ماذا لو أن ليفربول كان يفوز فقط لأنه يرتدي اللون الأحمر؟

في عام 2004، وبينما كان أكثر من عشرة آلاف لاعب من 201 دولة حول العالم يشاركون، بحماس جم، في دورة الألعاب الأولمبية الصيفية في مدينة أثينا اليونانية، اهتم كلٌّ من راسيل هيل وروبرت بارتون، الباحثين من قسم الأنثروبولوجيا التطورية في جامعة دورهام البريطانية، بمتابعة مباريات أربع ألعاب بالتحديد، الملاكمة والتايكوندو والمصارعة الرومانية والمصارعة الحرة، لم يفهم أيٌّ منهما الكثير عن قوانين تلك الألعاب، ولا يعرفان الكثير كذلك عن تاريخها وأبطالها الحاليين، لكنهما التفتا لشيء واحد فقط، وهو لون الملابس التي يرتديها المتنافسون!

 

قد يكون ذلك غريبا حقا بالنسبة لك، لكن الأغرب هو الفرضية التي اعتمد عليها هذان الباحثان، التي تقول إن اللون الأحمر بالتحديد يتعلق -في عالم الحيوان- بالهيمنة والتنافسية والغضب، الأمر الذي رُصِد مترافقا مع ارتفاع نِسَب التستوستيرون، وكان قد أمكن تجريبيا رفع التحفيز لدى بعض الحيوانات عبر صبغات حمراء. لذا فإن ارتداء قميص أو غطاء رأس أحمر قد يُخيف الخصم أو يُعزِّز مستويات هرمون التستوستيرون لدى مرتديها، لكن هل يؤثر ذلك في الإنسان مثل الحيوانات؟!

جاءت نتائج(1) فحص هذا الثنائي لتقول إنه كان هناك ميل واضح لدى فِرَق الأوليمبياد ذات اللون الأحمر للفوز، في إحدى الرياضات كان الفوز حليف 16 من أصل 21 فريقا، وفي الأخرى كان الفوز حليف 19 فريقا من 29 فريقا، وكان ذلك واضحا في كل فئات الوزن.

 

من جانب آخر، صدرت دراسة(2) من جامعة بليموث البريطانية فحصت التأثير نفسه لكن في كرة القدم، لتجد أنه كان واضحا منذ سنة 1947 في الكرة الإنجليزية بالنسبة للفِرَق التي ارتدت اللون الأحمر، بل إن بعض الباحثين -في دراسة أخرى بدورية "سايبر سايكولوجي آند بيهيفيور"- قد وجد التأثير نفسه في ألعاب القتال الإلكترونية، يمد هذا التفسير الخطوط على استقامتها ليشرح الدور الذي يلعبه اللون الأحمر في العديد من الأزياء العسكرية والميداليات.

حينما نُشرت تلك الدراسة الخاصة بهيل وبارتون في العام 2005 سبَّبت جدلا شديدا في الوسط العلمي، حاول فريق آخر من جامعة نيوكاسل(3) فحص لعبة أخرى غير تلك الأربعة بالدورة نفسها، لتظهر النتائج أنه في حالة "الجودو" فإن اللعب مرتديا اللون الأزرق -في مقابل الأبيض- كان مؤشرا للفوز، رأت تلك الدراسة أن الأمر قد لا يتعلق بالصفات الغاضبة للون الأحمر، لكن بمدى لمعان ما ترتدي، الملابس اللامعة بدرجة أكبر تُمكِّن الخصم من تحديد موقعك بصورة أسهل حينما تبحث عيناه عنك، خاصة في أجواء تكون السرعة فيها عاملا حاسما. 

 

دعنا في تلك النقطة نُوضِّح أن الفكرة تتعلّق بأن لاعبي الأولمبياد -أو أيًّا من المتنافسين في رياضات كتلك على مستوى عالمي- محترفون جدا فيما يمارسونه، يتلقّون تدريبا استثنائيا ويتشابهون في مستوياتهم إلى حدٍّ كبير، في تلك النقطة يمكن أن يكون لتأثيرات طفيفة جدا، مثل التأثير الخاص بالألوان، دور في حسم النتائج.

 

مؤخرا، ظهر تيار بحثي ثالث مختلف، يقول إن الأمر لا يتعلّق بهذا التفسير أو ذاك، ماذا لو كان مُتعلِّقا بالحُكّام؟(4) حيث تُشير بعض الدراسات إلى أن عرض صور اللاعبين أنفسهم لكن مع العبث -عن طريق الفوتوشوب- بلون ما يرتدونه، يؤدي إلى تغيير رأي مَن يشاهدون الصور في أثناء إجاباتهم عن أسئلة مثل: مَن يبدو أكثر عدلا؟ من يبدو أكثر قربا للفوز؟ يمكن أيضا أن يكون الحُكّام قد تأثروا بالألوان، دعنا نُوضِّح مرة أخرى أن ذلك يحدث في حالات تتقارب فيها النتائج جدا.

هذا ليس جديدا في الحقيقة، في ثمانينيات القرن الفائت أشار كلٌّ من مارك فرانك وتوماس جيلوفيتش، في دراسة تابعة للجمعية الأميركية لعلم النفس، أن حُكَّام لعبة الهوكي وكرة القدم في الولايات المتحدة يميلون بشكل أكبر ناحية إعطاء مخالفات لمرتدي اللون الأسود من الفِرَق، مقارنة بمَن يرتدون ملابس فاتحة اللون! بنى فرانك وجيلوفيتش نظريتهما على أن اللون الأسود كان، طوال تاريخنا البشري، إشارة إلى الموت أو الظلم أو الشياطين!

 

كما تلاحظ، فإن هناك الكثير من الحيرة حول أفضل أو أسوأ لون، أضف إلى ذلك أن هناك تجارب نفت هذا التأثير للألوان على اللاعبين من الأساس، في الواقع فإن تلك الحيرة سائدة في النطاق البحثي الذي يحاول فحص تأثير الألوان على قراراتنا وسلوكنا، لكن ذلك لا يعني أن تأثير الألوان غير صحيح، في إحدى أشهر التجارب في هذا النطاق كان هؤلاء الذين لعبوا البوكر بقطع حمراء أكثر تحمُّسا واندفاعا للرهان، في مقابل هؤلاء الذين لعبوا بالألوان الزرقاء أو البيضاء. يبدو إذن أن للألوان تأثيرا، لكننا لا نعرف كيف يحدث ذلك أو ما معاييره بالضبط؟ هل يتعلق الأمر بالرياضة نفسها؟ أم بطبائع اللاعبين؟ إذا كان اللاعب أصلا واقعا في حب لون ما، فهل يؤثر ذلك على التجربة؟ وهل يتشابه الرجال والنساء في التأثير نفسه؟

 

لكن رغم كل ذلك، هناك منطق واحد ثابت وهو أن أشياء بسيطة، ربما لا ندرك وجودها، يمكن أن تؤثر بشكل جوهري في قراراتنا دون أن ندري، وبالتالي مستقبلنا، خاصة في سياقات حرجة وغير مؤكدة. لا يتوقف الأمر فقط على اللون الذي ترتديه أثناء اللعب، لفهم الفكرة دعنا نتأمل مجموعة من التجارب أُجريت قبل 10 سنوات لفحص أداء نحو 1000 قاضٍ في مهامهم بالمحكمة خلال أيام عمل كاملة، بداية من الصباح، ثم الاستراحة الأولى، ثم الاستراحة الثانية، ثم نهاية اليوم.

وجدت الدراسة(5)، التي صدرت في منشورات الأكاديمية الوطنية للعلوم (PNAS) أن هؤلاء القضاة كانوا يتخذون القرارات بنمط متشابه، فقد كانوا أكثر تساهلا مع المتهمين في القضايا التي دخلت إليهم في أول اليوم، أو بعد الاستراحة مباشرة، ثم مع الوقت أصبحت قراراتهم أقل تساهلا مع المتهمين، بالطبع كان الفارق طفيفا وفي قضايا معقدة بحيث يكتنف الأمر درجة من الحيرة، لكن النمط كان واضحا.

 

في هذه التجارب كان السياق الزمني الذي نوقشت فيه القضية مؤثرا على القرار فيها، في مجموعة أخرى من التجارب كان تأثير السياق لافتا جدا للانتباه. شارك في تلك التجارب(6) مجموعتان من الأفراد، في المجموعة الأولى سيتحدّث الباحثون مع المتطوعين حول أشياء عادية، الحياة الجامعية مثلا، ثم بعد التجربة نعرض على كلٍّ منهم أقلاما أو مناديل هدية، تكون النتيجة أن نصف الحاضرين في كل تجربة سوف يأخذ المناديل والنصف الآخر سوف يأخذ القلم.

 

الآن دعنا نتحدث مع المجموعة الثانية عن تلك الحوادث السابقة في حياتهم التي تصرفوا خلالها بدرجة ما من عدم الأخلاقية، سوف يكون مركز حديثنا معهم هو تلك الأخطاء التي وقعوا فيها وكانت تُمثِّل وصمة عار بالنسبة لهم، هنا سوف تكون النتيجة الأكثر غرابة، سيودّ معظم الحاضرين للتجربة أن يحصلوا على المناديل وليس الأقلام، تقترح التجربة أن هؤلاء -بشكل مجازي- يريدون مسح ذنوبهم.

نتائج مشابهة نحصل عليها في تجارب لها علاقة بقدرة وجود شيء ثقيل(7) في يديك على دفعك لتكون أكثر جدية في التعامل مع المعلومات. مجموعة أخرى لم تحمل شيئا في يديها، أو أن يكون حملك لكوب من الشاي الساخن أو البارد دافعا لك لتصبح أكثر تعاطفا أو برودا بحسب طبيعة الشاي(8)، أو حتى عن علاقة ما ترتديه بالجدية في عملك.

 

بل إن براين وازنيك(9) من جامعة كورنل كان قد أشار في دراسة شملت مجموعة من الدراسات أنك يمكن أن تأكل بمعدل أكبر بنسبة 31-73% عن الطبيعي فقط لأن الطعام المُقدَّم لك كان في طبق أكبر. في الحقيقة، سوف تتعجب حينما تعرف أننا، نحن البشر، نميل(10) إلى إنهاء الطبق مهما كانت كمية الطعام فيه، بل إن بعض الباحثين يقارن بين ارتفاع نِسَب السمنة في الولايات المتحدة (35% في دراسة عام 2014) مقابل فرنسا (7% فقط) ويربط ذلك بأن متوسط حجم قطع الحلوى في الأسواق بالولايات المتحدة أكبر بقيمة 41% عن فرنسا، وأن متوسط حجم عبوة المشروبات الغازية أكبر بقيمة 52% في الولايات المتحدة، وأن متوسط عبوة الزبادي أكبر بقيمة 82%.

 

في كتابه الشهير "الأكل بجنون: لماذا نأكل أكثر مما نظن؟" (Mindless Eating: Why We Eat More Than We Think) يُشير وازنيك إلى أن الدافع الرئيسي للأكل هو المحفزات الحسية الموجودة حولك، وليس الغريزة الفسيولوجية الداخلية التي من المفترض أنها أكثر الأشياء قُدرة على التحكُّم بنا! وفي تجاربه التي استمرت قرابة عقدين من الزمان كان المشاركون يستهلكون من الطعام كميات إضافية دائما، فقط لأنهم في "سياق" يسمح بذلك، مثل الوجود في السينما أو في وجود عدد أكبر من الأشخاص أو في وجود كمية أكبر من الطعام!

الكتاب الشهير "الأكل بجنون: لماذا نأكل أكثر مما نظن؟"

الحساسية للسياق(11) (context-sensitive) هو مفهوم أشار إليه من قبل ليدا كوسميدز وزوجها جون توبي حينما قارنا بين إجابات الخاضعين لبعض اختبارات المنطق، في المجموعة الأولى كان الاختبار مجردا، وفي المجموعة الثانية كان الاختبار نفسه لكنه قُدِّم في صورة قصة مرتبطة بأشياء نعرفها من حياتنا، هنا جاءت النتائج لتقول إن معظم المشاركين أجابوا فقط عن الاختبار الأول بشكل صحيح.

 

تُفسِّر كوسميدز نتائج دراستها بطريقة هيل وبارتون نفسها، قبل نحو 100 ألف سنة كان البشر عبارة عن شراذم متفرقة تعمل بالجمع والالتقاط بين حشائش السافانا، كان أفضل استخدام ممكن لقدرات الإنسان العقلية أن تُوجَّه للعمل على مهام محددة وهي العثور على الطعام وتجنُّب المفترسات، بالتالي فإن عناصر مثل "الذكاء" كانت أيضا سياقية الطابع، لا تُفَعَّل إلا من خلال سياق محيط يتضمن تلك الوظائف فقط، بعد ذلك تطورت طرائق حياة البشر بوتيرة سريعة جدا، خاصة مع قفزة الكتابة منذ سبعة آلاف سنة والثورات الثقافية المتتالية وصولا إلى الثورة الصناعية، لكن عقل البشر -بوصفه كيانا بيولوجيا- لا يمكن أن يتطور بسرعة تواكب كل ذلك، لذلك بقيت معنا بعض الصفات التي كانت فقط مفيدة قديما.

 

يفتح ما سبق الباب للكثير من الأسئلة التي تدفع للتأمل، لكنها جميعا تتعلق برغبتنا الحثيثة في السيطرة على محيطنا تماما، بحيث يمكن أن نعيش في عالم نشعر فيه بالأمان، عالم يمكن التنبؤ به، لكن ماذا لو أن أشياء لا ندركها، أشياء ببساطة لون الجدار أو حجم الكوب أو وزن ما تحمله في يديك، كانت ذات تأثير قوي في قراراتنا وسلوكنا؟ رغم أن تلك التأثيرات تكون طفيفة في معظم الأحيان، لكنها كثيرة ومعقدة ومتشابكة وتمتد لأكثر مناطق حياتنا حسما وحساسية. تلك حقا مشكلة، لكننا على الأقل -خلال نصف قرن مضى- تمكّنّا من تغيير تعريفنا للعقلانية، فبعد أن كانت قناعة واثقة بقدرتنا على الفهم والتحليل، أصبحت بشكل أو بآخر هي القدرة على إدراك إلى أي مدى نحن غير عقلانيين، ربما من هنا تبدأ الحلول.

____________________________________________________________

المصادر

  1.  Red enhances human performance in contests
  2.  Red shirt colour is associated with long-term team success in English football
  3. The effect of uniform color on judging athletes’ aggressiveness, fairness, and chance of winning
  4.  المصدر السابق
  5. Extraneous factors in judicial decisions
  6. Washing Away Your Sins: Threatened Morality and Physical Cleansing
  7. Weight as an Embodiment of Importance
  8. Experiencing Physical Warmth Promotes Interpersonal Warmth
  9. Mindless Eating: Why We Eat More Than We Think
  10. Hunger Comes From Your Mind, Not Just Your Stomach
  11. The Adapted Mind: Evolutionary Psychology and the Generation of Culture – Jerome H. Barkow , Leda Cosmides , John Tooby

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة