تغذية للعواطف أم استنزاف لها.. هل تستفيد أدمغتنا من العزلة؟

الكُتَّاب، كما تصفهم الروائية جايمي أتنبرغ، هُم أشخاص يُفضّلون البقاء بصحبة أنفسهم. لكنَّ قلة منهم تأخذ العزلة إلى الحدّ الذي أخذته الشاعرة الكوبيّة دولسي ماريّا ليوناس. لعقود، عاشت ليوناس بمفردها في قصر وسط العاصمة الكوبية هافانا، تكتب قصائد ملغزة تبعث على التأمل، العديد منها لا يتجاوز السطر، وبإمكانه أن يكون بوّاحا ومستغلقا في آنٍ واحد معا. في هذا اللقاء، تفسّر أتنبرغ، مؤلّفة "كل هذا يُمكن أن يكون ملكك"، كيف ساهمت قصائد "عُزلة مطلقَة"، وهي الترجمة الإنجليزيّة لعمل ليوناس، في صقل شخصيّتها وفهمها لعلاقتها مع العزلة. تحدثنا أيضا عن الفرق بين العُزلة والوحدة، ولماذا كانت جولات المشي الطويلة أساسية لممارستها الإبداعية، وكيف يُمكن لدماغ المرء أن يكون أفضل رفيق له.

 

أتنبرغ هي مؤلفة لسبعة كتب أدبية تصدّرت قوائم "نيويورك تايمز" لأفضل المبيعات، بما فيها "عائلة ميدلشتاين" و"ناضجة كليا". بينما ظهرت مؤلفّاتها غير الأدبية في أماكن مثل مجلة النيويورك تايمز، وول ستريت جورنال، ولونغ ريدز، من بين منصات نشر أخرى.

     

جايمي أتنبرغ (مواقع التواصل)

    

هذه خلاصة حديثها مع الأتلانتيك:

في ربيع عام 2018، كنت أقضي ثلاثة أيام في سان فرانسيسكو من أجل جولة كتابي الأخير. وتقرَّرَ إقامة الحدث مساء، ما يعني أن النهارات كانت متاحة بالنسبة لي، وكان ذلك مصدر رفاه باذخ، فبما أنني نزلت في "الميشن"، وهو أحد الأحياء التي تجود ببعض أروع متاجر الكتب، قررت تكريس يوم واحد لكي أتفقد المتاجر. كان بعض هذه المتاجر موجودا لسنوات طويلة، ولكل منها وقعه الخاص على الحواس. لقد كنت في المكان الملائم تلك اللحظة، لكي أذهب وأرى ما تخبئه تلك المتاجر لي.

  

كنت أفتّش في قسم الشعر في مؤلفات دوغ إيرد عندما وجدت مجموعة شعرية بعنوان "عزلة مطلقة" لدولسي ماريا ليوناس، وكان أحد الكتب الشعرية الموصى بها آنذاك، حيث جاء مصحوبا برسالة قوية من الطاقم، وأعتقد أنها حملت عبارة "اقرأه على الفور". إنه ذلك السحر الذي تخبئه تلك البطاقات الموجودة إلى جانب الكتب. وإن كان هناك شخص متحمس جدا يحثّني على قراءة كتاب ما، فإنني عادة ما أستمع إليه. كنت اقتنيت العديد من الكتب في ذلك اليوم، من العديد من المتاجر المتناثرة في أرجاء المدينة، لكن كتاب "عزلة مطلقة" كان الرابح الأكبر، وكنت أعلم أثناء خروجي بأن الكتاب سيكون بمنزلة قنبلة بالنسبة لي، وقد كان بالفعل.

     

الشاعرة الكوبيّة دولسي ماريّا ليوناس (مواقع التواصل)

     

خلال ذلك الصيف، كنت أعمل على رواية جديدة، "كل ذلك يمكن أن يكون ملكك". إنني عندما أتمكن من قراءة الشعر لساعة أو نحوها قبل الكتابة، أشعر بأن جودة اللغة ترتفع. أيًّا كان ما تقرأه فستجد أنه يلعب دورا فيما يظهر على الورق. في بعض الأحيان، عندما أعمل على رواية وأشعر أن الكثير من الجمل تؤدي المطلوب، أقوم بكتابة "مسودة شعرية"، وهي مسودة تتمخض عن قراءة أطنان من الأبيات الشعرية قبل الكتابة، وذلك لكي أضمن بأن اللغة أنيقة ومنسابة وشعرية قدر ما أمكن ذلك.

    

كتاب "كل ذلك يمكن أن يكون ملكك" (مواقع التواصل الاجتماعي)

   

في هذا السياق شرعت بقراءة "عزلة مطلقة"، ووجدت أن ثيمات الكتاب بدأت تتغلغل فيّ أيضا. وطفقت أفكر في الطرق التي يمكن فيها للوحدة أن تختلف عن العزلة. وكتاب "كل هذا يمكن أن يكون ملكك" يتناول تلك الشخصيات الوحيدة، التي يعتنق بعضها الوحدة بطريقة جيدة، فيما يعتنقها البعض الآخر بطرق مغايرة.

  

بطل الرواية، فيكتور، هو شخص تستفحل فيه الوحدة بطريقة الأفراد النرجسيين نفسها. ولأنَّ الوحدة تعتصر فؤاده، فإنه يشعر أن من حقه أن يتصرف بجشع. إنه لا يؤمن بالحياة الآخرة بأي شكل، ولا يشعر أنه سيُحاسب. وإن حدث وأخطأ، فالأمر غير مهم، لأنَّ الحياة لديه تتمحور حول إحساسه باللذة، أو التسلية، أو الإثارة التي يحصل عليها جرّاء قسوته. إنه يعتقد بأننا نعيش على الأرض فقط، وأيًّا كانت أفعالنا في أثناء مكوثنا هنا فهي أفعالنا فحسب، ثمّ سنفنى جميعا. بالنسبة إليّ، هذه عقلية شخص وحيد. وهناك تلك الشخصيات الأخرى، التي تعتبر الوحدة ميزة، إلى درجة أن يتم اعتبارها منظورا عالميا أو جماليا.

    

كتاب "عزلة مطلقة" لـ "دولسي ماريّا ليوناس" (مواقع التواصل)

  

يعبّر عمل ليوناس عن هذا المنظور بأسلوب رائع. "العالم منحني الكثير من الأشياء، لكنَّ الشيء الوحيد الذي احتفظت به كان العزلة المُطلقة"، كما تكتب في قصيدة من سطر واحد، من ضمن سلسلتها التي حملت عنوان "قصائد بلا أسماء". وأحببت فكرة الوحدة بما هي منحة. أعتقد أنَّ بإمكاننا أن نخشى الوحدة، لكنّك إن وجدت سبيلا لامتلاكها واعتبارها كنزا ومصدرا للمتعة والسعادة، فإنها ستكونُ مصدر عزاء كبير. لديّ مكان أذهب إليه في مخيلتي وهو مكاني وحدي، إنني كثيرا ما أُقدّر الوقت الذي أقضيه بصحبة نفسي، ثم إنني لن أستطيع أن أكون ما أنا عليه من دونه.

  

لكن، يبدو بأن ليوناس تقرّ بأن الإفراط في العزلة عزل، وتغريب، بل وربّما خطر. في القصيدة اللاحقة، تكتب ليوناس: "العزلة، لطالما حلمت بالعزلة! إنني أحبك إلى الحد الذي أخشى معه عقابا إلهيا لأنني ملأت بك حياتي". وكأنها تكاد تقول لنا: خذوا حذركم.

  

روتين الكتابة

تبدأ العملية الصباحية لديّ بالتنزه صباحا، وعادة ما تكون المدة ساعة من الوقت. ثم أقرأ لمدّة ساعة، ثم أكتب لساعات وساعات. ثم أقضي فترة ما بعد الظهيرة وأنا أطبع كل شيء. إن استطعت سأطبع ألف كلمة يوميا، وسيكون هذا يوم عمل مثمرا. بالنسبة لي، فإنَّ جولات المشي تلك جزء مهم من العملية. ظاهريا، يبدو الأمر مضيعة للوقت، لكنّ دماغي لا يكف عن التفكير في المشكلات التي أمر بها طيلة الوقت. ويستغرقني من الوقت ساعة حتى ساعة ونصف حتى أصل ذلك المكان. يتحتم عليّ أن أبتعد مسافة نصف ساعة عن منزلي وحاسوبي الشخصي وأكوام الكتب، فقط لكي أُخلي مساحة لنفسي. وعندها، يحدث أروع الأشياء: يبدأ دماغي بالعمل.

   

   

الأدمغة تقوم بأشياء رائعة إن أحسنت معاملتها، وسيكون لديها الكثير من الهدايا الصغيرة. لقد تطلبني الأمر أربعة كتب حتى بدأت أجني المال من الكتابة، لكنني ما إن أذهب إلى مكان يعطيني فسحة من الوقت لكي أقضيها بصحبة دماغي، فإنني أسمح لنفسي بأن أمنحه الدلال، وأعتني به، وأرعاه. ثمة طرق صغيرة للقيام بهذا الأمر، وغير مسرفة أيضا، مثل التمارين الرياضية، والغذاء الجيد، ووجود أشخاص أُبادلهم الاحترام.

  

والعزلة هي جزء من هذه الطرق أيضا. فالقراءة تجربة ، لكن الطريقة التي تعمل فيها على دماغك وروحك تكون بمنحك العزاء، كشعور ملاقاة شخص ما. هناك سطر في كتابي عن كيف يولد الناس وحيدين. إنهم يقضون كل حياتهم وهم وحيدون، حتى عندما يحيطهم الناس من حولهم. وإن كان بوسعك أن تحوّل هذا الأمر إلى نقطة إيجابية، فستكون قد حققت الهدف. وهذا الأمر مختلف عن أن تكون منعزلا ووحيدا، فالمجتمع مهم للغاية، وأنا أحب مجتمع الكتابة، ومجتمع القراء، كثيرا جدا.

————————————————————-

ترجمة: فرح عصام.

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

إذا كان الهدف الوحيد لنا هو تربية أطفال أصحاء وتعليمهم جيدا، فإن التعامل مع القراءة للطفل أنها درجة من الرفاهية، هو خطأ كبير.. وهذا ما أثبتته الأبحاث والتجارب.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة