اختراع الأرق.. كيف كنا ننام قبل مجيء الثورة الصناعية؟

تقديم

إن كان يُمكن لاضطراب أن يعرّف العصر الحديث على أفضل وجه، فسيكون أرق منتصف الليل، أو تلك اللحظة التي تستفيق فيها من نومك فجأة في الليل. يُعامل هذا الاستيقاظ كخللٍ توصف له العقاقير، والمنوّمات، والعلاجات السلوكيّة. لكن ماذا لو كان في الأصلِ، مرحلة طبيعية لشكلٍ قديم من أشكال النوم المنسيّة، التي لا زالت تقاوم قمع مصاحبات الثورة الصناعية، من ضوء وضجيج مفرطين؟

  

نصّ المادّة

إنها الرابعة وثمانية عشر دقيقة عند الفجر؛ ولا أزال مستفيقة. هذا النوع من الاستيقاظ يُعامل كاضطراب؛ خللٌ فنيّ في الإيقاع الطبيعي للأجسام؛ علامةٌ على اكتئاب أو قلق مزمن. الأفكار تعبرني كقاطرة عندما أكون مستفيقة في الرابعة فجرًا. ومع أنني شخص سعيد، لكنّ المكوث في العتمة يقتادني إلى الكآبة. لذا أصبحت أفضّل النهوض على البقاء في السرير متأرجحة على حواف الجنون الليلي.

  

إن مارست الكتابة في هذه الساعات القليلة، تصير الأفكار السوداوية واضحةً ملوّنة؛ تُصيّر نفسها كلماتٍ وجمل؛ تعلَقُ الواحدة بما قبلها، كَطابور ٍمن الفيلة يمسك خرطوم الواحد منها بذيل الآخر. دماغي يعمل بشكل مختلف في هذا الوقت من الليل، يمكنني فقط أن أكتب، لا أن أحذف. أن أزيد، لا أن أُنقِص. ودماغ النهار للتنقيح. فأعملُ لبضع ساعات ثمّ أغطّ في النوم. 

  

البشر، الحيوانات، الحشرات والطيور كل هؤلاء يمتلكون ساعات بداخلهم، وهي أجهزة بيولوجية تحكمها الجينات، والبروتينات وسلاسلُ الجزيئات الكيميائية. هذه الساعات الجوانية موصولة بدورة ثابتة متعاقبة من النور والظلمة التي يسببها دوران الأرض. يُناطُ بها توجيه أنظمتنا النفسية، والعصبية والسلوكية لمدة 24 ساعة تقريبا، وهو ما نعرفه باسم التواتُر اليومي، الذي يؤثر في أمزجتنا، رغباتنا، شهيّتنا، أنماط نومنا، وإحساسنا بمرور الزمن.

    

بين النوم والاستعجال

  

كان الرومان والإغريق والإنكا يستيقظون دون الحاجة إلى منبّه الأيفون أو ساعات الراديو الرقمية. الطبيعة كانت موقّتهم: شروق الشمس، أصوات الطيور عند الفجر، احتياجات المواشي والدواجن. وظل الوقت يُسجّل بواسطة المزولة أو الساعات الرملية حتى القرن الرابع عشر الميلادي عندما نُصِّبت أولى الساعات الميكانيكية فوق الكنائس والأديرة. بحلول القرن الثامن عشر، غلب ارتداء قطع الساعات الميكانيكية كقلائد على الأعناق، أو على المعاصم، أو الألباب*؛ وبات من الممكن تحديد المواعيد بين الناس، ومواقيت الأكل والنوم.

 

وهكذا، فقد جلبت المجتمعات التي واكبت عصر التصنيع والوقت الساعاتيّ معها مفاهيم "الاستعجال" و"اللحاق بالوقت" أو "تضييع الوقت". وأصبح الوقت الساعاتي يتعارض بشكل متزايد مع الوقت الذي يُستدلُّ عليه بالطبيعة، لكن أوقات العمل والبنى الاجتماعية ظلت محكومة بمواعيد الليل والنهار. ثم تغير هذا كله في خواتيم القرن التاسع عشر.

  

لقد غيّرت الإنارة الحديثة الكهربائية طبيعة الليل، وبالتبعية، فقد غيرت طبيعة النوم نفسه. قبل اختراع أديسون، يقول إي. روجر إكرتش، المؤرّخ من معهد فيرجينيا التقني، ومؤلف كتاب "بعد اكتمال النهار: الليل كما كان في الماضي"، إنّ النوم كان يتم على مرحلتين، تفصل بينهما فترة استيقاظ تمتد ما بين ساعة إلى بضع ساعات.  وكان هذا النمط يسمّى بـ "النوم المتقطّع". إن أنماط النوم القديمة مدهشةٌ إذا ما قورنت بأنماط النوم في الوقت الحالي؛ فبينما يعتقد البشر بأنّ التواتر اليومي ينبغي أن يوقظهم عند شروق الشمس فقط، تنام العديد الحيوانات والحشرات على دفعات متفرقة من الساعات في كل مرة أو على فترتين متمايزتين، عوض النوم دفعة واحدة. ويعتقد إكيرتش بأن البشر أيضا، سينامون بهذه الطريقة إذا ما تم تركهم لطبيعتهم.

 

تستند جدالاتُ إِكيرتش إلى 16 عامًا من البحث، درس خلالها مئات المستندات التاريخية من الأزمنة القديمة والحديثة، بما فيها دفاتر اليوميات، وسجلات المحاكم، ومؤلفات في الطب والأدب. وتمكّن من تحديد إشارات مرجعية لا تحصى للنّومين "الأول" و"الثاني". هذه التلميحات الاعتيادية إلى النوم المتقطّع أدت بإكيرتش إلى الاستنتاج بأن هذا النمط كان شائعا فيما مضى، أي بأنه كان دورة يومية متعارفًا عليها من النوم والاستيقاظ.

  

عصر الكهرباء
قديما كان السهر بالنسبة للمدللين من الأثرياء، حتى وقت متأخر من الليل فرصة لمزاولة أنشطة من قبيل القراءة، الصلاة والكتابة.
    

قبل مجيء الإنارة الكهربائية، كان الليل يرتبط بالخوف والجريمة – مما حذا بالناس إلى البقاء في البيوت والذّهاب إلى أسرّتهم باكرًا. اختلفت مواعيد "النوم الأول" بحسب الفصول والطبقة الاجتماعية، لما لها من علاقة بمواعيد العمل ومقدار الرفاهية الذي يتيحه الوضع الاجتماعي، لكنه كان في الإجمال يبدأ بعد الغسق بساعات ويمتدُّ لثلاث أو أربع ساعات حتى يستفيق الناس طبيعيّا عند منتصف الليل. قبل مجيء الإنارة الكهربائية، كانت توجد في بيوت الأثرياء أشكال أخرى من الإنارة الاصطناعية، مثل مصابيح الغاز، وبالتبعية فقد كان وقت النوم الأول في هذه البيوت يبدأ في وقت أبعد من الغسق. المثير أن إكيرتش وجد إشارات مرجعيةً أقل إلى النوم المتقطّع في الأوراق والمستندات التي حصل عليها من هذه البيوت.

  

بالنسبة إلى هؤلاءالمُترَفين من الأثرياء، كانت الاستفاقة الليلية فرصة لمزاولة أنشطة من قبيل القراءة، الصلاة والكتابة، أو تفسير الأحلام، أو مخاطبة أحباء نائمين أو ممارسة الحب. وكما يشير إكيرتش، فقد كان منسوب الطاقة المنخفض لدى الناس الأقل شأنا، بعد يوم شاق من الكدح، يحول دون ممارسة هذا النوع من الأنشطة الغرامية التي تتم بعد الاستفاقة من "النوم الأول"، وهو ما قد يتقاطع مع أوضاع العديدين منا في الحياة المعاصرة. لكنهم بعد الاستيقاظ من هذا النوم، غلب عليهم الإحساس بالحيوية وبأنهم مستعدّون لمزاولة نشاط ما. بعد القيام بعدّة أنشطة ليلية، كان النعاس ينتاب هؤلاء الناس من جديد، فيذهبون إلى أسرّتهم لاستهلال دورة "النوم الثاني"، التي كانت تمتد أيضا إلى ثلاث أو أربع ساعات، قبل بدء يوم جديد. بإمكاننا أن نتخيل، على سبيل المثال، ذهاب هؤلاء الناس إلى السرير عند التاسعة مساء في ليلة شتوية، والاستفاقة في منتصف الليل، والقراءة والدردشة حتى قرابة الساعة الثانية صباحًا، ومن ثمّ الاستغراق في النوم حتى السادسة صباحًا.

   

وجد إكيرتش بأن الإشارات المرجعيّة إلى هذين النومين قد انحسرت مع بداية القرن العشرين. عندما زادت الكهرباء مدة التعرض للإنارة، وتأجلت أنشطة النهار حتى الليل، كما أن إنارة الشارع العمومي جعلت التسكّع ليلا أكثر أمانًا وبات من البديهي الخروج في هذا الوقت والتخالط مع الناس. تأجلت مواعيد النوم لفترات أبعد وبات الاستيقاظ بعد النوم الأول، يتعارض مع الليل الملوء بأنشطة النهار. ويعتقد إكيرتش بأن هذا لم يكلّفنا الاستيقاظ الليلي فقط، بل مزاياه الخاصة أيضا. الاستيقاظ في الليل، كما يقول إكيرتش، كان مختلفًا في طبيعته عن الاستيقاظ في النهار، كما تشير الوثائق على الأقل. حيث كان الرئيس الثالث للولايات المتحدة توماس جيفرسون، على سبيل المثال، يقرأ كتب الفلسفة الأخلاقية قبل الذهاب إلى السرير بحيث يتدبر فيها بين النومين.

    

إنارة الشارع العمومي جعلت التسكّع ليلا أكثر أمانًا (مواقع التواصل الاجتماعي)

  

والأمر ينطبق على استيقاظي الليلي الخاص، وهو ما يؤكد الاختلاف بين الاستفاقة الليلية والنهارية، حيث يكون دماغي في تلك الساعات في حالة أشبه بالحلم. عندما نحلم، تنسج عقولنا صورًا من خيوط الذكريات، والآمال والمخاوف. وفي فترة الفجر المعترض** تستدعي أدمغتنا أفكارًا من أطلال تلك الأحلام وتطوّعها لخدمة أغراضنا الإبداعية. في مقالة بحثية بعنوان "النوم المفقود"، كتب إكيرتش بأن العديد من الأشخاص كانوا يمرّون بلحظات انغماس في الأحلام قبل الاستيقاظ من النوم الأوّل وهو ما كان يتيح لهؤلاء الناس تخيّلات بصرية جديدة يمتصّها الدماغ قبل الرجوع إلى اللاوعي في فترة النوم الثاني. وما لم يشتتهم الضجيج، أو المرض أو انزعاج من نوع آخر، كانت أمزجتهم مسترخية وتركيزهم متقدًّا.

  

ولئن كانت أفكار إكيرتش عن النوم المتقطّع مستمّدة من مستندات وأرشيفات قديمة، فإن الأبحاث الحديثة تضفي عليها مزيدًا من المصداقية. حيث وجد الطبيب النفسي توماس وير من المعهد الوطني الأميركي للصحة النفسية بأن النوم المتقطّع يعاود الظهور تلقائيا عند اختفاء الإنارة الاصطناعية.  خلال تجربة امتدت لشهر كامل في التسعينات، تعرض المشاركون إلى الضوء لعشر ساعات يوميا، بعكس الضوء الاصطناعي الذي يمتد حتى 16 ساعة هي الآن العرف السائد.

  

بحسب وير، خلال هذه الدورة من التعرض للضوء الطبيعي، "امتدت المدة الزمنية الإجمالية للنوم وانشطرت إلى جولتين متطابقتين في المدة، بفترة تمتد من ساعة إلى ثلاث ساعات تفصل بينهما". لا تزال أعمال وير وإكيرتش مرجعا للأبحاث العلمية حول النوم. أفكار إكيرتش كانت موضوع جلسة مخصصة في نسخة عام 2013 من "Sleep"، الاجتماعُ السنوي للرابطة الأميركية المهنية لمختبرات النوم. إحدى أبرز النتائج التي خرجت بها تلك الجلسة كانت أن أكثر أنواع الأرق شيوعا، "أرق الاستيقاظ في منتصف الليل"، ليس اضطرابا كما يعتقد الجميع، بل إصغاء أجسادنا إلى نوع طبيعي منسي من النوم. هذا التغيّر المفهوميّ ساهم في تخفيف قلقي الشخصي من استفاقة منتصف الليل.

  

إيقاعات النوم

  

إنها السابعة وأربع دقائق صباحًا. أمضيت نحو ثلاث ساعات في الكتابة وها أنذا أعود إلى السرير لبدء نومي الثاني. سأبدأ عملي في وقت لاحق من اليوم. فالنوم المتقطع ممكن في حالتي بفضل الطريقة التي نظمت بها حياتي، فلا أبناء لدي، كما أنني أعمل بشكل حرّ "فريلانس". لكنني سبق وأن كنت مضطرة لتكييف عادات نومي مع ساعات العمل في الوظيفة، والتي كانت تمتد من التاسعة صباحا إلى الخامسة مساءً، وكان الإثنان متعارضين إلا قليلا، فأنت تسمع من الأصوات ما يفوق رعب رنين المنبّه، عندما تقضي عدّة ساعات مستيقظًا في الليل ولا يكون لديك سوى القليل من الوقت للنوم قبل بدء الدوام. إنه صدام بين أنماط النوم "الطبيعي"، أي نوم المرحلتين، والهياكل الاجتماعية المتصلّبة، التي تشكّلت مع ابتكار وقت الساعة، التصنيع، دوام المدارس، ودوام الوظيفة، وكل هذه الهياكل تجعل النوم المتقطّع يُعامل كاضطراب عوض النظر إليه كمصدر نعمة حقيقية.

  

عادة ما يجد الأفراد المبدعون طرقا للعيش بعيدًا عن نظام وظائف التاسعة إلى الخامسة، إما لأنهم حققوا نجاحا باهرًا بفضل كتبهم، أو أعمالهم الفنية أو الموسيقية بحيث يغنيهم هذا عن دوام الوظيفة النهاري، أو لأنهم يبحثون عن طرق توظيف تتيح لهم مرونة أكبر في جداولهم الزمنية، كالعمل الحر. في كتابه "طقوس يومية: كيف يعمل الفنانون"، يتناول ماسون كوري الأنظمة الروتينية لدى كتاب وفنانين مشهورين، العديد منهم من المبكّرين في الاستيقاظ، بينما يعتنق عدد آخر منهم النوم المتقطّع. ووجد كوري أن العديد من هؤلاء اعتنقوا النوم المتقطّع بالصدفة، أي دون سبق إصرار. كان المهندس المعماري، فرانك لويد رايت، على سبيل المثال، يستيقظ عند الرابعة فجرا تقريبا، عاجزا عن العودة للنوم، منكبًّا على العمل لثلاث أو أربع ساعات، ليعاود أخذ قيلولة فور أن يغالبه النعاس.

  

بينما كان الروائي كنوت همسون يستيقظ في العادة بعد النوم لساعتين مثلا، وهو ما دفعه لإبقاء ورقة وقلم رصاص فوق المنضدة إلى جانب السرير، ليعاود، كما يقول "البدء في الكتابة على الفور في الظلمة، إن كنت أشعر بشيء يتدفق من خلالي". في حين كان عالم النفس بي. إف. سكينر يُبقي لوحا مشبكيا، وورقةً وقلم رصاص إلى جانب السرير للعمل خلال ساعات الصّحو الليليّ، أمّا المؤلّفة مارلين روبنسون فقد كانت تستفيق بشكل اعتيادي للقراءة والكتابة خلال فترة من الليل أسمتها "الأرق المنّان".

     

سلطنة المزاج التي تغشى أدمغتنا الليليّة بفضل البرولاكتين، تسمح للأفكار بالظهور والارتباط ببعضها كما يحدث في أثناء الحلم
   

بعضنا أشخاص صباحيون، وبعضنا الآخر ليليون، أو طيور مبكّرة، وبوم ليلي. يقول كوري بأن الأشخاص المبدعين الذين يعملون في العادة ليلا "يعتمدون على حالة من صفاء الذهن لأعمالهم الفنية"، تحكمهم في ذلك إيقاعات طبيعية خاصة، أكثر من كونها قرارات تم اتخاذها بشأن مواعيد النوم والاستيقاظ. كان الروائي نيكلسون بيكر  الشخص الوحيد الذي مرّ على كوري وكان يمارس النوم المتقطّع عن سبق إصرار. يعي بيكر جيدًا عادات وروتِينات الكتابة التي وضعها لنفسه، كما أنه يحب تجربة طقوس جديدة للكتابة لكل كتاب جديد، حسبما يقول كوري، لذا فمن الطبيعي أن يتمكّن من نحت ساعات إضافية في الزمن لكي ينجز أعماله الأدبية، بحيث يخلق صباحين ليوم واحد.

   

في مقابلته مع مجلة "باريس ريفيو" يقول بيكر "لقد وجدت أنّ إيقاد هذه الشعلة الصغيرة المبكّرة ورعايتها ساعداني على التركيز؛ ثمة أمر بسيط تأملي وباعث على السرور بشأن إيقاد شعلة من نار تتأجج أكثر فأكثر عند الرابعة صباحًا. فقد بدأت بكتابة فقراتٍ متفرقة، وسرعان ما اتقّدت شعلة الكتابة". إنني أقصد هذا الدفقِ الحلميّ الذي يبدو ميزةً أثيرة للعمل الإبداعي المتفجّر عند منتصف الليل. بين النومين، هناك السكون، بل قلّة التشتيت وربّما صلة أكبر بعوالم الأحلام. لكنّ الليل يولّد أيضا تغييرات هرمونية في أدمغتنا ترتبط بالإبداع. حيث لاحظ وير، بأن الغدة النخامية تفرز في أثناء الاستيقاظ الليلي، مستويات مرتفعة من البرولاكتين. ويرتبط هذا الهرمون بأحاسيس السلام الداخلي إلى جانب هلوسات شبيهة بالأحلام نختبرها عادةً ونحن على أعتاب النوم أو عندما نكون على وشك الاستيقاظ. يتم إفراز هذه الهرمونات أيضا عند الإشباع الجنسي، أو عندما تقوم الأمّهات بإرضاع مواليدهنّ طبيعيا، إلى جانب أنه يدفع الدجاجات إلى الجلوس لفترات أطول فوق البيض.

    

ربّما عكّرت التكنولوجيا الحديثة صفو القنوات التي تربطنا بالأحلام وشجّعت ظهور روتينات تتعارض مع أنماط النوم الطبيعي، لكن بإمكانها أيضا أن تعيدنا إليها
   

من المعروف أن مستويات البرولاكتين تتزايد في أثناء النوم، لكنّ وير وجد بأنّ الدماغ يستمرّ في إفرازها، إلى جانب الميلاتونين والكورتيزول، خلال فترات "الصّحو الهادئ" بين النومين، التي تولّدها هذه التعاقبات الطبيعية من التعرض للنور والعتمة، لا النوم نفسه. سلطنة المزاج التي تغشى أدمغتنا الليليّة بفضل البرولاكتين، تسمح للأفكار بالظهور والارتباط ببعضها كما يحدث في أثناء الحلم. يشير وير إلى أن الروتينات الحديثة لم تتوقف عند تغيير أنماط النوم لدينا، لكنّها أخذت منا هذا الرابط القديم بين عوالم الأحلام وعوالم اليقظة، ولعلّها "تتيح تفسيرا نفسانيا لحقيقة أن بشر العصر الحديث قد أضلّوا الطريق إلى ينابيع الأساطير والخيالات". وهو ما يذهب إليه إيكرتش قائلا "إن تحوّل الليل إلى نهار، عبر التكنولوجيا الحديثة سد الطريق القديم المؤدي إلى الروح الإنسانية"، الأمر الذي جعلنا، بكلمات مؤلف المسرحيات الإنجليزي من القرن السابع عشر، توماس ميدلتون، "محرومين من نومنا الأول، مطرودين من عوالم الخيال والأحلام".

  

لربّما عكّرت التكنولوجيا الحديثة صفو القنوات التي تربطنا بالأحلام وشجّعت ظهور روتينات تتعارض مع أنماط النوم الطبيعي، لكن بإمكانها أيضا أن تعيدنا إليها. لقد أغرقتنا الثورة الصناعية بالأضواء، لكنّ الثورة الرقمية قد تكون أكثر رأفةً بمن يعتنقون النوم المتقطّع. حيث باتت التكنولوجيا تؤدي إلى ابتكار طرق جديدة في تنظيم الوقت. وبات العمل من البيت، والعمل الحر، والعمل بساعات الدوام المرنة، أنماطًا شائعة، كما هي مفاهيم "البداوة الرقمية" والعمل عن بعد عبر الإنترنت، وهي أنماط ومفاهيم في العمل تتبنى روتينات أقل صرامة، وباتت تمكّن المستيقظين عند منتصف الليل من تحقيق توازن أكثر تناغما بين النوم المتقطّع والتزامات العمل. إن كان بوسعنا إيجاد وقت للاستيقاظ في الليل والتفكّر بأدمغةٍ مخضخضة بالبرولاكتين، لربما يكون بوسعنا أيضا أن نعيد الوصل بالإبداع والخيال الذي تمتع به أسلافنا، عندما، كما يقول إكيرتش "كانوا يخرجون من نومهم الأوّل للنظر في مشكالٍ من الصور المجزأة، مبهمة المعاني ربّما، لكنّها في الوقت نفسه، لوحات واضحة مرسومةٌ بفرشة الأحلام".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

* الألباب: موضع القلادة من الصدر

** الفجر المعترض: أحلك ساعات الليل قبيل الفجر الساطع

——————————————————————-

ترجمة: فرح عصام.

هذا التقرير مترجم عن Aeon ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة