"وفيك انطوى العالم الأكبر".. ماذا لو كانت أدمغتنا بالفعل أكوانا صغيرة؟!

لعل أحد أشهر(1) أبيات الشعر المتداولة بيننا من كتابات علي بن أبي طالب هو ذلك الذي تساءل خلاله، مستخدما أهازيج البحر المتقارب البديعة، قائلا: "أتزعم أنك جرمٌ صغيرٌ.. وفيك انطوى العالمُ الأكبرُ؟"، بالطبع تتخذ الأبيات جانبا فلسفيا تأمليا، ولا يُقصد منها تحديدا جوانب مادية، لكن هل يمكن بالفعل أن تكون هناك درجة من التشابه بين العالم الكبير بالأعلى وعالمك الخاص بين جنبات دماغك، على أي مستوى؟

 

"يمكن أن نلاحظ ذلك بوضوح"، هذا ما قاله "فرانكو فازا"، الأستاذ المساعد بقسم الفيزياء والفلك من جامعة بولونجا الإيطالية، في حديثه مع محرر "ميدان"، ليُضيف بعد ذلك: "حينما تقيس الخصائص المورفولوجية وأنماط الاتصال بين شبكة المجرات الكونية، وتفعل الشيء نفسه بالنسبة للخلايا العصبية بالدماغ البشري، يُمكنك قياس تشابه ملحوظ".

 

يعمل فازا، بالتعاون مع الأستاذ المساعد من قسم علم الأعصاب بجامعة فيرونا الإيطالية "ألبرتو فيليتّي"، على هذه الفكرة المثيرة جدا للانتباه، فبين الكون الذي يحوي -على حد علمنا- نحو تريليوني مجرة، والدماغ الذي يحتوي على أكثر من 70 مليون خلية عصبية، يمكن لنا قراءة أنماط حقيقية، يمكن قياسها ورصدها، وليست متوهمة، أو تأملية.

 

يقول فيليتّي في حديثه مع "ميدان": "هذا النوع من التشابه مرصود من قبل، لكننا تعمقنا في هذه المقارنة من وجهة نظر كمية"، حيث ظهر -بحسب أرصادهما(2)- أنه داخل كلتا المنظومتين، الكونية والدماغية، تتكوّن 30% فقط من الكتلة من مجرات أو خلايا عصبية، أما الـ 70% الأخرى فتتكوّن من عنصر سلبي لكنه يلعب دورا جوهريا، في الدماغ هذا العنصر هو الماء، وفي الكون هو المادة المظلمة.

إلى اليسار: آلية توزّع الخلايا العصبية ووصلاتها في الدماغ، إلى اليمين: آلية توزّع المجرات في الشبكة الكونية

المادة المظلمة(3) هي تعريف لجهلنا. بمعنى أوضح، نحن لا نعرف طبيعة تلك المادة، في الواقع نحن لا نعرف إن كانت موجودة من الأساس أم لا، لكن حينما نرصد سرعات النجوم في أطراف مجرتنا نجد أنها لا تتفق مع قوانين الفيزياء التي نعرفها، حيث يبدو أنها من المفترض أن تترك المجرة وتهرب لكن ذلك لا يحدث. كذلك حينما نقيس كتل المجرات البعيدة عبر آليات الرصد المختلفة، فإن الناتج الظاهر لنا في المعادلات يكون أكبر بكثير مما نراه.

 

لهذا السبب يفترض العلماء وجود المادة المظلمة، وبفرض وجودها فإنها مسؤولة عن شكل الكون الذي نعرفه، أو ما نسميه بالشبكة الكونية4 (Cosmic Web)، يقول فازا لـ "ميدان": "الشبكة الكونية هي الطريقة التي نُظمت بها المادة الكونية (سواء "العادية" أو "المظلمة") خلال مليارات السنين من التطور".

حينما نستخدم التلسكوبات لعمل مسح سماوي شامل، في محاولة لفهم توزيع المجرات في الكون، نجد أنها لا تتوزع بانتظام، وإنما تتخذ شكل خيوط مترابطة معا وفراغات شبه خالية من المجرات فيما بينها، يشبه الأمر قطع الإسفنج، أو تلك القطعة اللذيذة من الجبن في "توم وجيري"، في نقط التقاء تلك الخيوط معا نجد التجمعات المجرية الكثيفة التي تحتوي على آلاف المجرات. الشبكة الكونية هي أعظم أشكال الكون الذي نراه، لا نعرف بعد سبب تكوُّنها، لكن الوسط البحثي يميل إلى أن المادة المظلمة لعبت دورا في تلك الحكاية.

 

في الواقع، فإن أحد أوجه التشابه بين النظامين، الكوني والدماغي، هي تلك الآلية الشبكية حيث تترتب المجرات -والخلايا العصبية- في صورة خيوط طويلة وعقد بين هذه الخيوط، ونتحدث هنا بشكل محدد عن خلايا المخ وليس بقية أعضاء الجسم كله.

 

"تختلف خلايا المخ عن الخلايا الأخرى في أجسامنا لعدد من الأسباب"، هذا ما قاله فيليتّي لمحرر "ميدان"، مضيفا بعد ذلك: "واحدة من أهم الخصائص التي تجعل الخلايا الدماغية فريدة من نوعها آلية تشعُّبها وتفرُّعها، التي تُمكِّنها من التفاعل بكفاءة مع بعضها بعضا"، هذه الخاصية تحديدا هي ما يجعل الدماغ منظومة غاية في الخصوصية والتعقيد في آنٍ واحد، وهي معقدة لدرجة أن العلماء5 من "بلو برين بروجيكت" (Blue Brain Project) يستخدمون رياضيات متعددة الأبعاد ليحاولوا فهمها.

 

لفهم الفكرة أحضر ورقة بيضاء وقلما، ثم ابدأ برسم مكعب بسيط، بعد أن تنتهي من الرسم تأمل ما رسمت، هذا المكعب -بالأساس- هو كيان ثلاثي البُعد له طول وعرض وارتفاع، لكن رغم ذلك أمكن لك أن ترسمه على سطح ورقة (سطح ثنائي البُعد)، يمكن للرياضيين أن يرسموا أبعادا أعلى على الورق كذلك، وكلما ارتفعنا في الأبعاد، تعقّد الشكل.

تتخذ الوصلات الدماغية أنماط يمكن فهم تطورها عبر رياضيات متعددة الأبعاد

نعرف أن أدمغتنا تستجيب لأي مُثير -ليكن تعرُّضك لحادث مُحرج في الشارع مثلا- بأن تبني وصلات جديدة بين الخلايا العصبية، لكن كانت المشكلة دائما هي أن أحدا لم يتمكّن من فهم نمط تكوُّن تلك الوصلات وتعقُّدها كلما استمر المثير الخارجي في التفاقم، لكن حينما قرّر هذا الفريق البحثي أن يُطبِّق الطوبولوجيا الجبرية اكتشف أن الدماغ يُعقِّد وصلاته بهندسة ترتفع أبعادها مع تعقُّد المُثير الخارجي واستمراره، فيبدأ الدماغ بتكوين قضبان من تجمعات الخلايا العصبية (بُعد واحد)، ثم تتحوّل القضبان إلى ألواح (بُعدان)، ثم تتحوّل الألواح إلى مكعبات (ثلاثة أبعاد)، ثم تتعقّد الأشكال وصولا لأبعاد أعلى.

 

علاوة على ذلك، بحد تعبير فيليتّي في حديثه مع "ميدان"، فإنه "يمكن تعظيم قدرة الاتصال بين الخلايا العصبية، باستخدام الإشارات الكهربائية والكيميائية، بحيث تتمكّن، ليس فقط من إنشاء اتصال قريب، ولكن أيضا تفاعلات طويلة المدى في وقت قصير للغاية"، مضيفا أن ذلك هو أساس تشكيل الشبكة المعقدة والمذهلة التي نسميها "الدماغ".

 

"فكرة أن المنظومات المعقدة في الكون من المُرجَّح أن تتبع منطقا متشابها، رغم الاختلاف المذهل في الحجم والأصل، هو شيء تستخدمه الفيزياء الفلكية"، يقول فازا لـ "ميدان": "على سبيل المثال، نحن نستخدم القوانين نفسها التي تصف تطور المحيطات والغيوم، لنمذجة تطور سحب البلازما على مسافة ملايين السنين الضوئية"، لكن لا بد أن تلك النتائج تدفع لتساؤل آخر مهم، لا نعني هنا أن الدماغ هو كون صغير بالطبع، لكن ماذا لو كانت القوانين نفسها تحكم الكيانين بالطريقة نفسها؟

ربما يؤكد هذا التشابه الجوهري أن الشبكات الطبيعية المعقدة تنظم نفسها بنفسها وفقا لقوانين مماثلة، مهما اختلفت في المقياس، لكن هل يمكن لكيان ما أن ينظم نفسه بنفسه؟ إنه أمر نلاحظه في كل شيء من حولنا تقريبا، كيف يمكن مثلا للوردة أن تتخذ هذا الشكل المنتظم للغاية؟ لم تترتب الحبّات في قرص عباد الشمس بهذا النمط؟ لم تظهر الخطوط السوداء في الحمار الوحشي بهذا التناسق؟ ما الذي يجعل السُّدُم في أعماق الفضاء السحيق أنيقة إلى هذا الحد؟ وماذا عن المجرات الحلزونية؟

 

نحن نعيش في كون يُظهِر انتظاما وتعقيدا في كل مكان وعلى كل مستوى، وتُسمى الظاهرة، التي تتفق عليها كل الظواهر الطبيعية تقريبا، بالانتظام الذاتي6 (Self-Organization)، وتعني انتقال منظومة ما من حالة الفوضى إلى حالة الانتظام بفضل تفاعلاتها الداخلية، أحد أشهر الأمثلة في هذا السياق هي بلورات الثلج، تقريبا لا توجد واحدة منها تشبه الأخرى، لكنّ كلًّا منها منتظمة بشكل بديع، يحدث ذلك بسبب قوانين الفيزياء الأساسية التي يمكن أن تتجمع بها جزيئات الماء معا، فهناك درجات محددة من الحرية ودرجات من التقييد لكلٍّ من تلك الجزيئات، تُجبرها جميعا على الانتظام بأشكال محددة، لكن لأن كل مجموعة من الجزيئات -ونتحدث هنا عن الملايين منها- تتخذ مواضع مختلفة عن المجموعات الأخرى أثناء تكوّن البلورة، فإن كلًّا منها تترتب بشكل مختلف.

يمتد ذلك في التعقُّد وصولا إلى الكائنات الحية بداية من البكتيريا ومرورا بتعقيدات فسيولوجيا وتشريح الجسد البشري، يقول فيليتّي في حديثه مع "ميدان": "الشبكات المعقدة تميل إلى التطور وفقا لقوانين فيزيائية مماثلة، من أجل الاقتصاد في الطاقة وملء الفراغ بطريقة أكثر كفاءة".

 

من الممكن أن تلحظ تلك الآليات حتّى في تجمعات البشر، هل لاحظت مثلا من قبل أن تلك الآليات التي تتجمّع بها المجرات في الكون والخلايا العصبية في الدماغ هي نفسها التي تتجمّع بها المجتمعات البشرية على سطح الأرض؟ افتح "خرائط غوغل" الآن وتأمل توزيع قرى محافظة الدقهلية المصرية على سبيل المثال، إنها الهياكل الشبكية نفسها التي تتكوّن من كتلة متركّزة في مناطق بعينها، وخيوط رفيعة تمتد بينها، شبكة كونية أخرى صنعها البشر تلقائيا، لم يقصدوا ذلك لكن هذه الهياكل تخدم طبيعة حياتهم.

توزيع القرى والمدن في احدى المناطق بدلتا مصر، يشبه توزيع الشبكات العصبية والكونية، كتل متركزة في مناطق بعينها، وخيوط رفيعة تمتد بينها.

في مجتمعات عالم الحيوان يظهر الانتظام الذاتي بوضوح أيضا، خذ مثلا اليراعات (Fireflies)، وهي نوع من الخنافس التي تتمكّن من إصدار نبضات ضوئية بتزامن بديع منتظم في تجمعاتها الضخمة، تتمكّن اليراعات من خلق هذا النمط المنتظم عبر قانون7 بسيط يقول: "اتبع جارك"، تبدأ اليراعات بنمط نبضات ضوئية عشوائي، لكن بعد النبضة الأولى تنظر كل واحدة منها لمحيطها وتحاول النبض بالتزامن مع أقرب جيرانها، ويستمر الانتظام في التطور حتى ينبض الفريق كله وحدة واحدة منتظمة.

مثل كل شيء في الكون، فإن اليراعات الصغيرة تعتمد على قوانين داخلية بسيطة لتصنع انتظاما بديعا في الصورة الكلية، يقول فازا لـ "ميدان" في خاتمة حديثه: "لا يوجد سحر هنا، إنها فقط قوانين فيزيائية عادية، تحكم أشكال وأحجام مختلفة من المادة، تتطور بدورها ضمن منظومات غاية في التعقيد"، ثم يُضيف بعد قليل: "في الواقع، إن الفهم التفصيلي لكيفية نشوء هذه المنظومات المعقّدة من قوانين فيزيائية بسيطة هو بالفعل في القلب مما تفعله الفيزياء الحديثة".

 

بالطبع لا يوجد سحر، لكن ما يدفع للتأمل حقا هو أننا، نحن البشر، امتلكنا تلك القدرة المذهلة على تأمل الكون من حولنا وقراءة أنماطه بكل ذكاء ممكن، ربما لأننا خائفون لدرجة جعلتنا نود التحكُّم في كل مفرداته، عبر فهمها بدايةً!

——————————————————————-

المصادر

  1. ديوان الإمام علي
  2. The Quantitative Comparison Between the Neuronal Network and the Cosmic Web
  3.  Dark Energy, Dark Matter
  4. BEST IMAGE YET OF THE COSMIC WEB
  5. Blue Brain Team Discovers a Multi-Dimensional Universe in Brain Networks
  6. What Is Self-Organization?
  7. Complexity Science- a guided tour, by Melanie Mitchell

حول هذه القصة

الأخبار الكاذبة، والتي عادة ما تكون مثيرة للانتباه، ولا تترك لك مجال للإفلات من تأثيرها، ستلقى حتمًا اهتماما مضاعفا مقارنة بالأخبار العادية والتي عادة ما تكون رتيبة.. فهل نحن أغبياء لنقع في حب الزيف؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة