نوبل للكيمياء 2020.. ماذا لو أمكن لنا التحكم في شفيرة الحياة؟!

تبدأ الحكاية من حرب شعواء، بدأت قبل نحو أربعة مليارات من السنوات بين جيشَيْ كائنين هما الأكثر تكيُّفا على هذا الكوكب، البكتيريا والفيروسات، هذه الحرب ما زالت قائمة إلى الآن، لكن مع الزمن تمكن كلٌّ من الفريقين من تطوير أدوات لإنقاذ نفسه من الفناء، لكن نوبل للكيمياء 2020، التي أُعطيت للباحثتين، الأميركية "جينيفر دودنا" والفرنسية "إيمانويل شاربينتيه"، عن تطويرهما لأحدث ثورة علمية في نطاق التحرير الجيني، كانت ما جنيناه نحن البشر من هذه الحرب!

 

حسنا، الفيروسات كائنات صغيرة جدا، لدرجة أن عدة مئات منها إلى عشرات الآلاف يمكن أن تحتل خلية بكتيرية واحدة، تلك التي يمكن أن تضع ألفا منها مثلا في طابور طوله ملليمتر واحد! في البداية يقوم أحد الفيروسات بإلقاء بذوره داخل الخلية البكتيرية، والبذور هنا هي حمضه النووي، يستخدم هذا الحمض النووي آلية عمل الخلية البكتيرية لإعادة نسخ نفسه آلاف المرات، وحينما تنتهي تلك العملية فإن الفيروسات الجديدة التي تكوّنت تُفجِّر الخلية البكتيرية وتنطلق منها إلى خلايا أخرى لتستمر المجزرة.

 

الحمض النووي هو -ببساطة- شفرة الحياة، يتكون من خط طويل جدا من الحروف الكيميائية المعقدة، لكن دعنا لفهمه نتخيل أنه شريط طويل لأحد أفلام الفيديو القديمة، على طول خط هذا الشريط البني تُسجَّل المشاهد المختلفة، هنا مثلا يلتقي البطل بالبطلة للمرة الأولى، وهناك يتركها لأجل السفر باحثا عن المال، في قطعة أخرى من الشريط يمكن أن تجده عائدا إليها في ندم شديد.

 

الحمض النووي كذلك يتكون من أكواد أو شفرات، هنا شفرة تُحدِّد طولك، وهناك شفرة أخرى تُحدِّد لون عينيك، وثالثة تُحدِّد طبيعة شعرك. في البيولوجيا فإن تلك الشفرات لها اسم معروف: الجينات. وإذا كان الحمض النووي هو الفيلم المكتوب على شريط طويل قديم بُنّي اللون، فإن جسمك هو الفيلم نفسه وقد عُرِض على التلفزيون.

 

الآن دعنا من درس البيولوجيا. في بعض الأحيان يحدث أن تُفلت البكتيريا من هذه المجزرة، في تلك الحالة فإنها تستخدم سلاحا سريا توارثته عن أجدادها، حيث تقوم بضم قطع من الحمض النووي الخاص بالفيروس إلى حمضها النووي، بحيث إذا جاء الفيروس مرة أخرى إليها فإنها تتعرف إليه فور وصوله، وترسل دفاعاتها إليه قبل أن يبدأ هجومه، تلك إذن هي عملية مناعية تشبه ما يحدث لنا بعد الإصابة بفيروس الحصبة مثلا، حيث يُكوِّن جسمك عدّة مناعية -متقدمة جدا إذا ما قورنت بالبكتيريا- جاهزة لاستقبال هذا الفيروس وصدّ هجومه قبل أن يبدأ، فلا تُصاب بالحصبة مرة أخرى.

لنفترض الآن أن لدينا قبيلة مكونة من عدة آلاف من الخلايا البكتيرية مثلا، مئة فقط منها يحتوي على تلك الأجزاء من الفيروس في حمضه النووي، ثم حدث أن هجمت الفيروسات مرة أخرى، مَن سيقاومها؟ إنها تلك المجموعة الصغيرة، وحينما تتكاثر تلك المجموعة وتنمو، بينما تموت كل الخلايا البكتيرية الأخرى في الهجوم، فإننا في آخر اليوم نحصل على جيش كامل من البكتيريا مقاوم لهذا الفيروس، الآن تخيّل معي تاريخ البكتيريا الطويل طوال مليارات السنوات، كم حفظ من أجزاء الفيروسات وتطور به؟

 

كانت تلك الخاصية لافتة للغاية، علماء الميكروبيولوجيا والبيولوجيا الجزيئية اهتموا بالأساس بالبحث خلف الكيفية التي يمكن من خلالها أن تقوم البكتيريا ببناء هذه الدفاعات، فالأمر لا شك يتطلّب قصًّا ولصقًا في الحمض النووي، وهي عمليات معقدة ودقيقة جدا، في تلك النقطة يدخل ثنائي نوبل هذا العام، حيث لاحظتا، مع بقية علماء هذا النطاق، أن هناك قطعا من الحمض النووي الخاص بالبكتيريا مكررة بشكل غريب.

 

يُشبه الأمر مثلا أن تستمر في الكتابة لكنك تضع كلمة "طبق" بين كلمات السطر الواحد أربع إلى خمس مرات، وتستمر في ذلك، لكن الأعجب من هذا كان قطع الحمض النووي التي توجد بين هذه المقاطع المتكررة، فقد كانت قريبة في تتابعها إلى الحمض النووي الخاص بالفيروسات، هنا تسأل كلٌّ من دودنا وشاربنتييه السؤال نفسه الذي تسأله لنفسك الآن: ماذا لو كانت تلك القطع المتكررة لها علاقة بعمليات قص ولصق الحمض النووي الخاص بالفيروسات داخل ذلك الخاص بالبكتيريا؟

توقُّعك في محله، عكفت الباحثتان -مع بداية الألفية وإلى الآن- بشغف شديد على دراسة هذه القطع المكررة والتي بتنا الآن نعرفها باسم كريسبر (CRISPR) أو "التكرارات العنقودية المتناظرة القصيرة منتظمة التباعد"، الاصطلاح معقد لكنك الآن تفهم ما يعنيه، "دودنا" كانت تهتم بشكل أساسي بدراسة شيء شبيه، وهو الكيفية التي يمكن من خلالها أن ينقطع الحمض النووي المسمى "RNA"، أما "شاربنتييه" فقد عكفت منذ بداية مشروعها البحثي على دراسة نوع من البكتيريا سُمِّيت العقدية المقيحة (Streptococcus pyogenes)، أحد أشرس أنواع البكتيريا، وداخلها درست قطع كريسبر.

 

عند لقائهما، مصادفة في أحد المقاهي أثناء مؤتمر علمي بإقليم بورتوريكو التابع للولايات المتحدة الأميركية، كان الأمر أشبه بقطعتَيْ "بازل" وجد كلٌّ منهما الآخر، وتقدَّمتا معا في فهم هذه المنظومة المعقدة التي باتت الآن تُدعى "CRISPR-Cas9″، هذا المقطع الإضافي "كاس 9" (Cas9) هو إنزيم يستخدِم مناطق كريسبر دليلا للتعرف على الأجزاء التي يجب قصّها، ثم في مرحلة ثالثة اكتشف الثنائي جزءا ثالثا لهذه المنظومة سُمِّيَ "tracrRNA"، الذي يفعل هذه العملية برمتها، استغرق فهم هذه المنظومة المعقدة جدا والدقيقة جدا قرابة عقد من الزمن.

 

الآن بقي شيء واحد فقط، إذا أهدتك الطبيعة منظومة متقدمة جدا عمرها مليارات السنوات من التحسين المستمر، ماذا يمكن أن تفعل إذا كنت باحثا نبيها؟ بالضبط، ستحاول أن تُسخِّرها لخدمتك، وهو بالفعل ما عملت عليه الفائزتين بنوبل، حيث بدأتا بتبسيط هذه المنظومة من المقصات الجينية في صورة أسهل يمكن العمل عليها سُمِّيت فيما بعد "رنا الدليل" (RNA Guide)، التي تتمكّن من تحديد أي مكان في الحمض النووي، بحسب رغبة الباحثين، ليقوم "كاس 9" بقطعه، الآن أصبحت لدينا أصغر مقصات في التاريخ.

بعد نشر تجارب دودنا وشاربنتييه عام 2012، بدأ العلماء في استخدام تلك الآليات الجديدة بشكل مباشر على الحيوانات، التجارب الأولى كانت مذهلة، فنحن نعرف عن تقنيات التحرير الجيني منذ عدة عقود، لكنها كانت عمليات معقدة للغاية وتأخذ الكثير من الوقت مع إنتاجية ضعيفة، لكن مع "كريسبر" تقلّصت مدة إجراء عملية التحرير الجيني في المعمل من سنوات إلى أيام، أصبحت كذلك أسهل بحيث يمكن لأي معمل مختص أن يحترفها، وأصبحت أرخص بفارق شاسع مقارنة بالتقنيات القديمة، يفتح ذلك باب الإنجازات المستقبلية ولا يُغلقه أبدا.

 

لفهم تلك الفكرة دعنا نتأمل نوعا جديدا من سمكة تُدعى السلمون الأطلسي اعتمدته إدارة الاغذية والأدوية الأميركية (FDA) للاستهلاك الآدمي قبل عدة سنوات، حيث كان العلماء قد نجحوا في تعديل جيناته عبر تقنية "كريسبر"، النوع الجديد يُمثِّل سمكة أكبر في الحجم بفارق واضح، وتصل إلى حجم التسويق أسرع بمرتين من السمكة الطبيعية الأصغر حجما، يستهلك السمك الجديد غذاء أقل ويمكن تربيته في مزارع بجوار المدن التي تحتاج إليه فنُوفِّر تكاليف النقل.

السلمون الأطلسي، الصغيرة هي السمكة الأصلية، الكبيرة هي السمكة المعدلة جينيا

هذه فقط عيّنة مما يمكن أن تساعدنا تكنولوجيا التحرير الجيني على تحقيقه من تقدُّم، تذكّر أننا في بداية حديثنا معا قلنا إن الجينات مسؤولة عن صفاتنا، وبالتالي فإن القدرة على التحكم في هذه الجينات هي أيضا قدرة على التحكم في صفات الكائنات الحية، ومن ضمنها نحن.

 

في تلك النقطة لا يمكن إلا أن نتذكّر حدثا هزّ الوسط العلمي قبل عدة سنوات حينما أعلن طبيبان صينيان عن ميلاد أول طفلتين معدلتين جينيا لغرض رئيسي وهو ألا تُصابا بالإيدز أبدا، حيث تدخلت تقنيات التحرير الجيني لإبطال أحد الجينات التي تسمح لفيروس نقص المناعة المكتسبة بالسيطرة على الجسم، في العام الماضي حُكم على هذين الطبيبين بالسجن ثلاث سنوات من قِبل الحكومة الصينية، بعد أن ارتفعت الأصوات المعترضة من كل مكان بالعالم، هذه التقنيات ما زالت غير ممكنة إلا فقط في نطاق تجريبي أو على كائنات حية أخرى، ولم نصل بعد إلى قوانين تُنظِّم عملها على البشر، وهو أمر يعتريه كمٌّ كبير من الجدل والتعقيد، ويتدخل في كل شيء من السياسة إلى الأخلاق.

 

إذا تأملت قليلا في الاستخدامات المتوقعة لهذه الثورة الجينية، فإنك ستذكر تقريبا كل شيء، علاج الأمراض الفيروسية والبكتيرية، علاج السرطان، علاج الأمراض المزمنة، الأمراض المناعية، نباتات أو حيوانات معدّلة جينيا لتستهلك كمية أقل من المياه والغذاء وتُنتج غذاءنا نحن بكميات أكثر، مبيدات أفضل وأكثر أمانا.

الأمريكية "جينيفر دودنا" والفرنسية "ايمانويل شاربينتية"

قد يساعدنا ذلك على تخطي مجاعة مقبلة خلال عقود مع انخفاض موارد الأرض وازدياد أعداد البشر ناحية 10 مليارات إنسان، قد يعطينا تقنيات تدفعنا دفعا إلى سبر أعمق أسرار الحياة في تركيبتنا الجينية كوننا بشرا، نتحدث بالفعل عن نقلة حضارية، شيء لم نكن نحلم بوجوده، وفي الحقيقة فهو من الأهمية بحيث يتصور البعض أنه أعظم ثورات البشر بعد استكشافنا كيفية استخدام النار، أو ابتكار الكتابة قبل آلاف السنين!

 

على الجانب الآخر، فإن هذا الأمر يدفعنا لتأمل إمكانات أخرى خطيرة، على سبيل المثال تمكّن فريق من الباحثين منذ فترة من تعديل نوع من الأسماك بحيث يمكن أن يُضيء ذاتيا في الليل، لغرض تجاري وهو الترفيه، إذا مددت الخط على استقامته فإنك لا شك ستُصاب بتلك القشعريرة المختلطة بالأمل، فمن ناحية نحن مقبلون على عصر نعالج فيه أعقد أمراضنا وأكثرها قسوة، ومن ناحية فإنها فرصة، في مستقبل ما ربما يكون قريبا أو بعيدا، لتعديل البشر أنفسهم.

 

نوبل كيمياء 2020 ذهبت للتحكّم في شفرة الحياة نفسها، إنها قوة لا يُستهان بها، طاردناها منذ آلاف السنين حينما عمل الفلاحون وبائعو الحيوانات والطيور على تحسين إنتاجهم عبر اختيار أفضل منتجات الأجيال السابقة من الطيور أو الحيوانات أو النباتات ودفعها للتكاثر ثم تكرار العملية نفسها، لكننا الآن قادرون عليها بدقة شديدة تُمكّننا من تغيير جيناتنا نفسها، من جانب آخر فإن ذلك يدفعنا للتساؤل عما يعنيه وجودنا، فإذا حدث يوما ما وتدخّلت تلك الجينات لتحسيننا نحن البشر، كيف سنتعامل مع بعضنا بعضا؟ كيف يمكن أن نرى العالم؟ هل سنظل بشرا أم سنصبح شيئا آخر؟ وإذا كان الأمر كذلك، إذا كانت الحياة لعبة من الممكن التحكم بها بهذا الشكل، في أعمق أعماقها، فمَن نحن أصلا؟!

المصادر

  1. The Nobel Prize in Chemistry 2020

حول هذه القصة

تفصلنا فقط أسابيع قليلة عن جائزة نوبل، أكبر حدث علمي بالعالم، ينتظرها متخصصو وهواة العلوم بشغف شديد، وتكون أيام إعلان جوائز نوبل هي فرصة عظيمة لمهرجانات علمية متزامنة احتفالًا بها. من سيربح هذا العام؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة