شعار قسم ميدان

لا تلعب بالنار.. هل يمكن أن تؤسس شركة ناشئة مع صديقك المُقرب؟

"فكرة ممتازة، فلنحوِّلها إلى شركة ناشئة ونبدأ حالا!". هذه الجملة الشهيرة لا بد أنك سمعتها من أحد أصدقائك أثناء جلوسكم على أحد المقاهي المزدحمة في مدينتك مساء أحد الأيام، ويتناثر أمامكم على الطاولة عدد هائل من أكواب الشاي والقهوة وربما أحجار الطاولة والدومينو. تطرح أنت فكرة مشروع تجاري تبدو ممتازة، يؤيِّدك صديق آخر، ويعلن ثالث استحسانه للفكرة، بينما يتخذ الرابع القرار: لنحوِّلها إلى شركة ونبدأ العمل الآن.

وعلى الرغم من سذاجة المشهد، وتحوُّله في النهاية إلى مادة للضحك والسخرية في أحيان كثيرة، فإن الأمور تبدو منطقية أيضا في أحيان أخرى: لِمَ لا؟ الفكرة تبدو جيدة، وأنت تشاركها مع أصدقائك الذين تعرفهم ويعرفونك، وشاركتهم عشرات المواقف في الحياة، وتكوَّنت بينكم علاقات راسخة على مر السنين. لماذا لا تتحوَّل هذه الصداقة الطويلة إلى شراكة عمل فعلا؟

ثم إن أرشيف الشركات الناشئة يعج بالفعل بالعديد من النماذج والأمثلة لشركات أسَّسها أصدقاء قدامى، تشاركوا بعض الأفكار وقرَّروا تحويلها إلى واقع، بداية من شركة مايكروسوفت، مرورا بـ"airbnb"، وليس انتهاء بشركة "بن آند جيريز".

صداقة قديمة تتحول إلى شركة كبيرة

الصديقان "بن كوهين" (يمين)  و"جيري غرينفيلد"، مؤسِّسا متاجر "بن آند جيريز" للمثلجات، يُضرَب بهما المثل دائما على الصداقة التي تحوَّلت إلى شراكة ناجحة. (AFP)

في عام 1978، شهد أهل مدينة برلنغتون الواقعة في ولاية فيرمونت على الحدود الأميركية – الكندية حفل افتتاح متجر صغير لبيع المثلجات حمل اسم " بن آند جيريز" (Ben & Jerry’s) نسبة إلى أسماء مؤسسيه "بن كوهين" و"جيري غرينفيلد". لم يكن الصديقان يحملان آمالا خاصة لمتجرهما الجديد، فقط كل ما حدث هو أنهما قد درسا معا دورة تدريبية حول صناعة المثلجات والحليب المخفوق، وقررا أن يغتنما صداقتهما العميقة في افتتاح متجر مُشترك.

لم تكن صداقة بن وجيري مقترنة بإنشاء المتجر الجديد، بل هي صداقة ممتدة لسنوات بعيدة تبدأ من فترة الطفولة، وقد قرَّرا وهما على مشارف الثلاثينيات من أعمارهما افتتاح متجرهما لصناعة المثلجات برأس مال 12 ألف دولار تشاركا وضعه في مشروعهما الجديد. لم تمضِ فترة طويلة إلا وبدأ المتجر في تحقيق إيرادات ممتازة، ونما بسرعة خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات، ليفتتح عشرات الفروع في المدن الأميركية كافة، ويتحوَّل إلى علامة تجارية ضخمة في عالم المثلجات.

في عام 2000، وبعد 22 عاما من حدث افتتاح المتجر الأول، أعلن الصديقان القديمان خبر استحواذ شركة "يونيليفر" البريطانية على سلسلة متاجر "بن آند جيريز" عبر صفقة لم يُعلن عن قيمتها، لكن من المتوقع أن تكون بمئات الملايين من الدولارات، ليستمر المتجر حتى الآن حاملا اسميهما موزعا منتجاته عبر أكثر من 600 فرع حول العالم، ليُعَدَّ واحدا من أشهر الأمثلة حول "الصداقة العميقة" التي تحوَّلت إلى "شراكة ناجحة". (1)

الصورة ليست وردية بهذا الشكل

بالتأكيد قصة نجاح شركة "بن آند جيريز" تُعَدُّ من قصص نجاح الشركات ذات الطابع اللطيف الذي يجمع بين الصداقة الإنسانية بين شخصين نشآ معا، ثم قاما بعمل شراكة ناجحة عادت على كليهما بملايين الدولارات، وأصبح كلٌّ منهما رمزا في عالم المال والأعمال. ولكنها -مع كونها حقيقية وواقعية- تُمثِّل جانبا واحدا من الصورة، بالطبع هو الجانب المُضيء منها، وليست الصورة كلها.

كتاب "معضلات المؤسس: توقّع وتجنّب المُنزلقات التي قد تغرق الشركة الناشئة" لـ "نعوم واسرمان". (مواقع التواصل)

في كتابه الشهير "معضلات المؤسس: توقّع وتجنّب المُنزلقات التي قد تغرق الشركة الناشئة" (The Founder’s Dilemmas: Anticipating and Avoiding the Pitfalls That Can Sink a Startup) الذي نُشر للمرة الأولى عام 2012، سلَّط نعوم واسرمان، الباحث والبروفيسور في كلية هارفارد لإدارة الأعمال، سلَّط الضوء على دراسة أُجريت عبر 10 آلاف شركة تقنية وعلمية ناشئة، نسبة 40% منها تأسَّست بواسطة أصدقاء سابقين.

الدراسة حملت مفاجئتين كبيرتين بالنسبة لأسباب نجاح وفشل الشركات الناشئة، المفاجأة الأولى أن 65% -لاحظ النسبة الكبيرة- من الشركات الناشئة التي كان لديها فرصة نمو معتبرة في السوق فشلت بسبب "صراعات المؤسسين" (Founders Conflict)، وهو ما اعتُبر السبب الأول في انهيار الشركات الناشئة في مراحلها المختلفة، خصوصا المراحل المُبكرة منها (Early Stage).

المفاجأة الثانية التي أبرزتها الدراسة هي أن الشركات التي تأسَّست بواسطة مؤسسين تجمع بينهم علاقات صداقة سابقة، خصوصا إذا كانت صداقة غير مهنية، أي صداقة في مدرسة أو جامعة وليست صداقة عمل، كانت احتمالات استمرارها على قيد الحياة أقل مقارنة بالشركات التي أسَّسها شركاء لم تربط بينهم علاقات قوية سابقة.

كما قرَّرت الدراسة أيضا أن كل علاقة اجتماعية سابقة وُجدت في فريق المؤسسين للشركات، زادت من احتمالية مغادرة أحد المؤسسين للمشروع بنسبة 30%. بمعنى آخر، وبحسب الدراسة، كلما ارتفع عدد العلاقات الاجتماعية السابقة بين فريق المؤسسين قبل بدء الشركة، ارتفعت نسبة فضّ الشراكة لاحقا بشكل ملحوظ. (2، 3)

المتوافقون الغرباء أفضل من الأصدقاء المُتشاكسين

(شترستوك)

في دراسة أجراها باحث في جامعة ستانفورد عام 2017، حول أهم العناصر التي يُركِّز عليها الممولون والمستثمرون وصناديق التمويل أثناء اتخاذها القرار لتمويل شركة ناشئة معينة، خلصت الدراسة التي أُجريت على 885 إداريا وخبيرا في صناديق الاستثمار الجريء إلى أنهم جميعا حددوا 3 عناصر مركزية لاتخاذ قرار تمويل شركة ما: الاهتمام الشديد بالمنتج أو الخدمة، الخبرة السابقة، قوة الفريق.

الدراسة حددت معيار "قوة الفريق" بأنه مستوى التفاهم بين أعضاء الفريق المؤسس على مستوى إنجاز الأعمال وتوزيع المهام وتحقيق النتائج، وخبرة كلٍّ منهم في مجال إدارته، بغض النظر عن مستوى الصداقة بينهم أو العلاقات الاجتماعية السابقة. بمعنى آخر، قوة الفريق المقصود بها هنا قوة الأداء والتكامل والتفاهم في إدارة قطاعات الشركة. (4)

وبحسب مقال في "سي إن إن بيزنس" بعنوان "الصراع بين الشركاء يدمر الشركات الناشئة"، فإن المستثمرين يُركِّزون بشكل هائل على العلاقات من جانبها المهني بين مؤسسي الشركات، وإلى أي مدى يوجد تفاهم بينهم فيما يخص توزيع العمل وتنفيذ المهام، لدرجة مراقبة لغة أجسادهم وطريقة التعامل فيما بينهم لمحاولة استنتاج العلاقة بين المؤسسين، ومدى الخلافات بينهم أو التوافق، بغض النظر عن عمق علاقاتهم السابقة قبل تأسيس الشركة.

وأدرج المقال قصة المستثمر الأميركي جون سبوستاو الذي غادر القاعة دون أن يكمل الاستماع إلى فريق مؤسس لإحدى الشركات الناشئة التي تطلب تمويلا، بمجرد أنه لاحظ بوضوح أن أحد الشركاء المؤسسين كان جالسا ويبدو على ملامحه الضيق الشديد أثناء شرح زميله لفكرة المشروع، ثم قضى الوقت المخصص له في كلمته بتصحيح كل كلمة قالها زميله. اعتبر المستثمر هذا السلوك الواضح هو حالة من عدم التوافق بين الشركاء، مما جعله ينصرف فورا دون أن يكمل استماعه لبقية العرض.

أما ديفيد كيدر، مؤسس صندوق استثمار جريء للاستثمار في المراحل المبكرة في المشروعات الناشئة بمدينة نيويورك، فقد قطع اجتماعه مع مؤسِّسَيْ إحدى الشركات الناشئة اللذين قدَّما نفسيهما باعتبارهما صديقين قديمين، عندما لاحظ أنهما يقاطعان بعضهما بعضا باستمرار وإلحاح شديد. بعد 6 أشهر من هذا الاجتماع، بلغه أن العلاقة بين المؤسسين انتهت والشركة الناشئة التي كاد أن يستثمر فيها قد انهارت. يقول: "كدتُ أستثمر أموالي في علاقة مُدمرة على وشك الانهيار". (5)

اللعب بالنار

 

حتى الآن، لم تُظهِر الدراسات الإدارية نتيجة واضحة بخصوص نوعية العلاقات السابقة بين مؤسسي الشركات، وهل وجود علاقة اجتماعية يعني بالضرورة انهيار الشراكة. ولكن بحسب الدراسة التي وردت في كتاب "معضلات المؤسس"، فإن الهيكل البنائي للكثير من الشركات الناشئة يكون أكثر استقرارا عندما يكون فريق التأسيس أشخاصا غرباء عن بعضهم بعضا، فقط يعرفون بعضهم بشكل كافٍ، يجمع بينهم مهارات وعلاقات عمل وخبرات مشتركة، وليس بالضرورة صداقة عميقة سابقة.

علَّلت الدراسة السبب بأن الغرباء أو المُتعارفين الجدد عادة لا يرفعون سقف توقعاتهم بشكل كبير فيما يخص بعضهم بعضا، وليس لديهم مخاوف أو تحرُّج من تعرُّض علاقاتهم الشخصية للخطر أو الانتهاك، وبالتالي يكون لديهم مساحة أكبر للنقاش حول المشكلات أو الأخطاء أو التفاصيل التي تتعلَّق بإدارة الشركة واتجاهاتها.

في المقابل، يكون الأصدقاء القدامى أكثر حذرا وحيطة في فتح الموضوعات الحساسة، والنقاشات المتصاعدة خوفا من تأثير اختلافات وجهات النظر على علاقتهم الشخصية العميقة، فضلا عن أنه في معظم الأحوال تكون رؤية الأصدقاء للأداء المهني لبعضهم البعض غير واضحة ويشوبها الكثير من المبالغة أو المجاملة.

لذلك، يقترح نعوم واسرمان ضرورة أن يكون هناك لقاءات عديدة بين الأصدقاء الذين ينوون إطلاق شركة تجارية معا لمناقشة تفاصيل كل جانب من المشروع تفصيليا، وجميع الإجراءات الاحترازية بشكل قانوني ورسمي وموثَّق بعيدا عن جوانب حياتهم الشخصية أو صداقتهم العميقة. ووصف واسرمان أن الشراكة بين الأصدقاء في عمل تجاري، رغم أنها تشيع جوا من الدفء والاطمئنان، فإنها أيضا أشبه بـ"اللعب بالنار"، إما تقود إلى تأسيس فريق عمل مميز، وإما تؤدي إلى انهيار الشراكة وأيضا انهيار الصداقة! (3)

حل معضلة الشريك المؤسس

(شترستوك)

أصبح من المتعارف عليه خلال السنوات الماضية، أن تأسيس شركة ناشئة (ستارت أب) يعني بالضرورة أن هناك فريقا مؤسسا (Founding Team) لهذه الشركة، وليس مؤسسا واحدا (Solo Founder). وتظل واحدة من أكثر النصائح شيوعا بين المستثمرين وأصحاب الصناديق الاستثمارية المخاطرة عندما يجدون شخصا واحدا مؤسسا لشركة واعدة: اذهب واعثر على شريك مؤسس (Co founder) ثم عُد إلينا مرة أخرى!

الأسباب كثيرة، تبدأ من تنويع المهارات في فريق التأسيس، ومرورا بالعصف الذهني المستمر الذي يساهم في بلورة أفكار أكثر قوة وانتشارا، وأيضا توزيع المهام بين المؤسسين وتغطية كلٍّ منهما للآخر إذا حدثت طوارئ من أي نوع، وتخفيف الأحمال على المدير التنفيذي. إلى جانب كل هذا، وبحسب أحد المستثمرين الإنجليز الذي استثمر في 12 شركة ناشئة خلال سنتين، فإن من الضروري وجود فريق مؤسس يتولى مسؤولية إدارة الشركة إذا تعرَّض المؤسس الأساسي لحادث ومات تحت عجلات الحافلة! (5)

يُعزِّز هذا الاتجاه دراسة نُشرت في عام 2018، وجدت أن 80% من الشركات التي تأسست منذ عام 2005 حتى الآن، وتجاوزت قيمتها المليار دولار، لديها مؤسسان اثنان أو أكثر. بمعنى آخر، النسبة الساحقة من الشركات الناجحة أثبتت أن فريق التأسيس الذي يضم أكثر من مؤسس واحد يتيح الفرصة لإنجاح الشركات الناشئة. ولكن بحسب تعقيب لمجلة "هارفارد بزنس ريفيو" على هذه الدراسة، بعنوان "لا تشترِ أسطورة ضرورة وجود شريك مؤسس"، فقد قالت المنصة الإدارية الشهيرة إن وجود أكثر من مؤسس ليس "شرطا" لنجاح الشركة أيضا! (6)

(وكالات)

صحيح أن "غوغل" و"فيسبوك" و"إير بي إن بي" وغيرها من أهم الشركات التقنية العالمية بدأت بواسطة فريق من المؤسسين، لكن دعنا نتذكَّر أيضا أن "أمازون" عملاق التجارة الإلكترونية العالمي بدأت بمؤسس واحد هو جيف بيزوس، وأن "سبيس إكس" (SpaceX) بدأت بمؤسس واحد هو إيلون ماسك، وأن شركة "ديل" (Dell) للحواسيب الإلكترونية تأسست بواسطة مايكل دِل بمفرده، وشركة "تمبلر" و"إي باي" (eBay) وغيرها من الشركات التي تأسست بواسطة مؤسس فرد (Solo Founder) في بداية إطلاقها.

لذلك، كانت الدراسة الحديثة التي أصدرتها "هارفارد بزنس ريفيو" تؤكد أنه سواء كان هناك فريق تأسيس (Founding Team) في لحظة إطلاق شركة ناشئة، أو مؤسس واحد فقط (Solo Founder)، فالنقطة الأهم التي دعت لها المنصة هي ضرورة التركيز على التعاون مع ما وصفته بالمُنشئين المُشاركين (Co – Creators) أو الشركاء المُتعاونين الذين تعني بهم الصف الأول من الموظفين والإداريين الأوائل الذين سينهضون بالشركة في مرحلتها المبكرة، حتى لو لم تكن لهم صفة "المؤسس الشريك" أو لا يملكون حصصا ملكية كبيرة.

في النهاية، القاعدة في الشراكة هي أنه لا يوجد قاعدة، رُبَّ شراكة مع غريب، مُؤمَّنة بمواثيق العمل التجاري التي تحفظ عليكما حقوقكما كاملة، وتُوزِّع الأدوار والمهام، أفضل من شراكة مع صديق قريب. ورُبَّ شراكة مع صديق مُقرب، تؤدي إلى مشكلات وأزمات تخسر بسببها صديقك وأموالك. في كل الأحوال، كلما زادت النقاشات الجادة المتعمقة في التفاصيل قبل بدء المشروع، كان أفضل ليس فقط لمصلحة الشركة المأمول إنجاحها، وإنما لمصلحة الصداقة القديمة أيضا كي لا تتبدَّد!

________________________________________________

المصادر:

  1. قبل تأسيس شركتك.. فكِّر ألف مرة في اختيار شريكك
  2. 2The Founder’s Dilemmas
  3. ?Should you start a company with your friend
  4. Do Funders Care More About Your Team, Your Idea, or Your Passion?
  5. Fighting co-founders doom startups 
  6. Don’t Buy the Myth that Every Startup Needs a Co-Founder 
المصدر : الجزيرة