عن الهوس والاكتئاب والجنون.. كتب عن المرض النفسي بأقلام من عايشوه

قد يحدث في بعض الأحيان أن تهتم قليلا بالقراءة عن عالم الاضطرابات النفسية، ربما لأنك اكتشفت أن صديقا لك مصاب بأحدها، لكن المشكلة تبدأ حينما تبحث عن كتاب في هذا الموضوع، لأن متصفح غوغل عادة ما يضعك بين مئات الكتب المتخصصة سواء في وصف المرض أو آليات علاجه الدوائي والنفسي، في تلك النقطة قد تنفض سريعا عن الأمر، فالكثير من الملل قد حضر بالفعل.

 

لكن الحقيقة أن هناك بعض الكتب يمكن أن تكون ممتعة في هذا الموضوع، في الغالب تكون من تأليف كُتّاب عانوا في مرحلة ما مع المرض، يودّون توصيل الفكرة للجمهور العام وليس المريض أو عائلته بالتحديد، في هذا التقرير سنفتح بابا إلى بعض هذه الكتب، وهي بشكل أساسي تهتم بالاكتئاب، ليس فقط لأنه الأكثر ووضوحا وشهرة بين الناس، بل أيضا لأن كتبه الجيدة كثيرة.

 

دعنا نبدأ مع وليام ستايرون، وهو كاتب وروائي أميركي حاصل على الكثير من الجوائز، في كتابه "ظلام مرئي.. مذكرات الجنون"، يُقدِّم لنا سيرة ذاتية لنفسه، لكنها أيضا سيرة للاكتئاب الذي أصابه بعد قرار مفاجئ بالإقلاع عن الكحول سنة 1985 ووصولا إلى تعافيه، الكتاب كان بالأساس محاضرة ألقاها في الثمانينيات بجامعة جون هوبكنز، تحوَّل بعد ذلك إلى مقال طويل، ثم إلى كتاب، بعد أن نالت الفكرة الكثير من الاهتمام من قِبَل الكاتب وجمهوره.

الكتاب صغير الحجم، يمكن أن تنهيه في ليلة، لكنه لا شك كبير الأثر، كانت التعليقات الأولى فور صدوره، وسبب شهرته الواسعة، أنه تمكّن من تقديم المرض بالطريقة التي يشعر بها المرضى، ما أعطاهم انطباعا أن هناك مَن يفهمهم ويقف إلى جانبهم، فصدّقوه. الكتاب كذلك -رغم كل ما جاء فيه من ألم- رسالة أمل، يشرح ستايرون فيه كيف أنه، في نهاية المطاف، ستصل إلى نقطة على الأقل تشبه تلك التي تركت فيها حياتك الطبيعية، وأن الانتكاسات ليست إلا انتكاسات، تكرارها لا يعني أنها ستدوم للأبد.

 

من كاتب أُصيب بالاكتئاب إلى آخر، هذه المرة هو لويس وولبرت، عالم بيولوجيا النمو واسع الشهرة، الذي يكتب في نطاقات علمية عدة، لكنه هذه المرة خصّص كتابا للمرض تحت عنوان "الحزن الخبيث.. تشريح الاكتئاب"، يختلف عن سابقه في أنه أكبر في الحجم بفارق ضعفين، كما أنه ليس فقط محاولة للحكي عن الاكتئاب كونه تجربة ذاتية، بل أيضا يتطرق إلى تاريخ هذا المرض في الثقافات المختلفة، ثم ينتقل بعد ذلك إلى تشريح الاكتئاب من وجهة نظر العلوم الطبية.

في هذا السياق يتطرّق وولبرت إلى الكثير من جوانب المرض، بداية من شرح أعراضه ووصولا إلى العلاجات المتاحة، وكذلك فإنه يُفرد فصولا خاصة للاضطراب ثنائي القطب والانتحار، أسلوب وولبرت هو سر اللعبة، فرغم برود الموضوعات المُقدَّمة فإن الأمر أشبه ما يكون برواية بجانب كونه كتابا علميا. لكن أود فقط إضافة أن الكتاب قديم بعض الشيء، نحو 20 سنة مضت منذ صدوره، وقد كان هناك بعض التطور في الجوانب العلاجية للمرض.

 

أما مات هيج، وهو صحفي وروائي إنجليزي، فقد قرَّر أن يعرض تجربته مع القلق والاكتئاب بصورة غير عادية حقا، في كتابه "أسباب للبقاء حيًّا"، يمكن أن تلاحظ عدم الترابط في بعض الأفكار، لكنك مع الوقت ستكمّل الصورة بنفسك، مع الوقت ستدرك أنك -سواء كنت مصابا بأيٍّ من الاضطرابات النفسية أو مجرد شخص عادي- عليك دائما أن تكمّل الصورة بنفسك، وهو أمر ممكن.

بأسلوب حكائي بديع، يعرض هيج لمواصفات القلق والاكتئاب، وطريقه ناحية العلاج، ثم الكيفية التي تمكّن من خلالها أن يتجاوز كل ذلك ناحية حياة أكثر لطفا، يعرض تلك الكيفية في صورة قائمة، وهو يحب القوائم فعلا كما ستلاحظ في كتابه، وما بين الجوانب العلمية الطفيفة، والحكايات العميقة حول ما كان يشعر به، سيمر الكتاب سهلا سريعا، متنقلا بين جنبات حياته منذ الطفولة، ليعطيك فكرة أساسية، ليست بالضرورة مرتبطة بنتائج علاجية، فهذا ليس كتابا علميا بالمعنى المفهوم، بل يمكن اعتباره كتابا للتأمل، فكرة تقول إنه يمكن أن نستثمر في الموهبة التي يعطيها المرض النفسي، موهبة الخوف!

 

أندرو سولمون، على الجانب الآخر، يُقدِّم ما هو أكثر من تجربة مع الاكتئاب في كتابه "The Noonday Demon An atlas of depression"، فهو يمزج ما بين الجانب العلمي والجانب التاريخي والجانب القصصي، ولأنه صحفي وكاتب محترف فإن أدواته تخدمه بصورة رائعة في توصيل فكرته، الكتاب نال العديد من الجوائز وترشّح للبوليتزر لكنه لم يفز بها.

في الكتاب يهتم سولمون بشكل خاص بتغيير أفكار العامة عن المرض، فهو ليس "مجرد مادة كيميائية" كما يشيع بيننا، كما أنه لا يتخذ شكلا واحدا كما يتصور البعض، فرغم أن أعراض المرض معروفة ومشتركة، فإن هذا المرض يتداخل مع شخصية الفرد فيصبح لكل حالة اكتئاب سماتها الخاصة التي تتنوّع بتنوّع شخصياتنا، إلى جانب ذلك يعرض سولمون لجوانب أخرى مثل علاقة الاكتئاب بالإدمان أو الانتحار، ثم يتطرّق إلى علاقة أكثر عمقا للاكتئاب بالفقر والسياسة.

 

كتاب آخر لم يُترجم بعد إلى العربية، يؤلفه عالم النفس مارك لويس، من جامعة تورنتو، هذا الرجل يدرس الإدمان، وهو نفسه كان مدمنا سابقا، دفعه ذلك لوجهة نظر مختلفة تماما تقول إن الإدمان ليس مرضا بالمعنى المفهوم، إنه بالفعل يتضمن آليات عصبية مرعبة تجبرك على اتباع رغباتك والمُضي قُدُما في تكرار الدورة نفسها بين الرضا والإحباط حتى حدود الاكتئاب، لكن الأمر -في النهاية- ليس مستحيلا.

في كتابه "The Biology of Desire: Why Addiction Is Not a Disease" يقول لويس إن الكثيرين ربما لا يعلمون أن معظم المدمنين يتركون الإدمان في مرحلة ما، يُفسِّر لويس ذلك بأن الإدمان أشبه بمهارة نتعلّمها، مثل قيادة الدرّاجة، يحتاج الأمر بالطبع إلى الكثير من الوقت كي نفقد ما تعلمناه، لكنه يحدث في النهاية، ذلك لأن أدمغتنا بالأساس ذات طبيعة مرنة، يمكن أن تترك عادة كما تمكّنت من اكتسابها. من تلك الوجهة فإن الإدمان هو عطب يمكن إصلاحه.

 

لكن مقارنة بكل مَن عرضنا كتبهم إلى الآن، ستكون "كاي جيمسون" أستاذة علم النفس الأميركية هي لا شك أفضل متنافس، ذلك لأن مرضها الذي عانت معه أكثر من 30 سنة، وهو الاضطراب ثنائي القطب، كان مرتبطا بمهنتها، وتردّدت سنوات طوال قبل أن تتحدث في الأمر خشية أن تخسر مكانتها، وربما رخصة مزاولة المهنة الخاصة بها، لكنها في النهاية قرّرت أن تمضي في مشروعها، وخرج لنا: "عقل غير هادئ.. سيرة ذاتية عن الهوس والاكتئاب والجنون".

 

يدور الكتاب حول العلاقة المحمومة بين جايمسون والمرض، مثل بقية الكتب فإنه يتطرّق لظروف الطفولة ثم أعراض المرض والرحلة الشاقة بين الأطباء والأدوية، كذلك تتطرّق جايمسون إلى نقاط مهمة غير مألوفة تدور جميعها حول مرضى الاضطراب العقلي، طريقة التعامل معهم في المستشفيات، حقهم في الإنجاب مع معرفة أن تلك الصفات يمكن أن تورّث، وحق المرضى السابقين في العمل بنطاق العلاج النفسي، مع إشارة إلى نطاق اهتمت به جايمسون وأفردت له كتابا خاصا آخر بعنوان "ممسوس بالنار: المزاج الفني والهوس الاكتئابي"، وهو أيضا كتاب رائع.

أهمية الكتاب تنبع في الحقيقة من مشكلة نواجهها بكثافة في منطقتنا العربية، حيث ما زالت الثقافة التي تعتبر المرض النفسي وصمة عار سائدة، ورغم أن هناك الكثير من الحالات، فإنه لا أحد يتحدث إلا نادرا، وقد ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي مؤخرا على التخفيف من تلك المشكلة، لكنها لا تزال موجودة. مثل كاي جيمسون، فالمرضى بحاجة إلى البوح، إلى الاندماج في مجتمع يتقبّلهم.

 

تلك المجموعة من الترشيحات تهدف إلى ذلك أيضا، في تلك الكتب ستتعرف على المرض النفسي بلسان الذين عانوا معه، وخلال ذلك ستدرك أنه ليس كما تظن، وأن هناك الكثير من الخرافات التي نقع في أسرها عن الاضطرابات العقلية، للأسف ساعدت السينما ووسائل الإعلام على خلق تلك الصورة النمطية، لأن الكثير من مؤلفي الأفلام ومخرجيها يُركِّزون على الجانب المُثير من المرض النفسي، الذي يضم عادة أعراضا متطرفة ليست شائعة.

 

لكن أهم شيء يمكن أن نتعلّمه من تلك المجموعة من الكتب هو أن الأمر سيتحسّن يوما ما، يمكن أن ترى هذا النمط من الحديث واضحا في كل الكتب التي عرضناها بطرق مختلفة. في الواقع، إن جميع المرضى الذين تجاوزوا تلك المحن يدركون بالفعل أن قسوة الأعراض قادرة على سحق كل آمالك، لكن ذلك غير صحيح، أضف إلى ذلك أننا حاليا نعرف أن الإنجازات الحديثة في علم النفس والأعصاب مكّنت نسبة كبيرة جدا من المرضى من المقاومة، خاصة بعد اتحاد العلاج الدوائي مع العلاج النفسي، يقول هيج في إحدى جنبات كتابه:

"لا شيء يستمر للأبد، هذا الألم لن يستمر. الألم يخبرك أنه سيستمر لكنه يكذب عليك. تجاهله"


حول هذه القصة

كل ما يحدث للناس من انفعال ليس من جراء الأشياء وإنما من جرّاء فكرهم عن الأشياء، لهذا السبب قررنا بالقسم العلمي بـ “ميدان” أن نقدم لك مجموعة من الكتب التي يمكن أن تساعدك على فهم العلاج المعرفي السلوكي.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة