"كارثة في علم الكونيات".. هل نحن في حاجة إلى فيزياء جديدة؟

قال ريتشارد فاينمان(1) ذات مرة: "الطبيعة غريبة بقدر استطاعتها أن تكون كذلك"، تتأكد تلك الفكرة من حين لآخر، خاصة حينما يصل الباحثون في علم الكونيات إلى درجة كبيرة من الحيرة تجاه استجابة الكون إلى نظرياتهم. نعيش هذه الأيام في إحدى تلك الحالات التي يسميها البعض "كارثة في علم الكونيات"، إذ تتعارض قياسات ثابت هابل مع بعضها بعضا بشكل ينبئ -ربما- بالحاجة إلى فيزياء جديدة تماما لفهم هذا التعارض، أو بتعبير أكثر واقعية: إعادة فهم الكون من جديد.

    

كون متوسّع

تقول ليشيا فيردي(2)، أستاذة علم الكونيات الإيطالية من جامعة برشلونة، في حديثها مع "ميدان": "نحن نعلم أن الكون يتوسّع (وكان كذلك طوال حياته)"، ثم تضيف بعد قليل أن "معدل هذا التوسّع يُعطى بواسطة ثابت هابل، إنه مقياس تمدد نسيج الكون، هل يمضي بسرعة أم ببطء؟"، لكن لفهم هذه الفكرة الخاصة بثابت هابل دعنا نرجع بالزمن قليلا إلى الخلف، تحديدا في تلك اللحظة التي تمكّن فيها إدوين هابل، الفلكي الأميركي واسع الشهرة، من اكتشاف الكون!

 

نعم، إنها كما قرأت، قبل هابل كان كل ما نعرفه هو فقط مجرتنا، درب التبانة. لكن صديقنا الذكي -والذي كان بالأساس رجل قانون ثم أحب الفيزياء- تمكّن من إدراك أن تلك الغمامات الحلزونية البديعة التي نراها تطرّز السماء في تلسكوباتنا ليست جزءا من عالمنا المجري، بل هي عوالم أخرى تشبهنا، مجرات أخرى. بل ويضيف هابل بذكاء شديد أنه حينما نرصد تلك المجرات البعيدة نجد علاقة غريبة بين سرعتها والمسافة بينها وبيننا، فكلما كانت المجرة أبعد كانت سرعتها أكبر. هذا مريب لا شك، يشبه أن تقف في الشارع لتجد أن السيارات كلما كانت أبعد، كانت أسرع، ما الذي يمكن أن يكون سببا في ذلك؟

    

  

إنه تمدد الكون، في مثال الشارع السابق هناك تفسيران لتلك الظاهرة، فإما أن السيارات تتفق معا بحيث تكون الأبعد أسرع، وإما أن المسافة تزداد بين كل سيارة وسيارة لسبب لا علاقة له بالسيارات، فهي جميعا تسير بالسرعة نفسها، لكن الطريق يتمدد بين كل سيارة والسيارة التي تليها، وكأنه مصنوع من المطاط. فإذا تسبب ذلك التمدد في ابتعاد السيارة الأقرب إليك مسافة 5 أمتار، فإن التي تليها ستبتعد عنك 10 أمتار (5 بينك وبين التي تليك، و5 بين التي تليك والتي تليها).

  

بالنسبة للكون، فإن الشيء ذاته يحدث، الفضاء بين المجرات هو ما يتمدد بحيث تبتعد كل مجرة عن كل مجرة في الكون. تخيل وكأن الفضاء هو خط أعداد، بين كل رقم ورقم فيه يظهر رقم جديد، ثم يظهر رقم جديد بين كل رقمين في الحالة السابقة، وهكذا يستمر التولّد، وكأن شيئا ما يخلق الفضاء الجديد.

  

ثابت هابل(3) هو، ببساطة، سرعة هذا التمدد، وهو يُسهم في تحديد كل شيء بداية من عمر الكون وصولا إلى مصيره النهائي ومرورا بكل شيء آخر في هذا النطاق البحثي، لذلك فإن المساس به يعني الكثير. تقول أستاذة علم الكونيات في حديثها مع "ميدان": "هناك العديد من الطرق المختلفة لقياس ثابت هابل، لكنهم جميعا ينتمون إلى واحدة من هاتين الفئتين: إما يتم قياسه في فترة متأخرة من تاريخ الكون (حاليا)، أو أن يتم استنتاجه من خلال النظر في خصائص الكون في فترة مبكرة جدا من تاريخه".

    

      

نتائج متضاربة

بالنسبة لقياس ثابت هابل حاليا، فإن كل ما نحتاج إليه هو معرفة السرعة التي تبتعد عنا بها مجرة ما والمسافة بيننا وبينها (ثابت هابل يساوي السرعة على المسافة)، يمكن لنا تحديد الأولى عبر ما نسميه الانزياح الأحمر المجري(4)، ويعني ذلك أن المجرة كلما ابتعدت عنّا أصبحت أكثر ميلا للطيف الأحمر، أما لقياس المسافة بيننا وبين مجرة ما فإن ذلك يعتمد على ما نسميه بـ "الشمعات المعيارية(5)". يشبه الأمر أن أقف أمامك بمصباح مضيء ثم أتحرك للأمام، كلما ابتعدت عنك قلّت الإضاءة، الآن بعد فترة من المشي أطلب إليك معرفة المسافة بيني وبينك، إذا كنت تعرف شدة المصباح الأصلية ستعرف المسافة بيني وبينك بسهولة لأنها تتناسب مع درجة خفوت المصباح.

  

الفكرة الخاصة بالشمعات المعيارية مشابهة. بعض الحالات الخاصة من النجوم تمتلك خصائص ثابتة أينما وُجدت. على سبيل المثال، بعض الأنواع من النجوم المتغيرة تنبض بمعدلات تتناسب مع إضاءتها الأصلية (الضيائية تحديدا لكن لا داعي للخوض في هذه النقطة الآن)، وبالتالي يمكن للتلسكوب هابل أن يلتقطها تنبض في المجرات الأخرى، الآن يمكن أن نقارن بين إضاءة تلك النجوم الظاهرة لنا وتلك التي حسبناها بناء على قياسات التلسكوب هابل (وغيره من التلسكوبات)، وبذلك نحسب المسافة بيننا وبينها.

  

أما بالنسبة لقياس ثابت هابل في فترة مبكرة من تاريخ الكون فإن ذلك يعتمد -بحد تعبير فيردي في حديثها مع "ميدان"- على فحص دقيق جدا لما نسميه بـ "إشعاع الخلفية الكونية(6)"، وهو ما يعطينا إشارة دقيقة إلى ما حدث في هذا الكون قبل 13.7 مليار سنة. كان الكون، في اللحظات الأولى الدقيقة جدا من تاريخه، أشبه ما يكون بحساء جسيمات دقيقة. بعد ذلك، ومع توسع الكون انخفضت درجة الحرارة قليلا فالتحمت الجسيمات مع بعضها بعضا وصولا إلى الذرات الأولى.

     

 

قبل تكوّن الذرات الأولى كان الكون مُعتما لا يُمرّر شيئا، ذلك لأن فوتونات الضوء الأولى لم تتمكّن من المرور خلال الإلكترونات الكونية السابحة، وبعد مرور نحو 380 ألف سنة من تاريخ الكون كان باردا كفاية ليسمح للأنوية أن تُمسك بتلك الإلكترونات، فتكوّنت أول ذرات الهيدروجين، هنا انطلقت تلك الفوتونات للأمام ناحيتنا، واستمرت في الانطلاق حتّى أُنهكت تماما، ثم وصلت إلينا أخيرا ويمكن حاليا التقاطها، إنها وهج الانفجار العظيم.

      

إشعاع الخلفية الكونية يُعبِّر عن طبيعة الكون قبل 13.7 مليار سنة، تلك النقاط الحمراء والصفراء والزرقاء تُعبِّر عن فروق ضئيلة جدا في درجات الحرارة لكنها إشارة ممتازة لتحديد ثابت هابل (مواقع التواصل)

     

تقول فيردي في حديثها لـ "ميدان": "المشكلة هي أن هاتين الفئتين من القياسات تُنتجان قيما مختلفة لثابت هابل"، موضحة أن القياسات في وقت مبكر من تاريخ الكون تعطي للثابت هابل قيمة تساوي نحو 68 كم/ثانية/ميجا بارسك، بينما القياسات الحالية تساوي 73 كم/ثانية/ميجا بارسك (الميجا بارسك يساوي 3.26 مليون سنة ضوئية)، والفكرة أن هذا الرقم يُعبِّر عن سرعة تمدد الكون بين مجرتين داخل قطعة من الفضاء مساحتها 3.26 مليون سنة ضوئية.

   

فيزياء جديدة

للوهلة الأولى قد تظن أنها ليست مشكلة كبيرة، ربما فقط تتعلق بأدوات أو أساليب القياس أو الأخطاء الإحصائية، لكن تلك النتائج تتكرر مع أدوات مختلفة وآليات مختلفة وحينما يُجريها أناس مختلفون في كل مرة، وكلما قرر الباحثون في هذا النطاق الحصول على أدق قياسات ممكنة فإن معدلات الخطأ تصل إلى نحو 1% لكلٍّ من فئتي القياس على حِدة، بينما الفارق بين الفئتين(7) هو 7%، وبحد تعبير فيردي في حديثها مع "ميدان": "سيكون من الصعب جدا أن تقوم مجموعات مختلفة تستخدم بيانات مختلفة وأساليب عمل مختلفة بارتكاب الأخطاء نفسها بحيث يكون هذا الفارق بين الفئتين من القياسات بهذا الشكل".

  

أدّى تكرار النتائج بالباحثين في هذا النطاق إلى افتراض أن ذلك يعني أن المشكلة قد لا تكون في البيانات أو الإحصاءات أو الأساليب المستخدمة للقياس، بل في النظرية، أو قل النموذج، الذي تعتمد عليه تلك القياسات أو حتّى فيزياء الكونيات من الأساس، والتي تبني نفسها على نتائج النظرية النسبية العامة لألبرت أينشتاين، ما نقف أمامه الآن هو ما يُسمى حاليا بـ "كارثة علم الكونيات" والتي أشار إليها آدم رايس -العالم الحاصل على نوبل في الفيزياء عن مساهماته في فهمنا لتوسع الكون- في عام 2016، تُرى، ما الذي يمكن أن يكون السبب في تلك الجلبة الكونية؟

  

أول شيء، لنتذكّر حادثة شبيهة. حينما توقع(8) جون أدامز وأوربان لوفيرييه مدار كوكب أورانوس بناء على قوانين نيوتن، قبل نحو قرنين من الزمن، ظهرت مشكلة في تطابق التوقعات مع النتائج، فافترضا وجود كوكب أبعد من أورانوس وهو نبتون، الذي تأكد وجوده فيما بعد في واحد من أقوى الاستعراضات لقوة الطريقة العلمية. لكن حينما حاول لوفيرييه حل مشكلة عدم اتفاق موقع مدار كوكب عطارد مع التوقعات بالطريقة السابقة نفسها افترض وجود كوكب "فلكان" (Vulcan)، لكننا لم نجد كوكب "فلكان" أبدا؛ لأن المشكلة لم تكن في طبيعة البيانات أو طريقة القياس، بل كانت في قوانين نيوتن ذاتها، هنا ظهرت النسبية العامة وأعطت إجابة دقيقة. في كل الأحوال، نحن لم نعرف موضع الخطأ في المرّتين، في المرة الأولى نجح حدس صديقينا، لكنه لم ينجح في الثانية.

     

ليشيا فيردي، أستاذة علم الكونيات الإيطالية من جامعة برشلونة (مواقع التواصل)

    

الأمر كذلك الآن، نحن لا نعرف أين يكمن الخطأ، في حديثها مع "ميدان" تقول فيردي: "ربما لم ننظر بالدقة الكافية في الأخطاء المنهجية التي نقوم بها أثناء إجراء تلك القياسات، ربما يوجد شيء لا نراه بالفعل". على سبيل المثال، ربما لا نفهم تلك النوعية من النجوم المتغيرة بطريقة صحيحة، قد تحتاج القوانين التي تصفها إلى بعض الضبط، أو ربما تكون هناك مشكلة متعلقة بانحناء شعاع الضوء المسافر من تلك المجرات البعيدة إلينا، تقول فيردي لـ "ميدان": "يقوم المجتمع البحثي بجهد كبير في هذا الاتجاه، ولكن ماذا لو كانت المشكلة في النموذج النظري نفسه الذي يشرح الكون كله من لحظة ميلاده إلى نهايته؟"، هنا لا بد أننا سنحتاج إلى فيزياء جديدة.

  

في هذا النطاق يمكن أن تجد عدة اقتراحات مثيرة جدا للانتباه، قد تكون المشكلة في وجود جسيمات جديدة تدخّلت في فترة مبكرة جدا من تاريخ الكون للعبث بتوزيع المادة والطاقة فيه، جسيمات ليست موجودة في نماذجنا النظرية (مثل النيوترينو العقيم(9)) ويعني وجودها أننا في حاجة إلى إعادة النظر في النموذج المعياري لفيزياء الجسيمات مثلا.

  

كارثة حقا؟

من جهة أخرى قد يكون السبب متعلقا بالمادة أو الطاقة المظلمتين(10،11)، وكلمة "مظلمة" هنا لا تعني تحديدا أي شيء له علاقة بالظلام، ولكنه ظلام جهلنا بطبيعة تلك الكيانات، نحن نفترض وجودها لأن هناك أسبابا تدفع لذلك، لفهم الفكرة تخيّل أن أحدهم ألقى بصخرة صغيرة للأعلى لكنها -على عكس المعتاد والمتوقع- لم تعد إليه، بل استمرت في الصعود للأعلى وبسرعة أكبر، هنا ستتصوّر أن شيئا ما يدفعها، الكون كذلك كان من المفترض أن ينخفض معدل تمدده لكننا وجدنا أنه يتسارع، فافترضنا وجود الطاقة المظلمة وافترضنا أنها تدفعه للتوسع.

  

قد يكون فهمنا للطاقة المظلمة خاطئا، قد تكون غير ثابتة، على عكس تنبؤات النظرية النسبية العامة، أو قد تكون المادة المظلمة ذات سلوك لم نفهمه بعد، لكن كل تلك التكهٍنات تنطوي على شيء واحد فقط وهو حاجتنا إلى تغيير الفيزياء الحالية، إلا أننا نواجه مشكلة كبيرة هنا، تقول فيردي لمحرر "ميدان": "النموذج النظري الحالي لفيزياء الكونيات ناجح للغاية، فهو يُفسِّر جيدا مجموعة كبيرة من الأرصاد والبيانات، بالتالي إذا أردنا تعديل هذا النموذج لحل مشكلة ثابت هابل فقد يؤثر ذلك على الجوانب الأخرى له وقد يخلق مشكلات كبيرة في مكان آخر".

    

  

كذلك، يميل الكثيرون من الباحثين في نطاق علم الكونيات إلى القول إن القوانين التي تُفسِّر الكون لم تكن دائما تعمل بالطريقة نفسها، ربما تغيرت في مرحلة مبكرة من تاريخه، لفهم الفكرة تصوّر أنك نزلت من المنزل الآن وركبت سيارتك ثم ذهبت إلى العمل، هناك مجموعة من القوانين البسيطة التي يمكن أن تتنبأ بدقة بموعد وصولك، نحن نفترض أن هذه القوانين عامة، تعمل الآن ويمكن أن تعمل في أي وقت آخر، ماذا لو أن ذلك غير صحيح؟

  

الفيزيائيون يفعلون الشيء نفسه، عندما تستخدم قوانين النظرية النسبية العامة لوصف جاذبية الكواكب المحيطة بك، ثم النجوم المحيطة بالشمس، وتجد أنها صحيحة، يمكن لك أن تُعمِّم النتائج لتقول إن النظرية النسبية صحيحة في كل الحالات بالكون، لكن ذلك يبدو مناقضا للواقع، فقد ظهرت مشكلات معقدة للغاية لم يتمكّن الفيزيائيون من حلّها إلا بافتراض وجود المادة والطاقة المظلمتين، لكن ماذا لو كانت المشكلة في الجاذبية أصلا؟ تفترض نظرية الحرباء(12) -على سبيل المثال- أن قوانين الجاذبية ليست ثابتة في الكون كله، بل هناك حالات خاصة تتغير فيها طبيعة الجاذبية بتغير البيئة المحيطة، ومن هنا جاء وصف "حرباء".

   

إننا بالفعل نعيش في فترة "الكارثة"، حيث تتنافس مجموعة من النظريات معا حول قدراتها على تفسير الواقع، ولا يمتلك أيٌّ منها أدلة كافية لتأكيد اتجاهه
  

تقول فيردي في ختام حديثها مع "ميدان": "لكن في النهاية، فإن المطالبة بفيزياء جديدة تتجاوز النموذج الكوسمولوجي الحالي هو في الواقع مطالبة غير عادية"، مضيفة: "لذلك نحن بحاجة إلى تقديم أدلة غير عادية!"، تلك النماذج الجديدة يجب أن تكون قابلة للتكذيب، أي أن تقوم بادّعاءات محفوفة بالمخاطر يمكن تكذيبها بتجارب واضحة ورصينة، ويعني ذلك أننا بحاجة إلى الانتظار ريثما يتمكّن الفيزيائيون النظريون والتجريبيون من صناعة خطة مناسبة لذلك الحلم.

  

إلى ذلك الحين، فإننا بالفعل نعيش في فترة أسماها فيلسوف العلم الأميركي توماس كون(13) بـ "الكارثة"، حيث تتنافس مجموعة من النظريات معا حول قدراتها على تفسير الواقع، ولا يمتلك أيٌّ منها أدلة كافية لتأكيد اتجاهه، وهنا تقف الفيزياء، أو قل تتباطأ، بحيث يبدو الأمر وكأن جديدا لن يظهر تحت الشمس، لكن مَن يدري؟ قبل النسبية قال الفيزيائيون الكلام نفسه، ثم ظهر أينشتاين بقنبلته، ربما يتجهّز العلم لقنبلة جديدة تُغيّر من مفهومنا عن هذا الكون، بالتالي ستُغيّر من إدراكنا لكل شيء حولنا، حتّى ذواتنا، وهذا يدعو للفضول.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة