نوبل للطب ٢٠٢٠.. حل معضلة فيروس الكبد الذي قتل ١٠٠ مليون إنسان!

"إذا عُرِف السبب بطَل العجب"

(حكمة وردت قبل نحو ألف عام في كتاب "المرتَجَل" لابن الخشّاب)

بينما كان العالم في سبعينيات القرن الفائت يعشق الانفتاح على كل شيء بتسارع شديد، استمر السيد "إتش" بكل هدوء في ممارسة عشقه لتسلُّق الجبال، كان كثيرا ما يصاب بالإرهاق لكنه لم يهتم، في إحدى المرات سقط أرضا بينما كان يقف أعلى إحدى القمم وكاد أن يموت لولا أن زوجته كانت تعرف مهارات الإنعاش القلبي الرئوي وأنقذته، طلبت الإسعاف وانتقل إلى المستشفى فورا، هناك اكتشف أنه مصاب بتلف شديد في شرايينه التاجية ما تطلّب عدة جراحات، الأمر الذي تطلّب بالتبعية عملية نقل دماء.

 

هنا تبدأ القصة، بعد الجراحات ارتفعت قيم الإنزيمات الكبدية لدى السيد "إتش"، وبات واضحا أنه أُصيب بالتهاب كبدي سبّبته عدوى عرفها العلماء جيدا في هذه الفترة، لكنهم لم يكونوا قد تعرفوا بعد إلى طبيعتها، سُمِّيت هذه العدوى "بالالتهاب الكبدي من نوع ليس A أو B" (Hepatitis Non A Non B)، هنا يظهر أول الحاصلين على نوبل طب وفيسيولوجيا للعام 2020، حيث كانت اللجنة النرويجية لجائزة نوبل قد أعلنت فوز الأميركي "هارفي ألتر" والبريطاني "مايكل هاتون" والأميركي "تشارلز رايس"، وثلاثتهم علماء فيروسات، بهذه الجائزة.

 

كان "ألتر" مهتما بفهم أحد أهم الألغاز في تلك الفترة، فرغم أنه قد تمكّن ورفاقه من تطوير اختبار يمكن له فحص وجود "الفيروس الكبدي B" في دماء المرضى، فإن ذلك لم يُفسِّر سوى 20% تقريبا من الحالات المصابة بأعراض الالتهاب الكبدي، وحتّى مع ظهور اختبار للفيروس الكبدي A، والذي كان أيضا معروفا في ذلك الوقت، لم تتغير تلك النسبة. يعني ذلك أن هناك مُسبِّبا آخر لهذا المرض، وهو ليس A أو B.

 

هنا تظهر أهمية السيد "إتش"، وكما تلاحظ فإن اسمه هو حرف واحد من حروف اللغة الإنجليزية، يفعل البعض ذلك إذا تطوّع للتجارب ولم يُرِد أن يعرفه أحد، ظلَّ هذا الرجل بعد تلك الإصابة لمدة أكثر من 30 سنة يساعد "ألتر" ورفاقه من الباحثين للكشف عن هذه الإصابة المُبهَمة، حيث تمكَّن ألتر في عام 1979 من نقل هذا الفيروس من "إتش" ورفاقه من المتطوعين إلى الشيمبانزي، الحيوان الوحيد الذي يمكن أن يُصاب به، وتبيَّن أنه بالفعل نوع من العدوى يمكن أن ينتقل من شخص إلى آخر عبر الدماء وسوائل الجسم.

كذلك نعرف الآن أن هذا الفيروس يمكن أن يتسبَّب في إصابات مزمنة لسنوات طويلة وربما عقود تتسبّب بدورها في كثير من الحالات بتليف كبدي ويصل الأمر إلى الإصابة بسرطان الكبد، نعرف كذلك أنه كان شيئا صغيرا جدا قُطره نحو 30-60 نانومترا فقط (النانومتر الواحد هو جزء من المليون من الملليمتر)، لكن لا شيء أكثر من هذا، يبدو من تلك المعلومات أننا أمام فيروس ما، لكن لا نعرف ما هو.

 

في تلك النقطة يدخل "هاتون" ليبحث عن الفيروس الجديد، كانت مهمة صعبة جدا، ورغم أن أدوات التحليل والفحص وقتها مَكَّنت العلماء من إيجاد الفيروسين A وB، فإن ذلك لم يكن ممكنا إلا مع تقنيات جديدة تتلاعب مباشرة في الحمض النووي، في تلك الفترة كانت لدى "هاتون" فكرة جديدة تماما، وعبقرية في الوقت ذاته.

 

جمع صديقنا ما يشبه "المكتبة" من قطع الحمض النووي التي حصل عليها من دم شيمبانزي مصاب بالمرض، بعد ذلك وضع كل قطعة من تلك القطع في خلايا بكتيرية، وبطبيعة الأمر فإن الخلايا البكتيرية فعلت الشيء الوحيد الذي تُجيده، وهو ترجمة تلك القطع إلى بروتينات على سطحها كما تفعل مع أي حمض نووي، بعد ذلك جمع هاتون ورفاقه عينات لتلك البكتيريا مع عينات من بلازما دم مرضى مصابين بالالتهاب الكبدي لكن ليس A أو B، هؤلاء المرضى -مثل السيد "إتش"- كانوا بلا أعراض تماما وقد كوَّنوا أجساما مضادة للفيروس، الأجسام المضادة لا تعرف إلا الفيروس C، ولو التقت به فستُمسك به للأبد، وهذا أمر يمكن رصده كيميائيا.

من بين مليون خلية بكتيرية، نجحت واحدة فقط في الارتباط مع أجسام مضادة، ما يعني أن تلك الخلية احتوت على جزء من الفيروس، وبفحص هذا الجزء تبيّن أنها قطعة من الحمض النووي مشابهة لفئة من الفيروسات تُسمى الفيروسات المصفرة (Flaviviridae)، وعبر تجارب أخرى تأكّد هاتون ورفاقه أنه ليس A وليس B، لكنه بات الآن -في عام 1989- يُعرف باسم جديد نعرفه جميعا، إنه الفيروس الكبدي C.

 

الآن أصبحنا على دراية تامة بأن الفيروس الكبدي C له علاقة وطيدة بالإصابة بنوع من الالتهاب الكبدي نعرف أنه ليس بسبب الفيروس الكبدي A وليس B، لكن بقيت خطوة واحدة فقط للتأكد من أن هذه العلاقة سببية، أن نؤكد أن الفيروس الكبدي C هو فقط السبب في هذا الالتهاب، هنا يدخل رايس ورفاقه بثلث الجائزة وكذلك ثلث الإنجاز، فقد تمكَّن من التعرف على قطعة من الحمض النووي الخاصة بهذا الفيروس وخمَّن أنها متعلقة بقدرته على نسخ نفسه داخل الخلايا الكبدية الحية، وبقي أن يدفع الفيروس للتكاثر داخل حيوان صحيح لا يعاني من أي إصابة بالالتهاب الكبدي.

 

خلال المحاولات الأولى فشل رايس في إثبات ذلك، لكنه كان متأكدا من صحة فرضيته، فتصوّر أن تلك الفيروسات التي استخدمها في تجاربه يمكن أن تكون قد تلفت بسبب طفرة ما، وهو أمر شائع، لذلك قام باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية لاستنساخ تلك القطعة الخاصة به، بحيث تكون سليمة تماما، ثم قام بدمجها في عينة من الفيروسات التي حصل عليها وحقنها في الشيمبانزي مرة أخرى، هنا تضاعفت الفيروسات بالقدر المتوقع، وأُصيب الحيوان بالمرض، وتطوَّرت جميع أعراضه بالصورة المتوقعة، الآن بات مؤكدا أن الفيروس الكبدي C هو السبب المباشر في مرض يقتل 400 ألف شخص سنويا.

 

قبل هذه الاكتشافات الثلاثة كانت المشكلة الأكبر متعلقة بالعدوى، أبحاث ألتر وجدت أن 30% من عمليات نقل الدم وقتها تسبَّبت في الإصابة بفيروس C، وكانت المشكلة أننا لا نعرف أي ناقلي الدم مصاب بالفيروس وأيهم ليس مصابا به، حينما يقوم أحدهم بإجراء جراحة ما ويتطلب الأمر نقل دم أكثر من مرة، فإن احتمالات إصابته تتصاعد لتصل إلى 50%، والمشكلة الأكبر أن هذا المرض صامت، عادة ما يبقى في الجسم بلا أعراض لسنوات أو ربما عقود، كان ذلك هو ببساطة أحد أكبر أسباب انتشار الفيروس.

لكن مع التعرف إلى تركيب الفيروس بات ممكنا أن يبتكر العلماء اختبارات تكشف عن وجوده في دماء المتبرعين، كان ذلك هو الانتصار الأول والأهم في مواجهة فيروس كنّا نعرف عنه قبل 2600 سنة حينما أشار أبقراط إلى أعراضه في كتابات قديمة، خلال كل تلك الفترة كان المرضى يصابون بالفيروس الكبدي C، بعضهم يعيش لكن البعض يموت، ولا أحد يعرف السبب، في عام 2015 قدَّرت منظمة الصحة العالمية عدد قتلى الالتهاب الكبدي بسبب فيروس C بـ 114 مليون إنسان!

 

مع ظهور الاختبارات وتطورها، انخفضت نسب الفيروس بحدة في الكثير من الدول، لكن بعضها -دول نامية من الأساس- عانت لفترة أطول معه، وتطلَّب الأمر ما هو أكثر من اختبار، تطلَّب علاجا. بناء على ما توصل إليه ثلاثي نوبل لهذا العام، تمكَّنت فِرَق كثيرة من علماء الهندسة الوراثية من استنساخ الفيروس والتعرف إلى خصائصه بدقة شديدة، الأمر الذي فتح بدوره الباب لتصنيع أدوية يمكن لها بالفعل أن تقضي على هذا المرض.

 

بوصولنا إلى اللحظة الحالية، تكون تلك الرحلة قد كُلِّلت بالنجاح، أدوية علاج الفيروس الكبدي C حاليا يمكنها أن تُحقِّق النجاح في 95% من الحالات، دول كثيرة -ونذكر منها مصر تحديدا في الوطن العربي- عانت لعقود مع هذا المرض، والآن تتخلَّص منه، لم يعد اسم "فيروس سي" مرعبا كما كان، بات الناس يتعاملون معه على أنه الماضي.

رغم أن الحكاية تبدو بسيطة، جمعناها إلى الآن في نحو ألف كلمة، فإن ذلك سببه أننا نحاول تبسيط الأمر عن طريق الحكي. الأمر أعقد حتى من البحث عن حبة رمل في صحراء واسعة. بحد تعبير "ألتر" في أحد البرامج التليفزيونية، فإن السؤال عن رحلة اكتشاف هذا الفيروس قصير لكنه يتطلّب إجابة طويلة جدا ستأخذ منّا 40 سنة لكي نحكيها، جاهد خلالها مئات الباحثين للوصول إلى حلول لتلك الكارثة الطبية، ذكرت لجنة نوبل منهم 3 فقط، لكن بالطبع كان هناك في هذا النطاق من استحق التقدير نفسه، وإن لم يحصل على الجائزة.

 

نوبل طب وفسيولوجيا 2020 إذن هي رسالة جديدة مختلفة، في العام الماضي كانت عن العلاج، لكنها هذه المرة عن مُسبِّبات المرض، وكيف أن إيجاد الأسباب يُبطِل العجب ويفتح لنا أبواب المقاومة، ولأننا نمر حاليا بأزمة جائحة كورونا، الأكثر فداحة منذ قرن مضى، التي قتلت إلى اللحظة أكثر من مئتي ألف إنسان في عام واحد فقط لم ينته بعد، فإن تركيز لجنة جوائز نوبل على الفيروسات كان مفهوما، طالما أننا لم نصل بعد إلى إنجاز مُتعلِّق بكورونا المستجد نفسه، إلا أن الأمر أعمق من ذلك قليلا.

 

حينما نُقرِّر تأمل شجرة الحياة على كوكب الأرض، فإننا لا نتمكٍن من إيجاد موضع محدد لهذه الكائنات التي نُسميها "الفيروسات"، بل يمكن أن نجد فيروسات متخصصة لإصابة كل شكل ممكن من الحياة أيًّا كان، ترى بعض النظريات أن الفيروسات لا تقع ضمن نطاق الحياة من الأساس، بل هي شيء آخر مختلف يُمثِّل فضاء (Virosphere) مُغلِّفا للحياة، أينما وجدت الحياة فستجد الفيروسات، بل ربما كانت موجودة قبل الحياة نفسها!

نحن نتحدث عن أنجح الكائنات في هذا الكوكب، قدرتها على التكاثر تتخطى كل الكائنات الحية الأخرى، فخلية واحدة مصابة بفيروس واحد يمكن أن تُنتج عدة مئات إلى عشرات الآلاف من الفيروسات. أعداد هذه الكائنات تفوق كل الكائنات الحية الخلوية بنحو عشرة أضعاف، توجد في كل مكان على هذا الكوكب، بداية من حجرتك ووصولا إلى الأقطاب الباردة والبراكين المشتعلة ووصولا إلى بحيرات الأحماض القاتلة. من جهة أخرى، فإنها تتخذ أشكالا بديعة متنوعة بدرجة لا تُصدَّق.

 

هذا هو ما يجب أن نتجهَّز له، ولكي نفعل ذلك لا حل إلا أن نستمر في التعلُّم والدراسة والفحص، لا نتوقف ولا نلين حتّى مهما أعطتنا الحياة من هُدَن، وجوائز نوبل إذ تُعطى لهذا النوع من الكشوف فإنها تحث العلماء في نطاقات الفيروسات على الاستمرار في عملهم بحماس. في النهاية، لا تتصور أننا نواجه كائنات تغزو كوكبنا، بل نواجه كائنات نعيش على كوكبها!

______________________________________________________

المصادر

  1. The Nobel Prize in Physiology or Medicine 2020

حول هذه القصة

تفصلنا فقط أسابيع قليلة عن جائزة نوبل، أكبر حدث علمي بالعالم، ينتظرها متخصصو وهواة العلوم بشغف شديد، وتكون أيام إعلان جوائز نوبل هي فرصة عظيمة لمهرجانات علمية متزامنة احتفالًا بها. من سيربح هذا العام؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة