فن ركوب الأزمة.. هذه الشركات الأربعة حققت أقصى استفادة من الركود الاقتصادي

"المتشائم يشكو من الريح، والمتفائل يأمل في توقفها، أما الواقعي فيُعدِّل الأشرعة".

(ويليام آرثر وارد)

أبطِئوا من معدلات التوظيف أو أوقِفوها، استغنوا عن الوظائف غير الضرورية، قلِّلوا الإنفاق، أطيلوا فترة بقاء رأس المال لأقصى مدى ممكن، توقَّعوا دائما السيناريو الأسوأ في الأيام المُقبلة. هذه التوصيات الخمسة باختصار هي ملخص محتوى رسائل صناديق الاستثمار الجريء حول العالم التي تستثمر في الشركات الناشئة التقنية، مع تزايد معدلات التضخم العالمي وتأثيره المباشر على حركة الأسواق وتأسيس وبقاء الشركات.

بحسب "سي إن بي سي" (CNBC) الاقتصادية، فإن سوق الأسهم للشركات التقنية الناشئة في الأشهر الخمسة الأولى من عام 2022 يتجه إلى الهاوية، وبورصة ناسداك في طريقها لتحقيق ثاني أسوأ ربع سنة منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008. هذه الأرقام تقرع أجراس الإنذار، وتُعيد للأذهان الأزمة الشاملة التي شهدها العالم في الفترة ما بين 2008-2010، التي شهدت انهيار الكثير من الشركات حول العالم، وتسريح مئات الآلاف من الموظفين. (1)

ومع ذلك، ووسط هذا المشهد الكئيب الذي يبدو فيه الظلام مُطبقا، فإن أرشيف الشركات الناشئة الإبداعية يُعيد التأكيد مرة أخرى أن أفضل الشركات وأكثرها نجاحا وأسرعها نموا جاءت إلى الوجود من رحم الأزمة، وازدهرت وحققت أفضل انتصاراتها وسط العاصفة.

ميل شيمب.. رُبَّ ضارة نافعة

عندما تأسست خدمة التسويق بالبريد الإلكتروني الشهيرة "ميل شيمب" (Mailchimp) عام 2001، لم تكن الظروف مواتية على الإطلاق. وذلك لأن عام 2001 كان أحد الأعوام التي لا يمكن وصفها بالجيدة بالنسبة للشركات الناشئة، حيث كان المجتمع التقني الأميركي والعالمي يمرّ وقتئذ بأزمة ضخمة، هي أزمة "فقاعة الإنترنت" أو (dot com crash)، حيث انهارت مئات الشركات التقنية حول العالم التي كانت تعتمد على نمو الإنترنت، دون أن يكون لديها نموذج ربحي واضح.

هذا الانهيار أدى بالضرورة إلى تراجع التمويلات التي تستثمر في الشركات الناشئة التقنية، خوفا من فشلها أثناء تلك الفترة العصيبة. لذلك، عندما انطلقت "ميل شيمب"، لم يكن رائدا الأعمال المؤسِّسان لها، بين شيستنوت ومارك أرمسترونغ، يعتبران أنها شركة ناشئة بالأساس، بل مجرد منتج جانبي فرعي لشركتهم المتخصصة في تطوير مواقع الإنترنت، يساعدهم هذا المنتج في جمع بعض الإيرادات الشهرية.

لعدة سنوات، كان "ميل شيمب" يزدهر بين الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تطلب باستمرار خدمات بريد إلكتروني ثابتة وبسعر رخيص وبمزايا جيدة. ظل تركيز مؤسسي "ميل شيمب" على تحسين خصائصه ليتناسب مع الشركات بالتحديد، بنظام "الاشتراكات الشهرية"، حتى بدأت بوادر الأزمة المالية العالمية عام 2007، التي كانت تُمثِّل خطورة كبيرة للشركات الناشئة كافة، بسبب حالة الركود العالمي العنيفة التي تسبَّبت فيها هذه الأزمة.

بين شيستنوت Ben Chestnut (مواقع التواصل)

لم يكن أمام "ميل شيمب" طريقة لمواجهة الأزمة إلا بالتحوُّل إلى نموذج تجاري مختلف، وهو تحويل نظامها من خدمة مدفوعة بالكامل (Premium) إلى خدمة مدفوعة بمزايا مجانية (Freemium)، أي إن الجميع بإمكانه استخدام "ميل شيمب" مجانا للحصول على بعض الخدمات الأساسية، ثم التحوُّل إلى النموذج المدفوع للمزيد من الخدمات والإضافات الممتازة. المفاجئ أنه خلال عام واحد فقط، ارتفع عدد مستخدمي "ميل شيمب" -وقت الأزمة العالمية- من 85 ألف مستخدم إلى 450 ألف مستخدم، مُحقِّقة نموا هائلا لعلامتها التجارية في زمن قياسي.

وحتى الآن، تُعَدُّ "ميل شيمب" مثالا حاضرا دائما، ليس فقط في التأقلم مع متطلبات السوق المتغيرة، بل والاستفادة أيضا من تقلباته المفاجئة. على مدار سنوات، حققت "ميل شيمب" نموا متصاعدا في أعداد مستخدميها الذين تجاوزوا 14 مليون مستخدم، دون الحصول على أي تمويلات خارجية، حتى أُعلن عن الاستحواذ الكامل عليها بقيمة 12 مليار دولار في نهاية عام 2021. (2، 3)

إير بي إن بي.. الاستفادة من العاصفة

في عام 2008، كان الشبان الثلاثة بريان شيسكي وجو غيبيا وناثان بيلشاركيك يمضون وقتهم كله تقريبا في مراسلة المستثمرين، بحثا عن تمويل لفكرة مشروعهم الناشئة، ولا يتلقون أي رد. وإذا جاء الرد من مستثمر ما، فهو غالبا يحمل الرفض والاعتذار عن تمويل الفكرة، إما بداعي خوف المستثمر من التمويل بسبب الأزمة المالية العالمية، أو بسبب عدم التحمُّس لها.

حاول الشبان الثلاثة جمع تمويل مبدئي قدره 150 ألف دولار، مقابل حصة 10% من شركتهم الناشئة، لكن بلا جدوى. لم يكن أحد يريد أن يستثمر في تطبيق لتأجير الشقق أو المساحات الخالية، وبدا أن هناك ألف عيب في الفكرة، ليس أولها فكرة الأمان الشخصي، وليس آخرها احتمالات عزوف أصحاب الممتلكات عن تأجير ممتلكاتهم بهذا الشكل لغرباء بالكامل. كانت هذه هي الفكرة الأساسية للتطبيق الذي نعرفه جميعا اليوم، وهو تطبيق "إير بي إن بي" (Airbnb).

لكن في عام 2009، ومع اشتداد الأزمة المالية العالمية، التي بدأت أصلا من تفاقم مشكلة الرهن العقاري في أميركا، احتُضنت الفكرة بواسطة مُسرِّعة الأعمال العالمية "Ycombinator"، وطُوِّرت لكي تتماشى مع الأزمة بالضبط وتستفيد منها. فمع تراجع الطلب الشديد على الإيجارات المنزلية المنتظمة بسبب الأزمة المالية، بدا أن التطبيق يُقدِّم حلا أفضل وأسرع لأصحاب الممتلكات في الاستفادة المالية من ممتلكاتهم، بأشكال أكثر مرونة في تأجيرها بأنماط وأسعار مختلفة.

بعد مرور أشهر من إطلاق المشروع وتطويره، فوجئ الشبان الثلاثة الذين تقطَّعت بهم السُّبل أن فكرتهم تنمو نموا هائلا، بعكس الكثير من الشركات الناشئة الأخرى التي تعثَّرت في ذلك الوقت، وأن فكرتهم في الواقع تستفيد من أزمة ركود السوق ولا تتأثر بها. لاحقا، جمعت الشركة عددا من التمويلات، واستطاعت بعد 4 سنوات فقط أن تتوسع عالميا، لتصل قيمتها الآن بعد نحو 15 عاما من إطلاقها إلى نحو 100 مليار دولار. (4)

غروبون.. البحث عن الشيء الذي يريده السوق

في منتصف الأزمة المالية العالمية بالضبط، بنهاية عام 2008، كان العالم يمر بمرحلة ركود اقتصادي كبير مع تراجع النشاط الاقتصادي والأسواق العالمية، وكانت الشركات -خصوصا الصغيرة والمتوسطة- تقاتل حتى تكسب المزيد من العملاء الذين عزفوا عن الشراء بسبب الأزمة. لذلك، قرَّر أندرو ماسون تأسيس شركة ناشئة تلبي مطالب السوق في هذا التوقيت بالضبط.

كانت الفكرة الأساسية للشركة هي الربط بين الشركات في مختلف القطاعات وبين العملاء، عبر عدد من الخصومات والعروض المميزة المحفِّزة للشراء "كوبونات". لم تكن الفكرة جديدة على الإطلاق، بل هي فكرة شائعة ومنتشرة بالطبع، ولكن تركيز الشركة كان على تسهيل التواصل بين العملاء والشركات، وإنهاء الصفقات بشكل أسرع وأكثر أمانا ومصداقية. قرَّر ماسون أن يطلق على شركته اسم "غروبون"، وهي كلمة تجمع بين كلمتَيْ: "جروب" (Group) و"كوبون" (Coupon).

كانت الصفقة الأولى التي عقدتها "غروبون" بعد إطلاقها هو عرض خصم لصالح أحد مطاعم البيتزا، حيث قدَّمت عرضا بشراء 2 بيتزا بسعر واحدة فقط. كان البائع مطعما بسيطا في شيكاغو، وكان المشتري أحد الزبائن في أحد الفنادق القريبة. لاحقا، وبعد عام ونصف من هذا العرض البسيط، نمت "غروبون" بسرعة هائلة، حيث ارتفع عدد موظفيها إلى 350 موظفا، وارتفعت قيمتها إلى مليار دولار في غضون 16 شهرا، بسبب الإقبال الكبير من الشركات لتقديم العروض من جهة، والعملاء لشراء هذه العروض وتوفير المال من الجهة المقابلة.

بنهاية الأزمة المالية العالمية في أواخر 2010، وفي الوقت الذي كانت الساحة فيه مليئة بجثث الشركات الناشئة التي سحقها الركود الاقتصادي، كانت شركة "غروبون" تُحقِّق نموا كبيرا، وتربَّعت على قمة هرم الشركات المتخصصة في تقديم العروض اليومية. هذا النمو ساعد الشركة على الذهاب إلى اكتتاب عام "IPO" في نهاية عام 2011، لترفع رأس مالها إلى 700 مليون دولار، وتُعَدُّ ثاني أكبر اكتتاب عام في ذلك الوقت بعد اكتتاب غوغل سنة 2004. (5)

غلاس دور.. الاستفادة من أزمة التوظيف

في عام 2007، وأثناء نقاش عادي بين الزميلين تيم بيس وروبرت هوهمان، ذكر هوهمان موقفا يبدو طريفا أثناء عمله في مؤسسة "إكسبيديا"، حيث كان يعمل في إحدى إدارات التوظيف، وترك عن طريق الخطأ نتائج استطلاع الموظفين على أحد المكاتب، ولم يحتفظ بها في سجلها الخاص. طرافة الموقف أنه كان بإمكان أي موظف يمر من أمام المكتب أن يرى كل تقييمات مستوى الموظفين والمديرين في الأقسام كافة أمام عينيه، وهي ملفات في الغالب تكون سرية ويشاركها مديرو الموارد البشرية في الشركة.

تساءل كلاهما: ماذا سيحدث إذا انتشرت هذه النتائج ليُطالعها الجميع بالفعل، ونُشرت على شبكة الإنترنت؟ بالتأكيد سوف تساعد هذه البيانات الكثير من الباحثين عن الوظائف في تقييم الشركات التي يبحثون عنها أو يطلبون العمل فيها، بناء على آراء وتقييمات الموظفين الحاليين أو الموظفين الذين غادروها. كانت هذه اللحظة بالتحديد هي الفكرة الأولى لتأسيس منصة "غلاس دور" (Glassdoor) العالمية لتقييم الوظائف والشركات.

ثم كانت الفرصة الأكبر عندما وصلت الأزمة المالية العالمية إلى ذروتها عام 2008، وسُرِّح مئات الآلاف من الموظفين من وظائفهم، وامتلأ سوق العمل الأميركي والعالمي بالملايين الذين يبحثون عن وظائف أخرى بديلة. حصلت المنصة فورا على تمويل مبدئي بقيمة 3 ملايين دولار، وانطلقت مُركِّزة على جمع تقييمات من الموظفين حول الشركات ومستوى الرواتب فيها -بدون ذكر أسماء الموظفين الذين يكتبون هذه التقييمات-، ثم في النهاية بدأت المنصة تتجه إلى فتح الباب للبحث عن الوظائف.

كان التوقيت ممتازا، وهو ما جعل المنصة تحظى بشهرة كبيرة بين أرباب العمل والباحثين عن الوظائف على حدٍّ سواء، في فترة من أصعب فترات الركود الاقتصادي الذي خلق أزمة توظيف كبيرة في أميركا والعالم، ربما هي الأسوأ في القرن الحالي حتى الآن. نمت المنصة نموا متسارعا في السنوات اللاحقة، حتى استحوذت عليها شركة "ريكرويت" اليابانية القابضة عام 2018 بصفقة قيمتها 1.2 مليار دولار. (6)

في النهاية، يمكن القول إن التعريف العام للإنجاز خلال هذه الفترة الاقتصادية العصيبة حول العالم هو البقاء حيًّا، أو بحسب مُسرِّعة الأعمال العالمية الأشهر "سيكويا" (sequoia)، التأقلم مع الإعصار الحالي والصمود أمامه قدر الإمكان إلى أن تمر العاصفة دون أن تقتلع شركتك من جذورها. ومع ذلك، تبقى الأزمة هي "فرصة استثنائية" بالنسبة لبعض رواد الأعمال لتحقيق نمو كبير في وقت يصارع فيه الجميع لمجرد البقاء! (7)

________________________________________________________

المصادر:

  1. Start-up investors are warning of dark days ahead as boom times are ‘unambiguously over’
  2. Intuit confirms $12B deal to buy Mailchimp
  3. كيف تجعل مشروعك يربح أكثر؟ 8 طرق لتوليد الإيرادات للشركات الناشئة
  4. موقع Airbnb.. من فكرة "ساذجة" إمبراطورية عالمية بمليارات الدولارات
  5. GROUPON: From The Ashes Of A Dead Startup To A Billion-Dollar Company In 2 Years
  6. When Glassdoor was young: the early years
  7. Sequoia coaches start-ups to cut costs or face a ‘death spiral’ amid stock market slump, bleak economic backdrop
المصدر : الجزيرة