نوبل للفيزياء ٢٠٢٠.. لماذا يستحق الثقب الأسود كل هذا الزخم؟

منذ اللحظة الأولى التي أُعلن فيها عن صورة الثقب الأسود في أبريل 2019، اشتعلت أجواء التواصل الإجتماعي حول العالم احتفالا بالحدث التاريخي، لطالما كانت الثقوب السوداء مثيرة لانتباه كتاب الخيال العلمي ومخرجي أفلامه بنفس القدر من الإثارة الذي انتاب الفيزيائيين، ولذلك فقد امتلكت شعبية جارفة طوال عقودٍ مضت.

صورة الثقب الأسود

مع ذلك الكشف، تصوّر الجميع أن جائزة نوبل في الفيزياء ستذهب إلى مصوّري الثقب الأسود هذا العام، لكن في الحقيقة فإن الأهم من هذه الصورة هو تاريخ طويل من العمل قاد إليها، واليوم – في السادس من أكتوبر 2020 – ثلاثة من رواد هذا التاريخ الذي أوصلنا إلى صورة الثقب الأسود قد حصلوا على الجائزة، وهم "روجر بنروز" من جامعة أكسفورد البريطانية (نصف الجائزة)، و"رينارد جينزل" من معهد ماكس بلانك الألماني وجامعة كاليفورنيا الأمريكية (ربع الجائزة)، و"أندريا جيز" من جامعة كاليفورنيا (ربع الجائزة).

 

في الواقع، فإن فكرة الثقوب السوداء كانت سابقة حتّى لظهور ألبرت أينشتين بالنظرية النسبية أوائل القرن الفائت، حيث كان الفلكي الإنجليزي "جون ميتشل"، ومن بعده الرياضياتي الفرنسي "بيير سيمون لابلاس"، يعتقدان أن نجما بكثافة الشمس لكنه أكبر منها خمسمائة مرة يمكن أن يكون قويا كفاية لجذب الضوء نفسه الذي يخرج منه، بالتالي فسيظهر للناظر بلون أسود، سميت حينها هذه الأجرام "بالنجوم المظلمة"، في الواقع يمكن لتلك الفكرة أن تساعدنا لفهم ما يعنيه الثقب الأسود.

كل جسم في الكون له جاذبية، تحتاج لكي تفلت من تلك الجاذبية إلى أن تقفز بسرعة ما، تسمى "سرعة الإفلات"، لكي تفلت من جاذبية الأرض مثلا تحتاج إلى أن تركب صاروخا يقفز بسرعة 11.2 كيلومتر في الثانية، أي سرعة أقل من ذلك سوف تمنعك من الهروب وتعيدك إلى الأرض مرة أخرى، من كوكب زحل تحتاج إلى صاروخ ينطلق بسرعة 60.2 كم/ث، ومن الشمس سوف تحتاج إلى صاروخ يقفز بسرعة 617.5 كم/ث، وهكذا، كلما ازدادت جاذبية الجسم ازداد احتياجنا إلى سرعة أكبر كي نفلت من قبضة جاذبيته.

لكن حينما نود أن نعرّف الثقب الأسود فنحن نقول إنه الجرم الذي يمكن له جذب أي شيء حتى شعاع الضوء نفسه، بمعنى أن السرعة المطلوبة للإفلات من هذا الجسم تكون أكبر من سرعة الضوء التي هي بالفعل أسرع شيء في الكون، هذه هي الحالة في الثقوب السوداء، فهي ليست أجساما سوداء كما يتصور البعض، بل هي أشبه ما يكون بغرفه مظلمة في الفضاء، لكنها بلا جدران.

 

كانت هذه الأجرام السوداء مجرد فكرة، حتى اللحظة التي ظهر فيها ألبرت أينشتين، حيث دفعتنا نظريته للتعامل مع المكان والزمن على أنها أشياء مرنة يمكن أن تتمدد أو تنكمش بحسب الظرف القائم عندها، الأمر الذي أعطى الفرصة لأحد الجنود الألمانيين في الحرب العالمية الأولى، اسمه كارل شفارتزشيلد، والذي سأل نفسه، بينما كان على الحدود الروسية قائلا: إلى أي درجة يمكن أن نضغط جسما ما حتى يصبح ثقبا أسود؟

لفهم تلك الفكرة دعنا نرجع إلى قانون الجاذبية لنيوتن، والذي يقول أن قوة جذب جسم لآخر تتأثر بمعيارين، كتلة كل منهما والمسافة بينهما، فإذا ازدادت الكتلة بأي من الجسمين ازدادت الجاذبية بينهما، وإذا ازدادت المسافة بين جسمين قلّت الجاذبية بينهما. حينما تقف على الأرض فإن جاذبيتها لك لا تُحسب فقط من معرفتنا لكتلتك وكتلة الأرض، لكننا أيضا بحاجة إلى حساب المسافة بينك وبين مركز الأرض، لو افترضنا أننا تمكّنّا بشكل ما من ضغط الأرض بحيث يصبح قُطرها أقل بعشر مرات مما هي عليه الآن مع ثبات كتلتها، فإن قوة جذب الأرض لك ستتضاعف نحو مئة مرة، يعني ذلك أنك سوف تلتصق بالأرض وتعجز عن الحركة تقريبا.

انفوجراف

الأمر كذلك بالنسبة للنجوم، فإذا أصبح نفس النجم بنفس الكتلة أصغر في الحجم فإن قوة جذبه تزيد، وبالتالي سرعة الإفلات منه، لكن متى تحديدا يمكن أن يتقلّص حجم النجم؟ هنا دعنا نبدأ في تعلم بعض الفيزياء الخاصة بالنجوم، فنحن نعرف أن أي نجم في الكون يقف ثابتا مستقرا بسبب تساوي قوتين، قوة جاذبيته التي تدفعه للانهيار على ذاته، وقوة التفاعلات النووية الاندماجية التي تُنتج كمًّا هائلا من الإشعاع يدفع ضد تلك الجاذبية، يستمر النجم في تلك الحالة تقريبا طوال عمره.

لكن في نهاية أعمار النجوم الضخمة، ينكسر ذلك الاتزان بين الإندماج النووي والجاذبية، بسبب عدم تمكّن النجم من الاستمرار في عملية الاندماج النووي، فتنتصر قوة الجاذبية وينهار على ذاته في كسر من الثانية ليصنع انفجارا هائلا يسمى "مستعرا أعظم" (Supernova)، اصطلاح "ينهار على ذاته" يعني أن حجم النجم يتقلّص، مع احتوائه على نفس الكتلة، ويحدث ذلك لأن الذرات المكونة للنجم تتقلص، فنحن نعرف أن معظم حجم الذرة بالأساس هو فراغ، هذا الفراغ يتقلّص.

 

اهتم شفارتزشيلد بالبحث عن الحد النظري الذي إذا وصل إليه النجم أثناء انهياره على ذاته فإنه لا يمكن أن يتوقف عن الانهيار، بل سيستمر حجمه في التقلُّص وصولا إلى الثقب الأسود، ابتكر شفارتزشيلد ما نعرفه الآن باسم "نصف قطر شفارتزشيلد" (Schwarzschild Radius)، لكن حتى مع الحلول التي وصل لها هذا الرجل ومن تلاه، ظلّت المشكلة الخاصة بالثقوب السوداء مُتعلِّقة بأنها -في أحسن الأحوال- كانت تخمينات نظرية تتحدث عن أشياء مثالية تماما، وبالتالي لم تكن صورتها الفيزيائية ممكنة على أرض الواقع، فالواقع -كما تعرف- ليس مثاليا.

 

هنا يدخل روجر بنروز، الذي طوّر أداة رياضية سُميت بالأسطح المحاصرة (trapped surfaces)، وهي فكرة معقدة للغاية، لكنها -بتبسيط شديد قد يكون مخلا- تعني أن النجم، مع وصوله إلى مرحلة يستمر معها في الانهيار لا محالة، بحيث لا تكون هناك أي عودة للوراء، ستتوجّه كل أشعة الزمكان ناحية نقطة واحدة في مركز هذا الانهيار، تُسمى المفردة (Singularity)، والتي أثبت بنروز أنها ذلك الكيان الغامض الذي يتواجد في مركز كل ثقب أسود، ويحمل كل ثقله!­

بناء على ذلك، فإن كل شيء يدخل للثقب الأسود يجب أن يتوجّه إلى المفردة في مركزه، في تلك الحالة تنعكس أدوار المكان والزمان، خارج الثقب الأسود فإن الزمن يُجبرنا دائما على السير فيه باتجاه واحد، المستقبل، أما المكان فنكون أحرارا فيه، نتحرك في أيٍّ من أبعاده، لكن في الثقب الأسود نصبح مجبورين على المُضي قُدُما في اتجاه مكاني واحد فقط لا انفلات منه مهما حصل، اتجاه المفردة. لكن، متى نقول إن شيئا ما دخل إلى الثقب الأسود؟

مع بنروز أصبحت الثقوب السوداء ممكنة نظريا، بالتالي بدأ الفيزيائيون التجريبيون في البحث عنها بين جنبات مجرتنا، هنا يظهر كل من "رينارد جينزل" و"أندريا جيز"، والأخيرة هي رابع امرأة تحصل على نوبل للفيزياء، اهتم كل منهما بنقطة في مركز مجرتنا درب التبانة طالما اعتقد العلماء أنها تحتوي على ثقب أسود عملاق، الثقوب السوداء العملاقة هي ثقوب سوداء لكنها ضخمة جدا بكتلة ملايين إلى بلايين الشموس، لا نعرف بعد سبب تكونها، أو تواجدها في مراكز المجرات.

 

الثقوب السوداء – كما يبدو من اسمها – سوداء، وبالتالي فإنه من غير الممكن أن نراها في التلسكوبات، لكن على الرغم من ذلك فإنه يمكن لنا أن نلاحظ أثرها، لنفهم تلك الفكرة دعنا نفترض أننا نقف بعيدًا جدا عن الأرض والقمر، ولسبب ما لا نتمكن من رؤية الأرض، فقط يمكن أن نرى القمر وهو يدور حولها، هل يمكن أن نتعرف على بعض خصائص الأرض التي لا نراها عبر دراسة مدار القمر حولها؟

بالطبع يمكن أن يحدث ذلك، لأن مدار القمر حول الأرض يتأثر بقدرتها على الجذب والتي بدورها تتأثر بكتلة وكثافة الكوكب، كذلك يحدث مع الثقب الأسود العملاق في مركز مجرتنا درب التبانة، حيث تمكن كل من جينزل وجيز من دراسة مدارات مجموعة من النجوم التي تدور حول نقطة غير مرئية في مركز المجرة، أهم هذه النجوم سُمي S2، وكانت أهميته تنبع من الفترة التي يكمل خلالها دورة حول مركز المجرة، إنها 16 عاما فقط، وهي مدة يمكن خلالها دراسة النجم ومداره، قارن ذلك بالشمس مثلا والتي تصنع دورة حول الشمس كل 225 مليون سنة تقريبا!

الأمر ليس بهذه السهولة بالطبع، لتأمل مدار S2 بدقة شديدة يجب أن تنظر إليه بتلسكوبات دقيقة جدا قادرة على اختراق سحب الغاز والغبار الكثيفة في مركز درب التبانة، ولهذا السبب تطلب الأمر عدة عقود حتى نصل إلى نقطة تمكن فيها كل من جينزل وجيز، بشكل منفصل، من التوصل لنفس النتائج التي تقول أن حركة هذا النجم توحي بوجود ثقب أسود عملاق في مركز درب التبانة، نعرفه الآن بإسم "القوس أ*" Sagittarius A* والذي يقع منّا على مسافة 26 ألف سنة ضوئية، وكتلته 4 مليون شمس!

نوبل للفيزياء 2020 هي إذن احتفاء بعدة نطاقات، فمن ناحية هي للجهد النظري الذي بدأه أينشتين ثم تطور وصولا إلى روجر بنروز، ولولا المفاهيم التي طورها الأخير لما أمكن لفيزياء الكونيات أن تصل إلى ما هي عليه اليوم، ومن ناحية أخرى فهي للجهد الرصدي، فعلى مدى أكثر من 30 سنة عمل كل من جينزل وجيز على النجم S2، وبفضل الأدوات التي تمكنا – وعلماء آخرين – من تطويرها أصبح ممكنا لنا أن نخترق بأعيننا وصولا إلى مركز المجرة.

أكثر ربع قرن مضى منذ تلك اللحظة التي تأكدنا فيها من وجود ثقب أسود في مركز مجرتنا، والآن تمكننا بالفعل من التقاط أول صورة للثقب الأسود العملاق الواقع في مركز المجرة الإهليلجية M87 أو "العذراء أ"، والذي تبلغ كتلته حوالي 6.5 مليار شمس. بفضل أعمال ثلاثي نوبل هذا العام، وعشرات الباحثين الذين لم يذكر اسمهم في هذه الرحلة، بتنا الآن أكثر قدرة على الغوص في أجواء البراح الكوني الواسع، ولازالت المعرفة العلمية تتراكم لتعلمنا بعمق أكبر عن ذي قبل، وكل باحث جديد ينضم لهذه القافلة – بحد تعبير نيوتن – إن توصل لشيء، فذلك لأنه يقف على أكتاف العمالقة.

_____________________________________________________________________________________________________

المصادر

  1. The Nobel Prize in Physics 2020

حول هذه القصة

تفصلنا فقط أسابيع قليلة عن جائزة نوبل، أكبر حدث علمي بالعالم، ينتظرها متخصصو وهواة العلوم بشغف شديد، وتكون أيام إعلان جوائز نوبل هي فرصة عظيمة لمهرجانات علمية متزامنة احتفالًا بها. من سيربح هذا العام؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة