"فيروس كورونا".. ماذا بعد أن وصل إلى الوطن العربي؟

ميدان  – "فيروس كورونا" .. ماذا بعد أن وصل إلى الوطن العربي؟
اضغط للاستماع

    

قبل أيام قليلة، أعلن(1) وزير الدولة للشؤون الخارجية في الهند عن إصابة ممرضة هندية تعمل في مستشفى الحياة في المملكة العربية السعودية بفيروس كورونا الجديد، وبحسب تصريحاته -تلك التي نفتها الإدارة السعودية- فإن الفتاة التقطت الفيروس بينما كانت تعتني بزميلة لها في الفلبين، ليُثير فيروس كورونا الجديد، جدلا واسعا خلال شهري ديسمبر ويناير حينما ظهر في منطقة ووهان في الصين وتسبب في وفاة بعض الحالات. 

   

كورونا على الأبواب

لابد وأنك تسأل الآن: هل "فيروس كورونا الجديد(2)" (2019-nCoV) خطير حقًا؟ لقد بات على أبوابنا، كما أن طُرُق انتشاره بسيطة جدًا كما تلاحظ، فقط عن طريق العطس في الهواء، أو لمس المريض، أو المصافحة، أو مجرد لمس سطح يقف الفيروس عليه ثم حك أنفك أو لمس فمك أو عينيك بالصدفة، بالتالي فإنه كان من المتوقع أن يخرج الفيروس من منطقة ووهان في الصين سريعا، خاصة وأن المنطقة على موعد مع عيد بداية السنة القمرية هناك، حيث تنشط حالات السفر من وإلى المدينة، والصين ككل.

    

     

حسنًا، لفهم الأمر دعنا نهدأ قليلا، ونعود معا إلى شهر ديسمبر(3) من العام 2002، قبل تلك النقطة من تاريخنا، كان العالم يتعامل مع هذا النوع من الفيروسات التاجية على أنها شيء حميد يتسبب للبشر في نزلات البرد، تلك التي نحتاج لعلاجها أن نبقى في المنزل، وننهل من الحساء الدافئ الذي تعده أمهاتنا أو زوجاتنا بعناية وحب، وذلك قبل أن يتحول إلى قاتل متسلسل عديم الرحمة، نتحدث هنا عن "سارس SARS"، أو ما نعرفه باسم المتلازمة التنفسية الحادّة الوخيمة.

   

ظهر سارس في شمالي الصين، وما لبث أن تخطّى حدودها – بعد ثلاثة أسابيع فقط – وصولًا إلى العالم مع تركّز الإصابة في منطقة جنوبي شرق آسيا، أصيب بهذا الفيروس حوالي ثمانية آلاف شخص، وتسبب في وفاة أكثر من ثمانمائة شخص في 32 دولة، ولازال هذا الفيروس – إلى الآن – مصدر تهديد محتمل رغم احتوائه بشكل شبه كامل في الكثير من البلدان، ثم جاء العام 2012 حينما اكتشف الطبيب المصري محمد علي زكريا وجود حالة جديدة من فيروس شبيه في مدينة جدة بالسعودية.

  

للوهلة الأولى ظهر أن الوافد الجديد يشبه فيروس سارس، مع عدة فروق، أهمها انخفاض نسبة انتشاره بين الناس مع ارتفاع نسبة الوفيات؛ خاصة في الفئات المعرضة للخطر، مثل كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة. بعد ذلك، اتضح أننا أمام حالة جديدة منفصلة من الفيروسات التاجية سُمّيت(4) بـ "متلازمة الجهاز التنفسي الشرق أوسطية" (MERS)، هذا الفيروس الخطير أيضًا – رغم ذلك – يشبه "سارس" ويشبه "فيروس كورونا الجديد 2019" في شيء واحد فقط .. مصدره.

    

حيوانات خطرة

  

لقد بدأت تلك الفيروسات من عالم الحياة البرّية، انتشرت بين الحيوانات ثم – بعد مجموعة من التحورّات العشوائية في تركيبها الجيني- انتقلت إلى البشر في بيئات تلتقي فيها الحيوانات والبشر معا بكثافة، ثم تطورت لتنتقل من الإنسان للإنسان. أنت تعرف بالفعل عددا من الأمراض الحيوانية المنشأ، الإيدز (فيروس نقص المناعة البشرية) على سبيل المثال(5)، كذلك الإيبولا، في حالة السارس على سبيل المثال نشأت الإصابات الأولى – ومجمل 40% من الإصابات – بين الأشخاص الذين تعاملوا مع الحيوانات البريّة بالذبح أو البيع، يليهم الأشخاص الذين عاشوا على مقربة من تلك المجموعة الأولى.

  

أما في حالة متلازمة الجهاز التنفسي الشرق أوسطية فقد جاء الفيروس من الجِمال، وكان أول المصابين(6) هو رجل يمتلك أربعة منها ويسكن في بيت قريب من مزرعته الصغيرة، وكذلك فإن الوضع شبيه في حالة فيروس كورونا الجديد. لقد ظهر الفيروس في سوق المأكولات البحرية الضخم في مدينة ووهان، وفي موسم الاحتفالات هناك كم هائل من التزاحم بين البشر والحيوانات بكل أنواعها، هناك يمكن أن تلتقي بكل أنواع الكائنات المعبأة في أقفاص أو زيوت.

     

      

بالطبع لا نعرف بعد الكثير عن طبيعة تلك القفزة لفيروس الكورونا الجديد من الحيوانات إلى البشر، وربما لن يحدث ذلك، وبحسب7 مقال بحثي جديد منشور في دورية "جاما" الطبية الشهيرة فإن تلك هي علامة خطورة، بدرجة ما، لكن على الرغم من ذلك فإن الإشارات الأولى مطمئنة8 بعض الشيء، فبعد ظهور الحالات الأولى القاسية ظهرت أيضًا حالات أقل حدة مما يعني أن انتشار الفيروس، والاستجابة له من قبل الجسد البشري، أقل من حالة "سارس" مثلا والذي قتل 11% من المصابين، بينما قتل الفيروس الجديد 4% فقط من الحالات إلى الآن. (17 حالة وفاة بحد أقصى في حوالي 550 إصابة بوصولنا ليوم 23 يناير).

   

حالة طوارئ حقًا؟

أضف لذلك نقطة أخرى مطمئنة(9)، وهي أن معظم حالات الوفاة بسبب الفيروس الجديد كانت في كبار السن، من هم فوق 50 سنة، وكذلك هؤلاء المصابين بأمراض مزمنة أخرى، مقارنة بحالة "سارس" كان متوسط عمر المصابين هو 40 سنة، لكن في كل الأحوال فإن ما يخشى العلماء منه هو أي تطور سريع في تركيب الفيروس بحيث يمكن أن يصبح أكثر انتشارًا وفاعلية في أجسام البشر، لكن إلى الآن لا نرى ذلك.

  

لهذه الأسباب، فإن منظمة الصحة العالمية(10) لم تعلن – حتّى اللحظة – عن حالة الطوارئ في مواجهة الفيروس، وكان المدير العام للمنظمة قد عقد اجتماع لجنة الطوارئ بموجب اللوائح الصحية الدولية قبل يومين، لكن اللجنة أشارت إلى أن الأمر لا يستدعي الإعلان عن إجراءات مقيّدة، لكنه لا شك يستدعي المراقبة عن كثب وضرورة تداول المعلومات بين الدول بدرجة كبيرة من الحيادية والدقة، وكانت هناك مخاوف من تعتيم الأمر وإطلاق بيانات لا تعبر عن الواقع الحقيقي بهدف تخفيف الحدث على المواطنين.

   

  

من جهة أخرى، فإن السلطات الصينية(11) قد بدأت بالفعل في إجراءاتها الاحترازية، حيث منعت  المواطنين من الدخول أو الخروج من ووهان، ثم بدأت إجراءات وضع المدينة في الحجر الصحي ابتداءً من 23 يناير، وعلّقت وسائل النقل العام داخل المدينة، وألغت الرحلات الجوية والقطارات التي تغادر المدينة، وبحلول مساء يوم 24 يناير توسعت إجراءات الحجر الصحي لتشمل 12 مدينة بالقرب من مدينة ووهان، تسبب في إيقاف حياة أكثر من 35 مليون شخص. بجانب ذلك فقد نشرت الجهات الطبية في الصين الجينوم الكامل للفيروس على مستوى عالمي ليشارك كل علماء العالم في دراسته وربما إيجاد سبيل للعلاج أو الوقاية.

  

أما المركز الأميركي لمكافحة الأمراض واتقائها(12) CDC فكان قبل عدة أيام، قد أعلن تحذيرا من الدرجة الثالثة، والذي يعني توصية بتأجيل السفر الغير ضروري إلى المناطق المصابة، وفي بيان المركز جاء أن الحالة -كما يبدو- أخف بفارق واضح من السارس أو  متلازمة الجهاز التنفسي الشرق أوسطية، فالكثيرين من المرضى أصيبوا بأعراض متوسطة وخرجوا من المستشفيات، لكن على الرغم من ذلك فإن الصورة غير واضحة، ومدى القرب بين الفيروس الجديد ورفاقه الأكثر قسوة كبير، خاصة وأن المصدر واحد  على ما يبدو (الخفافيش، القطط، الجمال).

   

أفلام السينما

في كل الأحوال، فإن أفضل الحلول – على مستوى عالمي – للوقاية من قفزات فيروسية شبيهة هو العمل على تنظيم أسواق بيع الحيوانات (للأكل أو التربية) بشكل عام، وخاصةً في الصين، حيث لا توجد أية قيود تمنع تلك الحالة من التكدس الفظيع للبشر مع الحيوانات، بكل أنواعها تقريبًا، في مكان واحد، ويرى بعض العلماء أن العمل على ضبط هذا الأمر – في الصين فقط وهي مصدر مجموعة من الفيروسات الخطيرة – سيجنب العالم الكثير من الكوارث.

    

  

أما بالنسبة لك، فإن كل ما يمكن أن تفعله -كمواطن عربي في منزلك أو عملك- هو الإجراءات الاحترازية(13) الشخصية المعتادة، كأن تغسل يديك بالماء والصابون بشكل متكرر خاصة بعد التواجد في أماكن مزدحمة، كذلك تجنب لمس الأنف والفم والعينين بشكل متكرر، وتجنب الاتصال المباشر مع المُصابين بالعدوى أو مشاركتهم أدواتهم. وتجنّب كذلك التواجد في أماكن الإصابة المعروفة (لا تسافر إليها إلا عند الضرورة)، وتجنب التواجد في محيط حيوانات (الأسواق).

  

لكن المشكلة دائمًا -خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي- هي حالة المبالغة والتي تتصاعد مباشرة وبصورة كارثية بعد كل "ترند"، فيصبح الأمر مشابها لما يدور في الأفلام مثل "عدوى Contagion" أو "حجر صحي Quarantine"، الأمر خطير بالفعل والسلطات المعنية تهتم بأشياء كتلك لأن ضربة واحدة منها تكلف الدول مليارات الدولارات مع سقطات اقتصادية مؤلمة، كما حدث في السارس، لكنه ليس بأي حال من الأحوال خيالا علميا، ومعدلات انتشار تلك الفيروسات، حتّى أكثرها قسوة، لم تقترب حتى الآن -ولو بشكل طفيف- من تلك الأفلام أو الادعاءات الفيسبوكية على حد سواء.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

من السهل أن نرى كيف يُمكن أن تكون أعراض اضطراب الوسواس القهري مُزعجةً ومُحرجةً، ولكن، كيف يؤثر هذا المرض على حياة الفرد وعلى قدرته على التعلم وطريقة عمل دماغه؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة