مسلسل "Queen’s Gambit".. لم لا تؤدي النساء كالرجال في الشطرنج؟

لم يتوقع كارلسن ذلك(1)، كان قد قرّر تحريك بيدقه إلى الخانة f3 على رقعة الشطرنج في النقلة الثامنة والعشرين، ثم فجأة ارتسمت ابتسامة عريضة على وجه بولجار، حيث بدا وكأنها قد وجدت ضالّتها المنشودة، نزلت فورا بالوزير إلى الخانة h4، ما أطلق بدوره موجة من خمس نقلات متتالية تمكّنت بولجار خلالها من اقتناص قطعة كاملة من منافسها، بعد ذلك حاول كارلسن أن يتنصّل من الخسارة، لكن نقلة أخيرة بالقلعة عند الخانة h3 أفقدته كل أحلامه البائسة، فما كان منه إلا أن انسحب.

 

نتحدث هنا عن أعظم لاعب شطرنج في العالم، ماجنس كارلسن، وكان ذلك في عام 2012، أثناء إقامة إحدى البطولات العالمية في مدينة ميكسيكو سيتي، العاصمة المكسيكية، أما جوديت بولجار فهي أقوى لاعبة شطرنج نعرفها، في عام 2005 حصلت على المركز الثامن(2) بين أباطرة الشطرنج في العالم، ونتحدث عن قائمة على رأسها كاسباروف وأناند وتوبالوف، لكن رغم ذلك فإن هذه القائمة لم تكن تضم سوى امرأتين فقط في تاريخها، بولجار كذلك لعبت مع كارلسن 11 مرة، ولم تهزمه إلا مرة واحدة. هنا قد تتساءل عن السبب في ذلك، ما الذي يجعل النساء يتخلّفن عن الرجال في لعبة الشطرنج؟

يحاول مسلسل "مناورة الملكة" (Queen’s Gambit) الصادر مؤخرا عبر منصة "نتفليكس" أن يعرض تلك المشكلة، لكن في عالم مختلف، ستجده واقعيا في كل شيء إلا سرديته الرئيسية، وفيها تتمكّن بيث هارمون، الفتاة التي نشأت يتيمة في إحدى دور الرعاية، من استكمال طريقها الحرج والمعقّد، بداية من بطولات ولاية كنتاكي المحلية، ووصولا إلى تسيّد لعبة الشطرنج في العالم أجمع حينما تُلاعِب بطل العالم الروسي "فاسيلي بورجوف".

 

لوهلة تتصور أن "نتفليكس" -و"نتفليكس" تحديدا- كانت لتكرّس المسلسل للحديث عن الصعوبات التي واجهتها هارمون في هذا الطريق الوعر، ونقصد بشكل خاص ما ستُعانيه من استهزاء من قِبَل الرجال في لعبة يتسيّدونها، وفي عالم يرون فيه أن دور المرأة هو "المطبخ"، خاصة أننا نتحدث عن الشطرنج، اللعبة التي تُمثِّل صورة مجردة من التفكير، والهيمنة فيها تعني كثيرا من الرسائل الاجتماعية، إلا أنك ستتفاجأ لا شك، فرغم بعض التعليقات السخيفة، فإن عالم هارمون كان مثاليا بدرجة ما، لا أحد يحتقرها كونها امرأة، الرجال الذين هزمتهم في طريقها نحو البطولة دعموها، منهم مَن احترم ذكاءها ورفع لها القبعة، ومنهم مَن رحَّب بها بصدق كونها بطلة ليس لها مثيل، ومنهم مَن أصبح صديقا وفيا لها.

في العالم الواقعي، الأمر لا يبدو كذلك، دعنا مثلا نتأمل تصريحا(3) شهيرا صدر قبل عدة أعوام لأحد أعظم لاعبي الشطرنج في بريطانيا، الأستاذ الدولي الكبير نايجل شورت، قال فيه إن الرجال بطبعهم أفضل في اللعبة من النساء، مضيفا أن اختلاف الرجال عن النساء في الذكاء هو أمر طبيعي، فزوجته تطلب منه أن يساعدها في قيادة السيارة! أثار التصريح ضجة واسعة في مجتمع الشطرنج، حتّى إن بولجار نفسها غرّدت(4) أنها تغلّبت على شورت في ثماني مباريات كلاسيكية مقابل ثلاث هزائم مع خمسة تعادلات.

 

كرد فعل على هذا التصريح قالت الأستاذة الدولية البريطانية "سو ماروروا" إن هذا الرأي شائع في أوساط الشطرنج، وفي تصريح سابق لـ "ميدان" كانت بطلة مصر والعرب وأفريقيا، شروق وفا، قد أشارت إلى شيء شبيه حينما قالت إنه في حالة بطولة العالم للفتيات، حينما تقع إحداهن في خطأ كبير "blunder" تتنشر فورا أحاديث تنميطية كثيرة مثل "هذا هو لعب الفتيات" أو "لقد فعلت ذلك لأنها فتاة"، رغم أن بطولات العالم للرجال يحدث فيها الشيء نفسه ولا أحد يتحدث عنها بالطريقة نفسها، بل يُنظر لها بوصفها مواقف مضحكة وانتهى الأمر.

 

هنا يأتي دور مسلسل "مناورة الملكة" (Queen’s Gambit)، فهو يُقدِّم لنا حالة تنجح فيها المرأة بالشطرنج لأنها ربما لا تعاني من التنميط المفرط، لا تواجه -بجانب كل مشكلاتها الشخصية- ضغطا شديدا من قِبَل الذكور في اللعبة. لكن هل يمكن أن يكون التنميط سببا رئيسيا في مشكلة المرأة بالشطرنج، أو غيره من النطاقات التي تحتاج إلى مهارات عقلية؟!

في تقرير صدر في 2002 مُوِّل من قِبَل مؤسسة العلوم الوطنية الأميركية (National Science Foundation)، ظهر(5) أن انسحاب النساء من دراسة الهندسة لا يرجع بالأساس إلى قدراتهن على الخوض في هذا المجال، لأنهن يؤدّين فيه كالرجال، ولكن السبب الرئيسي هو ضعف ثقتهن في أنفسهن، بل يُضيف التقرير أن مسألة ثقة المرأة في قدراتها لأداء مهام في الرياضيات، والعلوم، والهندسة، تمتد في المجتمعات الحديثة إلى ما هو أعمق من ذلك الحد لتشمل حالة قناعة عامة لديهن، كل فتاة تقريبا ترى أنها بطبيعة الأمور لن تؤدي جيدا في هذا الوسط!

 

نعرف الآن أن أحد أهم الأسباب الرئيسية التي تتدخل لشرح تلك المشكلة هو ما نسميه "تهديد الصورة النمطية"(6،7) (Stereotype threat)، ويعني ميل مجموعة بعينها من البشر إلى تأكيد فكرة المجتمع عنها، فمثلا كون المجتمع ينظر للفتاة على أنها ليست مؤهلة للعب الشطرنج يدفع بها إلى التوتر والخوف في أثناء محاولاتها للعب الشطرنج، فتفقد الثقة في ذاتها وتفشل فعلا، فيعطي ذلك المزيد من الدعم للصورة النمطية، وهكذا ندخل في دوّامة مغلقة.

يمكن لنا الرجوع بتلك الفكرة إلى التسعينيات من القرن الفائت، عندما قام ستيفن سبينسر، أستاذ علم النفس الاجتماعي من جامعة ولاية أوهايو، بدراسة تأثير تهديد الصورة النمطية على طالبات وطلبة من المستوى الدراسي نفسه(8)، عندما أخبر مجموعة من الفتيات أن هذا الاختبار الذي سوف يُقدمن عليه في الرياضيات هدفه توضيح درجة الفارق في القدرات بين الذكر والأنثى، فحققت الفتيات نتائج منخفضة، لكن حينما أُخبِرت مجموعة أخرى من الفتيات أنه اختبار عادي، سجّلن نتائج مساوية لأقرانهن من الطلبة الذكور.

 

كذلك فإن النساء يفشلن بدرجة أكبر في حالات التنافس مع الرجال، بينما تنجح بدرجة أكبر حينما لا توجد أي منافسات، دعنا مثلا(9) نُعرِّض مجموعتين منفصلتين من النساء والرجال لاختبار بسيط، وهو عبارة عن مجموعة من ألغاز المتاهات، ومع كل متاهة سوف يحصل المتسابق على مبلغ مالي، في تلك التجارب تتشابه النتائج بين فريقي النساء والرجال، لكن حينما تدخل النساء المشاركات في التجارب إلى ما يشبه "البطولة" المشتركة مع الرجال بحيث يحصل الفائز فيها على مبلغ من المال، يُسجِّل الرجال نجاحا بفارق أكثر وضوحا في حالات المنافسة.

 

على مدى عقود عدة، وخلال مئات التجارب، أشارت النتائج(10) إلى أن تأثير تهديد الصورة النمطية على الفئات التي تحمل صورة نمطية سلبية عن ذواتها (الفتيات بشكل خاص) كان واضحا، ومتناسبا بشكل طردي كلما قمنا بتحديد النطاق الخاص بهدف هذا الاختبار، بداية من المتاهات، مرورا بالرياضيات، وكذلك في الشطرنج، في إحدى التجارب كان هناك مُتبارٍ خفي، قيل لمجموعة من لاعبات الشطرنج إن هذا المتباري ذكر، وقيل لمجموعة أخرى إنه فتاة، جاءت النتائج لتقول إن المجموعة التي قيل لها إن المتباري معها هو فتاة مثلها حصلت درجات أعلى، رغم أنه الشخص نفسه.

 

حينما تؤكد الفتيات صورة المجتمع عنها بسبب تهديد الصورة النمطية، فإن فتيات أخريات يلحظن ذلك وبالتالي فإنهن يتجنّبن هذا النطاق، الأمر الذي يرفع من قيمة الخوف من المشاركة في عالم الشطرنج، وهذا واضح للغاية، يمكن على سبيل المثال أن نراه في دراسة(11) فحصت الفارق بين أعداد لاعبي الشطرنج المسجلين في ألمانيا رسميا عام 2007، لتجد أنه من بين 120 ألف لاعب كان هناك 11 ألف امرأة فقط، أما في الهند فكان وي جي(12)، لاعب الشطرنج وأستاذ علم النفس والأعصاب بجامعة نيويورك، قد وجد أن عدد اللاعبين المسجلين رسميا، في تقييم أعلى من 2000، كانوا نحو 18 ألف لاعب منهم نحو ألف امرأة فقط.

 

الآن دعنا نضرب مثالا بسيطا لتوضيح تأثير ذلك الفارق في الأعداد بين الرجال والنساء على نتائج اللعب، لنفترض أن لدينا مجموعتين من الناس، في المجموعة الأولى هناك 36 شخصا، وفي المجموعة الثانية هناك شخصان فقط، سوف نبدأ بعملية توزيع عشوائي للأرقام من 1 إلى 100 على المجموعتين، ثم نحسب المتوسط، ونُعيد الكَرّة مرات متتالية، لتكن خمس مرات. في رأيك، أي المجموعتين ستحصل على متوسط أعلى؟

 

المجموعة الأولى بالطبع، لأن فرصها الإحصائية أعلى من المجموعة الثانية، وبالتالي فإن احتمالات حصولها على أرقام أكبر كبيرة. في الواقع تلك هي النتائج التي توصلت إليها الدراسة الألمانية التي تحدّثنا عنها قبل قليل، ضعف تمثيل النساء في عالم الشطرنج يُعطي الرجال فرصا إحصائية أكبر للتفوق، الأمر الذي بدوره يرفع من تأثير تهديد الصورة النمطية.

 

إلى الآن، لا توجد دلائل علمية كافية على وجود تفوُّق عقلي للرجل على المرأة، ويُشير الإجماع العلمي الحالي إلى أنه -في المتوسط- لا توجد اختلافات(13) بين الرجال والنساء في الذكاء أو "الوظائف العقلية التنفيذية"، هذا الاصطلاح يعني آلية ضبط العمليات الإدراكية الأساسية، بما في ذلك قدراتنا على التخطيط وحل المشكلات وترتيب الأولويات وتركيز انتباهنا على شيء بعينه أو أداء مهام متعددة. يُشير ذلك إلى أن تهديد الصورة النمطية يمكن أن يكون سببا رئيسيا، أو على الأقل أحد الأسباب الرئيسية، في مشكلة النساء مع الشطرنج، وبالتبعية العلوم والهندسة، لأن الصورة تقريبا واحدة.

 

لذلك يقترح الباحثون في هذا النطاق أن تخفيف وطأة تهديد الصورة النمطية قد يساعد الكثير من الفتيات على الدخول إلى عالم الشطرنج والتنافس فيه بثقة، خاصة أننا نرى ارتباطا واضحا لأداء الفتيات في نشاطات مثل الشطرنج والعلوم والرياضيات والهندسة، مع أحوال المرأة السياسية والاقتصادية في الدول نفسها، وفي الدول التي احتلّت المرأة فيها مناصب بحثية أو سياسية مهمة كان إقبال الفتيات على تلك النطاقات أكبر وكُنَّ أكثر إنجازا.

 

حالة بيث هارمون إذن هي حلم كل فتاة تحب الشطرنج -أو أيًّا من النطاقات الأخرى كالهندسة والرياضيات والعلوم في العموم-، لكنها ترتعب حد الانكسار من فكرة أن يقال إنها فاشلة لمجرد أنها فتاة، لذلك تتجنّب الدخول إلى عالم عشقته منذ طفولتها لسبب أو لآخر، ورغم كل ما عانته بطلة مسلسل "مناورة ملكة" (Queen’s Gambit)، خاصة مع إدمان المهدئات والخمر، فإنها كانت على الأقل تحاول تجاوز مشكلات يمكن تجاوزها مع بذل الجهد والتحلّي بالصبر، أما مشكلة مجتمع يتعامل معكِ على أنكِ "غبية" أو "يُفضّل أن تذهبي إلى المطبخ"، وهو تعبير شائع في وسائل التواصل الاجتماعي العربية، فإن هذا بلا شك يُشكِّل ضغطا إضافيا على الكثير من النساء.

_________________________________________________________________________

المصادر

  1. مباراة كارلسن ضد بولجار
  2. FIDE October 2005 rating lists
  3. Nigel Short says men ‘hardwired’ to be better chess players than women
  4. المصدر السابق
  5.  Experiences in College Engineering (WECE) Project
  6. STEREOTYPE THREAT (STEELE, ARONSON)
  7.  Are Girls Bad at Chess?
  8. Stereotype Threat and Women’s Math Performance
  9. Explaining the Gender Gap in Math Test Scores: The Role of Competition
  10. STEREOTYPE THREAT: AN OVERVIEW
  11. Why are (the best) women so good at chess? Participation rates and gender differences in intellectual domains
  12. What gender gap in chess?
  13. الرجل والمرأة مختلفان .. لكن ليس في هذه الصفات

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة