شعار قسم ميدان

كم من المال يمكن أن تدفع لتشتري السعادة؟

اضغط للاستماع 

    

لطالما كانت العلاقة بين النقود والسعادة محل جدل واسع، بداية من الحديث اليومي العادي بين صديقين على تطبيق واتساب ووصولا إلى الفلاسفة وعلماء النفس، يميل البعض -كما يقول الفيلسوف الرواقي إبيكتيتوس قديما- إلى اعتبار أن المشكلة تتعلّق بأن الثروة "ليست في الحصول على ممتلكات كثيرة، لكن في أن تكون لديك متطلبات قليلة"، من جهة أخرى يتحدث البعض بلسان السياسي الأميركي جو بايدن حينما يقول: "لا تقل لي ما قيمتك، أرِني ميزانيتك وسأُقدِّر قيمتك".

  

بالطبع يمكن -بشكل عام- أن نلاحظ(1) أن مستويات السعادة لدى الشعوب باتت تُقاس بارتفاع متوسط الدخل على مستوى العالم، أضف إلى ذلك أن هناك رابطا واضحا بين انخفاض الدخل المفاجئ، خاصة في حالات الانتكاسات الاقتصادية، ومقدار التعاسة والمرض الجسدي والعقلي لدى الناس، في الواقع فإن نسب أمراض مثل ارتفاع ضغط الدم أو القلق ترتفع بشكل واضح في المناطق منخفضة الدخل.

  

لكن على الرغم من ذلك، يمكن لك أن تلاحظ نقطتين(2) مهمتين في هذا النوع من الاستقصاءات التي تفحص العلاقة المباشرة بين رفاه الشعوب ودخولها، الأولى هو أن هناك دائما حدًّا أعلى تستقر درجات الرضا العام بعده مهما ارتفعت المدخرات، والثاني هو أن هناك حدودا عُليا مختلفة لكل نطاق جغرافي. يدفعنا ذلك إلى تساؤل آخر مهم: أليست احتياجات البشر واحدة، لِمَ إذن لا يوجد مبلغ واحد فقط يمكن أن يُحقِّق الرضا والسعادة لكل الناس؟

   undefined

   

بيتنا أصغر من بيتكم

هناك أسباب كثيرة متوقَّعة لتلك الحالة تقف إلى جانب القوة الشرائية للعُملة الخاصة بكل دولة، أحدها هو المقارنة مع الآخرين، في الدول الغنية تزداد فخامة الأشياء وفائدتها، يحصل الأغنياء على أفخم الصور منها، لتكون تلك هي المعايير المثالية -الأفلاطونية- التي يتطلّع لها الناس، وبما أن أغنياء العوالم الفقيرة أقل غنى من أغنياء العوالم الغنية فإن أملاكهم ستكون أقل فخامة، وبالتالي فإن متطلبات الناس القصوى ستكون أقل، أضف إلى ذلك أنه قد تكون هناك خدمات لا يعرفها سكان الدول الفقيرة أصلا، فلا توجد من الأساس في نطاق رؤية غرائزهم ومتطلباتهم.

  

أشارت دراسة(3) نُشرت خلال 2019 لباحثين من جامعة أيوا إلى أن درجة رضا الناس في حيٍّ ما لا تتعلّق فقط بمزايا منازلهم، بل يكون موقفهم تجاه تلك المنازل نسبيا بحسب منازل الجيران، فإذا كانت منازل الجيران أكبر وأوسع كانت درجة رضا الناس عن منازلهم أقل حتى لو احتوت كل المزايا المطلوبة، بل إن درجة رضا الناس بعدد غرف المنزل يمكن أن يتحدَّد بمتوسط عدد الغرف في الحي كله، ليس فقط لأن عدد أفراد العائلة أكبر أو أقل، بل لأنهم يقارنون بيتهم ببيوت الجيران في الحي، الحدود العليا في المتاح أمامنا تضع أحلاما أعلى في عقولنا.

  

يتعلّق ذلك بما نعرفه في أدبيات علم النفس باسم(4) "مشاية اللذة"، وتعني أننا نتكيّف دائما مع الأوضاع القائمة، فنعود إلى مستوى سعادة ثابت مع الوقت، بمعنى أنه لو كانت قيمة السعادة المتوسطة -على مقياس ما- هي 5 من 10 ثم حصلت على جائزة مالية ضخمة فاشتريت بيتا في حي فخم وسيارة رائعة فإن سعادتك سترتفع للرقم 8 ربما، لكن خلال سنة أو عدة سنوات ستنزل من جديد إلى الرقم 5 مرة أخرى.

      

بعد شهور قليلة من حصولك على سيارة جديدة ستبدأ في اعتيادها، لكن التمرّن على تذكير نفسك من حين لآخر بمزاياها وبأحوالك قبلها يُعيد شعورك بالسعادة
بعد شهور قليلة من حصولك على سيارة جديدة ستبدأ في اعتيادها، لكن التمرّن على تذكير نفسك من حين لآخر بمزاياها وبأحوالك قبلها يُعيد شعورك بالسعادة
     

السبب في ذلك، بحسب كينون شيلدون وسونجا ليبورميرسكي(5) من جامعتَيْ ميزوري وكاليفورنيا الأميركيتين، هو أننا نعتاد الأشياء الجديدة مع الوقت -تلك الملابس والهواتف والسيارات التي قمنا بشرائها- فلا نشعر بوجودها. كذلك فإن مشترياتنا الجديدة تفتح الباب لتجارب أغلى وأكثر فخامة، سيارة "هيونداي" تقرّبك من "تويوتا" أفخم، وسيارة "تويوتا" تقرّبك من "دودج"، هاتفك الذكي بسعر 6 آلاف جنيه يقرّبك من آخر بعشرة آلاف، والذي يقرّبك بدوره من "آي فون"، وهكذا تظل رغباتنا مستمرة بالنمط نفسه.

  

في تلك النقطة يرى شيلدون وليبورميرسكي أن أفضل حل لتجاوز تلك المشكلة هو أن نتعلّم الالتفات لما لدينا ونُقدِّره، بعد شهور قليلة من حصولك على سيارة جديدة ستبدأ في اعتيادها، لكن التمرّن على تذكير نفسك من حين لآخر بمزاياها وبأحوالك قبلها وما قدّمته لك من فوائد يُعيد شعورك بالسعادة إلى مستوى أعلى، وفي التجارب كان هؤلاء الذين تم تذكيرهم -من حين لآخر- بما حصلوا عليه أكثر سعادة، إنه ببساطة مفهوم جميل نعرفه جميعا باسم "الرضا"، تحدّثت فيه كل الديانات والفلسفات تقريبا.

  

شراء التجارب

من جهة أخرى يميل بعض الباحثين إلى أنه يمكن لنا أن نجد طرقا أفضل لإنفاق نقودنا تُحقِّق درجة أفضل من السعادة التي لا تخفت مع الزمن، أو على الأقل تخفت بشكل متباطئ. على سبيل المثال، يقترح(6) توماس جيلوفيتش من جامعة كورنيل أن نبدأ باستخدام النقود لإضفاء طابع التنوع على نمط حياتنا، فبدلا من استخدامها لشراء أشياء جديدة كالهواتف أو السيارات يمكن أن نستخدمها للخوض في تجارب جديدة تُعطينا خبرات ثرية، كأن نتعلّم أشياء جديدة أو أن نسافر لأماكن مختلفة، بمعنى أوضح: أنفق المال على أشياء تمارسها وليس على أشياء تمتلكها.

   undefined

  

إن شراء التجارب الحياتية بالمال هو أمر لا يشعر الكثيرون بقيمته، فهم يريدون أشياء يمسكونها بيديهم ليتحقّق لهم الرضا اللحظي، لا يتمكّنون بسهولة من تقدير قيمة "ذكرياتهم" عما دفعوا المال في سبيله، إلا أن الذكريات هي السبب الرئيسي في سعادة مستمرة وليست لحظية، والذكريات الجيدة لا تنتج إلا من الخبرة، وكان فريق من جامعة كاليفورنيا قد أشار، في دراسة(7) صدرت بالعام 2014، إلى أن هؤلاء الذين قدروا تلك الفكرة واشتروا خبرات جديدة بأموالهم -في استقصاء ضخم- كانوا أكثر سعادة بفارق واضح، لكن ذلك لا يحدث في كل الحالات.

   

فبحسب راين هويل ورفاقه من جامعة سان فرانسيسكو، في دراسة(8) أُجريت على نحو 250 شخصا، فإن شراء التجارب بالمال قد يكون سببا في الإحباط، لكن ذلك يحدث فقط حينما يُقرّر شخص ما خوض تجربة جديدة كتعلُّم شيء ما أو السفر بغرض إبهار الآخرين، وذلك ببساطة لأن قدر الإنفاق المبذول في سبيل تلك التجربة من جهد ومال لا يقابل ردود فعل الآخرين تجاهها، كذلك فإن التجارب الجديدة -بحسب هويل- تتسبّب في السعادة لأنها تُشعرنا بالكفاءة والقدرة على التحكم في ذواتنا كما أنها تفتح لنا الباب للتواصل مع أناس آخرين.

  

كذلك فإن شراء التجارب الجديدة -بحسب الفريق نفسه- يُفضَّل أن يتعلّق في النهاية بما نريده حقا. على سبيل المثال، قد تكون من محبي كرة القدم، هنا يكون الإنفاق من أجل مشاهدة مباراة ليفربول القادم فرصة جيدة لتجربة مثيرة للانتباه، لكن إن قمت بشراء تذاكر لأحد المتاحف، وزيارات المتاحف هي شيء جيد بشكل عام لكنك لست من النوع الذي يشعر بالإثارة تجاهه، فقد يتسبّب ذلك في درجات سعادة أقل.

      

يركِّز الفقراء بشكل أكبر على السعادة اللحظية بدون النظر للمستقبل، والذي هو كما يبدو
يركِّز الفقراء بشكل أكبر على السعادة اللحظية بدون النظر للمستقبل، والذي هو كما يبدو "غير مضمون" بطبيعة الأحوال
    

في كل الأحوال، فإن البحث العلمي حول مزايا شراء التجارب الجديدة مقابل شراء الأشياء يميل إلى تأكيد تلك الفكرة، لكنه للأسف لا يُعمّمها، فبجانب ملاحظات هويل السابقة تُشير مجموعة من الدراسات الصادرة من اتحاد العلوم النفسية الأميركي(9) إلى أن الأمر يتعلّق بالطبقات الاجتماعية، تلك النظرية تتحقّق بوضوح في الطبقات المتوسطة للعليا، لكن بالنسبة للطبقات الفقيرة فإن شراء الأشياء يساوي شراء التجارب في القدر نفسه من السعادة.

  

ربما يكون السبب في ذلك هو أن طبقات الفقراء مقيدة بشكل أكبر بما يسميه أبهجيت بانرجي وإستر دوفلو بمصيدة الفقر، والتي تُعيد تشكُّل آليات إدراك الفقراء للحياة فيركِّزون بشكل أكبر على السعادة اللحظية بدون النظر للمستقبل، والذي هو كما يبدو "غير مضمون" بطبيعة الأحوال، لأننا كلما حاولنا الفكاك من الفقر سقطنا فيه مرة أخرى، فاكتسبنا من العجز ما يعوقنا عن النظر إلى المستقبل بشكل متفائل.

  

خذ بقشيشا

من جهة أخرى مختلفة، ترى إليزابيث دان -ورفاقها من جامعة "بريتش كولومبيا"- أن إحدى أهم الطرق التي يمكن أن يتسبّب إنفاق المال خلالها بدرجات أكبر من السعادة هي إنفاق جزء منه على الآخرين، وفي تجاربهم10 حصل المشاركون على مبلغ مالي ثم طلب إليهم الاختيار بين حالتين، إما أن يأخذوه كاملا وإما أن يعطوا جزءا منه لحملة علاج سرطان أو أشياء شبيهة، بدون أي إجبار ودون أن يعرف أيٌّ من أفراد المجموعة بذلك، وبقياس معدلات السعادة الخاصة بهم وُجد أن هؤلاء الذين أنفقوا من أموالهم قد سجّلوا درجات أعلى.

     

undefined

      

تتأكد تلك النتائج بدراسات(11) عدة أُعطي الناس خلالها مبالغ صغيرة من النقود على مدى زمني ما، وكانت الملاحظة الأساسية هي أن معدل انخفاض السعادة الطبيعي يتباطأ بشكل واضح إذا قرّر المشارك في التجارب أن يعطي جزءا من ماله كـ "بقشيش" مثلا أو لدعم حملة خيرية ما، ما يشير إلى أن "العطاء" بشكل عام له علاقة بما نشعر أنه يُمثِّل قيمة الحياة بالنسبة لنا.

  

يُشير ذلك إلى درجة من الصحة فيما قاله ألفريد أدلر، النفساني النمساوي الشهير، في كتابه "معنى الحياة"، حينما يشير إلى أن معنى حياتنا يتحقّق بالرضا عن ذواتنا، عن طريق تأديتنا لواجبنا في ثلاثة أصعدة؛ العمل، والحب  ومساعدة العالم، فإذا مارسنا عملنا بشكل منتظم وإيجابي، وكانت علاقاتنا مع الجنس الآخر صحية وهادئة، وعملنا على استثمار بعض الوقت والجهد والنقود في عمل الخير، فإن ذلك يجعل لحياتنا معنى نُقدّره، ننام في آخر اليوم الطويل المرهق ونحن راضون عن حياتنا.

  

كيف ستُنفق آخر مئة جنيه؟

undefined

  

إذا تأملت الأمر قليلا، فستجد أن المشكلة ليست في المال نفسه، ولكن في الطريقة التي ننظر بها إلى المال، إنها ما يُحدّد قدرتنا على الشعور بالسعادة من خلال استخدامه، خذ مثلا تلك الدراسة(12) التي صدرت قبل عامين من جامعة هارفارد لتقول إنه يمكن بالفعل للمال أن يشتري السعادة إذا قمنا بإنفاقه لشراء وقت الفراغ لممارسة ما نحب، أو حتّى "وقت الفراغ" في العموم، كأن تدفع لأحدهم كي ينوب عنك في مهمة ما ترى أنها خانقة أو صعبة أو أنها ستستهلك الكثير من وقتك، لكن تأمل الأمر قليلا، فالدراسة هنا لا تقول إن "الوقت يساوي نقودا" -الحكمة الشهيرة- بل تقول إن السعداء هم مَن يعطون الوقت قيمة أعلى من النقود.

   

في تلك النقطة فإنه لا يمكن أن نجد فارقا بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، بمعنى أن مواطنا من الطبقة المتوسطة يمكن أن يُحقّق درجة سعادة أكبر من مواطن في الطبقة الغنية إذا قرر استخدام أمواله، على كمّها المتوسط، بطريقة أكثر مرونة لشراء الوقت أو الخبرات، من جهة أخرى فإن هناك شبه اتفاق بحثي حول فكرة أن السعي وراء النقود فقط ليس -بأي حال من الأحوال- سببا في السعادة.

  

وكانت دراسة(13) قد صدرت في دورية "مايجريشن ستاديز" قبل عدة أعوام -عبر استقصاء ضم 42 ألف مهاجر من أوروبا الشرقية إلى أوروبا الغربية- قد أشارت إلى أن هؤلاء الذين يهاجرون من أجل المال فقط لم يحصلوا على درجات سعادة أكبر، وكانت درجات سعادتهم في الدول مرتفعة الدخل أكبر من تلك التي حققوها في بلادهم منخفضة الدخل، بل إن قسما من الخاضعين للاستقصاء كان أقل سعادة من حالته الأولى.

      

الكيفية التي توازن بها بين هوسك بالنقود وآلية إنفاقها هي ما يُحدِّد أفضل درجة سعادة ممكنة
الكيفية التي توازن بها بين هوسك بالنقود وآلية إنفاقها هي ما يُحدِّد أفضل درجة سعادة ممكنة
     

العلاقة إذن ما بين المال والسعادة مهمة، لكنها ليست كما يظن البعض حينما يتصور أن الحصول على قدر كبير من النقود هو أكبر خير يمكن أن يحصل عليه، ورغم أن الكثير من المال قادر على إعطائنا الكثير من الصحة الجيدة والرضا العام عن الحياة، فإنه لا يدفعك إلى السعادة بشكل مطلق، عادة ما يميل أصحاب الثروات إلى الشعور برضا أكبر عن ذواتهم، بينما يميل أصحاب الدخل الأقل إلى الشعور برضا أكبر عن علاقاتهم بالآخرين.

  

وكانت الجمعية الأميركية للطب النفسي قد فحصت(14) عينة مقدارها نحو 1500 شخص من خلفيات اقتصادية مختلفة لتسألهم عن سبعة معايير في الشخصية، وهي الشعور بالتسلية والهيبة والتعاطف والرضا والحماس والحب والفخر، هنا سجّل سكان الطبقات الأعلى درجات أكبر في المشاعر المرتبطة بتقديرهم لذواتهم كالتسلية والرضا والفخر، أما سكان الطبقات الفقيرة فقد كانوا أكثر ميلا للشعور بالتعاطف والمحبة، كذلك كانوا أكثر تأملا للطبيعة وشعورا بالهيبة تجاه روعتها، في تلك النقطة لا يُفضِّل الباحثون مجموعة على أخرى، لكن تلك هي طريقة مثيرة للنظر إلى النقود، فهي لا تجعلنا أكثر سعادة في المطلق وإنما يمكن أن تنقلنا بين وجهتَيْ نظر للسعادة.

  

المال إذن يمكن أن يشتري السعادة، فقط إذا قررنا استخدامه بدرجة من الحكمة، لا شك أننا جميعا نطمح إلى الحصول على أكبر قدر ممكن من المال وأن يتم تقدير جهودنا في العمل بأفضل شكل ممكن. هذا حقنا جميعا، ونحن لا نُشير عبر هذا التقرير إلى أي شيء له علاقة بأن الفقر يساوي السعادة، في الواقع فإنه أبعد ما يكون عن ذلك، لكن الفكرة كما ترى أن الكيفية التي توازن بها بين هوسك بالنقود وآلية إنفاقها هي ما يُحدِّد أفضل درجة سعادة ممكنة.

المصدر : الجزيرة