معا في منظومة الملح (كلوريد الصوديوم) يمكن أن يساعد طعامنا ليكون شهيا أكثر، يمتد ذلك لعالم البيولوجيا، فتظهر فرضيات تقول إن الحياة، أو الوعي، هي صفات طارئة على منظومات معقدة. بالنسبة للكون فإن الفرضية تسير بالطريقة نفسها، لسبب ما أدّى اجتماع مكونات كوننا الهائل معا لظهور صفة جديدة لا علاقة لها بمكونات المنظومة المفردة، وهي الزمن، ربما يكون الزمن -بحد تعبير الفيزيائي جون أرتشيبالد ويلر- هو طريقة الطبيعة لمنع كل أحداث الكون من أن تحدث في اللحظة نفسها، والمكان هو طريقتها لمنع كل تلك الأحداث من أن تحدث لك!

 

حسنا، في خضم كل تلك الأفكار الفيزيائية والفلسفية المثيرة جدا للانتباه، لا بد أنك تسأل: إذا كانت قوانين الفيزياء لا تُفضِّل اتجاها محددا للزمن، لِمَ إذن نرى الزمن، ونشعر به، وهو يمر فقط للأمام؟!

 

لا توجد إجابة مؤكدة لهذا السؤال، لكن الاقتراح الأكثر قبولا قادم من عالم الديناميكا الحرارية، حيث ينص قانونها الثاني7 على أن الإنتروبي دائما في ازدياد، دعنا نُعرِّف الإنتروبي على أنها حالة من عدم الانتظام، لفهم ذلك يمكن أن نضع نقطة حبر في حوض ماء زجاجي، ولنفترض أنه ضمن تلك النقطة يوجد جزيء ما، لنسميه الجزيء X، نستطيع في البداية تحديد مكان الجزيء بدقة عالية، لأنه ما زال ضمن نقطة الحبر وقطرها أقل من ربع سنتيمتر، لكن بينما ينتشر الحبر في الكوب نفقد تدريجيا قدرتنا على تحديد مكان الجزيء X بدقة، لأنه قد يكون في أي مكان بالحوض.

 

ينزع الكون ناحية عدم الانتظام، يمكنك ملاحظة ذلك بسهولة، فقط قم بكسر بيضتين ثم امزج مكوناتهما معا ثم ضعهما على النار مع البهارات لصناعة طبق لذيذ، لكنك لا تتمكّن من تحويل مكونات هذا الطبق إلى بيضتين سليمتين مرة أخرى. حينما تُدير سيارتك لا تنتشر كامل الطاقة الناتجة من البنزين لتحريك السيارة فقط، بعضها يُفقد في صوت المحرك، والبعض في ارتفاع درجة حرارة السيارة، والبعض في الاحتكاك ما بين التروس. لكن لا يمكنك جمع كل تلك الطاقة المفقودة مرة أخرى لإعادتها.

 

حينما نرى مشهدين لنظام ما أحدهما في درجة أعلى في الانتظام من الآخر فيمكن تحديد أيهما كان الماضي وأيهما هو مستقبله. لنفترض مثلا أني أعرض عليك الآن مقطعي فيديو أحدهما لنقطة حبر تنتشر في الماء والآخر لجزيئات نقطة الحبر المنتشرة في الماء وهي تتجمع معا، هل تستطيع تحديد أيٍّ منهما يمشي بشكل طبيعي و أيهما يمشي بشكل معكوس؟ بالطبع نعم. نقطة الحبر تميل للانتشار في كوب الماء وليس العكس. الإنتروبي الأقل هو الماضي 8.

 

لكن تلك الفرضية تطرح بدورها أسئلة أكثر عمقا عن هذا الكون، وعن ذواتنا. على سبيل المثال: لِمَ من الأساس تنزع الإنتروبي للازدياد، ألا يمكن أن تكون هناك أكوان تنخفض بها؟ يقود ذلك بدوره للتساؤل عن كل شيء آخر، ليس فقط في عوالم الفيزياء والفلسفة، خذ مثلا السؤال عن الوعي أو حرية الإرادة، إذا كان المستقبل موجودا فهل يعني ذلك أن كل شيء محدد سابقا ونحن فقط في انتظار أن نصل إليه في الفيلم المعروض؟ ألا يمكن أن يكون المستقبل موجودا بالفعل لكن اختياراتنا لم تتحدد بعد فيه؟ وماذا عن السفر في الزمن، هل هو ممكن؟ وكيف يمكن أن نُغيِّر في الماضي أو المستقبل إذا كانا بالفعل واقعيين كالحاضر؟

 

رغم كل ما نملكه من أحاجي الفيزياء الحديثة، فإن الزمن يُثير الكثير من الأسئلة، بينما يعطي القليل جدا من الإجابات، بالضبط كما فعل مع زهير بن أبي سُلمى قبل ألف وخمسمئة سنة!

————————————————————————–

المصادر

  1. History of Time (no pun intended)
  2. Einstein’s Relativity Explained in 4 Simple Steps
  3. Time dilation
  4. Presentism
  5. المصدر السابق
  6. A Debate Over the Physics of Time
  7. The Second Law of Thermodynamics
  8. The cosmic origin of time arrow – sean

حول هذه القصة

نظريات المؤامرة سوف تستمر في الانتشار إلى جوار الوباء، ومع تضخُّم الحدث فإن عدد مؤيديها قد يصل في مرحلة ما إلى نقطة فارقة تتسبَّب في حالة فوضى.. ولكن هل حقا مُنظِّرو المؤامرة مجرد سذج؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة