الأرباح قبل الأرواح.. أفلام تسلط الضوء على عوالم الفساد والصراعات بين الشركات

بلا شك، تبدو النظرة الأولى لعالم الأعمال مشوّقة للغاية؛ بذلات أنيقة، وحقائب عمل، ومبانٍ مرتفعة، أموال وصفقات، وأسهم وأرباح وخسائر، واقتحام أسواق واجتماعات رؤساء تنفيذيين. عالم مليء بالحركة والطموح والجموح، تقوده شركات كبيرة وناشئة تلفت أنظار الجميع وتجعله يبدو عالما مثاليا مناسبا لطموح كل شخص ينظر إليه من الخارج.

ومع ذلك، ومثل أي شيء آخر، هناك جانب مظلم لهذا العالم، جانب تفوح منه رائحة الفساد لتزكم الأنوف، وتعلو فيه المصالح على أي اعتبارات أخرى، لتتحوَّل المنافسة الشريفة إلى حروب مدمّرة بين الشركات قد تأكل الأخضر واليابس، ولا تتسبَّب فقط في تدمير المنافسين، بل تتسبَّب في أزمات اجتماعية واقتصادية وبيئية للمستهلكين والأسواق أيضا.

لحُسن الحظ، سلَّطت السينما عدساتها على هذا الجانب المظلم من عالم الأعمال، لتخرج لنا مجموعة من الأفلام والوثائقيات التي تكشف بعض تفاصيل هذا الوجه المختفي تماما وراء بريق الإعلانات والبيانات الصحفية الرسمية الهادئة، نستعرض بعضها في هذا التقرير.

 

في عام 2020، أطلقت شبكة "نتفليكس" مسلسلها الوثائقي المثير للجدل "المال القذر" (Dirty Money) الذي لفت أنظار الملايين حول العالم بسبب محتواه الصادم. المسلسل سلَّط الضوء على العوالم الخفية للشركات والمؤسسات الكبرى التي تُمارس فيها أسوأ أنواع الفساد، ليس فقط الفساد المالي، وإنما أنماط فساد أخرى تشمل الفساد البيئي والأمني والسياسي.

شركة "فولكس فاجن" الأنيقة للسيارات التي طالما ادَّعت أن سياراتها تعمل بالديزل النظيف حفاظا على البيئة، قبل أن يتضح تلاعبها بنِسَب الانبعاثات بصورة صاعقة، بحسب وصف "نتفليكس" ذاتها. ملياردير يعيش حياة ترف هائلة من وراء إمبراطورية للقروض التي يستهدف بها الفقراء ليزيد من معاناتهم. شركة أدوية تُحقِّق نموا هائلا يُثير حماس المستثمرين، حتى يكتشفوا أهوالا من وراء هذا النمو السريع، وغير ذلك من النماذج المظلمة.

استغلال موارد طبيعية عامة لصالح شركات معينة، شركات عملاقة تمارس غسيل الأموال على نطاق واسع بتواطؤ مع بعض الحكومات، ممارسات احتيالية لمصارف عملاقة جعلتها على قمة المصارف العالمية، هذه مجرد أمثلة لأنماط الفساد التي تكشفها السلسلة الوثائقية الممتعة المكوَّنة من موسمين، بإجمالي 11 حلقة.

في كل مرة تُصدر الجهات الأهلية في أميركا حملة جديدة لمحاصرة التدخين والتخويف من آثاره المدمرة، يهرع نيك تايلور رجل المبيعات المخضرم الذي يعمل لصالح إحدى أكبر شركات التبغ في أميركا لاحتواء آثار هذه الحملات، والعمل على إستراتيجيات تسويقية لامتصاص غضب الجمهور، وتلميع فكرة التدخين لشرائح أوسع من المجتمع مُستخدِما كل الطرق الإبداعية الوضيعة!

ترتفع الاحتجاجات رافعة شعارات حول أثر التدخين على الصحة ودوره في زيادة نِسَب أمراض السرطان المنتشرة حول العالم، فيُطلق نيك تايلور حملة تسويقية مضادة تظهر فيها شركات التدخين وهي تُقدِّم "خدمات اجتماعية" للمدارس والأطفال. يتعالى صوت المؤسسات الحكومية والأهلية ضد شركات التدخين، فيُطلق تايلور حملة تُظهِر نجوم السينما الكبار وهم يدخنون، بهدف جذب المزيد من الشباب للتدخين.

فيلم "شكرا لك على التدخين" (Thank You for smoking) أُنتِج عام 2005، وهو من بطولة الممثل الأميركي آرون إيكهارت الذي قدَّم واحدا من أفضل أدواره على الإطلاق. يُعتبر الفيلم واحدا من أهم الأفلام التي تُسلِّط الضوء على الجوانب المظلمة لإدارة شركات التبغ، التي استطاعت على مدار عقود الحفاظ على مكانتها ضمن أكثر الشركات تحقيقا للأرباح رغم التحذيرات الشديدة من التدخين وآثاره المدمرة. يشرح لنا الفيلم أيضا كيف استطاعت شركات التبغ النجاة من آلاف القضايا والاحتجاجات الصحية والطبية العالمية، بتسخير الوسائل المشروعة وغير المشروعة كافة من أجل تقويض خصومها.

حقَّق الفيلم نجاحا كبيرا وحظي بتقييم نقدي إيجابي، كما حصد العديد من الجوائز السينمائية الدولية، وما زال حتى الآن يُستخدم حالة دراسية سينمائية لما يحدث في كواليس عالم شركات التدخين العملاقة، مع التركيز على مُلصق الفيلم الإبداعي الذي يحوي عبارة تُلخِّص كل شيء: "نيك تايلور لا يُخفي الحقيقة، هو فقط يقوم بترشيحها (فلترتها)".

رائد أعمال متحمس وموهوب في المجال التقني، يذهب هو وفريقه لعرض مشروعه الريادي على أحد كبار المستثمرين في المجال، لكنه يُواجَه بالرفض والسخرية من صاحب الشركة الذي يرفض تمويل مشروعه، ولكنه في الوقت نفسه يُقرِّر أن يستغل ذكاء رائد الأعمال الشاب في مهمة أخرى أكثر تعقيدا: التجسس على الشركة المنافسة له في السوق وتسريب المعلومات حول منتجاتها السرية.

بعملية معقدة أشبه بعمليات الجاسوسية، تنجح جهود زراعة الشاب وتوظيفه في الشركة المنافسة، لكن رئيس الشركة يكتشف بمرور الوقت الدور الجاسوسي الذي يلعبه الشاب، ويُقرِّر أن يمنحه معلومات مغلوطة عن المنتجات التقنية التي تُطوِّرها شركته بهدف تضليل الشركة الأخرى. في النهاية، تنتظر كلًّا من مديري الشركتين المخضرمين مفاجأة من العيار الثقيل، وهي أن رائد الأعمال الشاب يتلاعب بهما معا لتحقيق مصلحته هو.

فيلم "بارانويا" (Paranoia) أُنتِج عام 2013، ويُعتبر من أشهر الأفلام بين أوساط رواد الأعمال التقنيين، حيث يُسلِّط الضوء على العالم الخفي لصراع الشركات التقنية ضد بعضها بعضا، وخيارات الحرب المفتوحة فيما بينها التي لا تتورَّع الشركات فيها عن استخدام الوسائل كافة -المشروعة وغير المشروعة- لتحقيق الريادة في السوق والتغلُّب على المنافس وسحقه.

بمُلصقه الذي يحوي عبارة أخَّاذة تقول: "أثناء الحرب بين الملوك، يمكن لبيدق واحد أن يُغيِّر مسار اللعبة"، جمع الفيلم بين الممثلين المخضرمين غاري أولدمان وهاريسون فورد في مواجهة الممثل الشاب ليام هيمسوورث، وعلى الرغم من عدم تحقيق الفيلم لنجاح جماهيري في شباك التذاكر، فإنه يشغل مكانا دائما في ترشيحات الأفلام التي تتناول عالم صراعات الشركات وجوانبه الخفية، وإن كان يحمل مبالغات درامية في كثير من مشاهده.

بدت الفكرة التي قفزت في عقل "سكات" أكثر من ممتازة: مشروب غازي مدهش ومختلف تماما عن الموجود في السوق، وقادر على أن يقلب قواعد اللعبة تماما، وبالطبع قادر على أن يجعل سكات مليونيرا في زمن قياسي. يتوجَّه الشاب المتحمس إلى واحدة من أكبر الشركات المتخصِّصة في صناعة المشروبات الغازية، ويسعى لمقابلة مسؤولة التسويق في الشركة ويتمكَّن بالكاد من تحديد موعد معها لعرض فكرته.

بعد رحلة شاقة من السعي، ينجح الشاب في عرض فكرته المميزة على الطاقم الإداري للشركة، الذي يوافق على شراء حقوق الفكرة منه مقابل مليونَيْ دولار. ومع سعادته بأنه أصبح فجاة مليونيرا، يقطع سعادته سؤال لم يخطر على باله من قبل: هل سجَّلت فكرتك في مكتب براءات الاختراع والعلامات التجارية، حتى نتمكَّن من شراء حقوقها منك؟ يتذكَّر سكات أنه لم يفعل هذا الإجراء، ويركض سريعا ليصل إلى أقرب مكتب لتسجيل براءات الاختراع، لتُفاجئه الموظفة أن هذه العلامة التجارية سُجِّلت منذ 10 دقائق فقط!

مَن سرق الفكرة وسجَّلها باسمه قبل أن يصل سكات إلى المكتب بعشر دقائق فقط؟ صديقه في الغرفة الذي حكى له فكرة المشروع واسم العلامة التجارية بشكل عابر، بادر هو بتسجيل العلامة التجارية باسمه ليتمكَّن هو مَن بيع "البراند" للشركة نفسها التي تعاقدت مع سكات وعرضت عليه مليونَيْ دولار. المسألة كلها مسألة ورق وإثباتات قانونية، والشركة لا يهمها مَن أثبت أحقيته بالفكرة، المهم أن تشتريها.

كانت هذه هي مقدمة فيلم "المشروب" (Syrup) الذي أُنتِج عام 2013، ورغم أن الفيلم لم يُحقِّق نجاحا جماهيريا كبيرا، فإنه يُعتبر من ضمن الأفلام المهمة التي تُشير إلى إحدى أكثر مخاوف رواد الأعمال كابوسية، وهي سرقة الأفكار غير الموثَّقة، واستفادة آخرين من من أفكارهم واستبعادهم منها فقط لأنهم يُجيدون لعبة الأوراق القانونية.

تعمل مارلا مسؤولة تنفيذية في شركة خدمات مجتمعية تهتم برعاية كبار السن الذين يعيشون بمفردهم، وتذهب إلى ساحات القضاء لتُقنع القُضاة بالموافقة على قيام شركتها برعاية كبار السن في المدن المختلفة بأميركا، وتُقدِّم الظروف والأدلّة والأوراق التي تُثبت للقضاء أنهم بالفعل يحتاجون إلى رعاية حتى دون موافقتهم هم أنفسهم. يوافق القاضي على هذه المهمة النبيلة، ليبدأ الوجه الحقيقي لمارلا وشركتها في الظهور.

مقابل الحجر عليهم ورعايتهم، تستولي مارلا وشركتها على أملاك كبار السن كافة بحجة تسديد نفقات الرعاية التي يتلقّونها. وكلما حاول أحد كبار السن أو أفراد عائلته الاحتجاج قضائيا على هذا الموقف، تُبرز مارلا وشركتها من الأوراق ما يُثبت سلامة موقفهم القضائي، إلى أن ينتهوا تماما من الاستيلاء على أملاك الضحايا تحت مظلة "توفير الرعاية الصحية لهم". لكن الأمور لم تسر على ما يرام، ويتضح أن إحدى ضحايا مارلا هي والدة واحد من كبار مجرمي المافيا.

يُعَدُّ الفيلم واحدا من أهم أفلام الإثارة والغموض وأشهرها الذي عرضته "نتفليكس" مؤخرا، وهو من بطولة الممثلة البريطانية الشهيرة روزاموند بايك، وتأليف وإخراج جي بلاكسون. ورغم أنه فيلم إثارة بالأساس، فإنه يُسلِّط الضوء أيضا على نموذج المؤسسات التي تُقدِّم نفسها بوصفها مُقدِّمة للخدمات الاجتماعية، ولكنها في الحقيقة تمارس أسوأ أنواع الاحتيال والسرقة على الناس وبحماية مباشرة من القوانين.

لا يمكن أن نُرشِّح قائمة أفلام تتناول فساد الشركات والجوانب المظلمة للصراعات فيما بينها على حساب المستهلكين دون وضع "ذئب وول ستريت" (The Wolf of wall street) ضمن ترشيحاتها. يُقدِّم الفيلم قصة حقيقية لـ "جوردان بيلفورت"، الشاب الطموح الذي عمل في بداية حياته في وول ستريت، واكتسب مهارات المضاربة في سوق الأسهم، ليُقرِّر لاحقا أن يستغل كل ما تعلَّمه من مهارات لتأسيس شركة وهمية للاحتيال على الملايين.

خلال سنوات، وعبر استغلال مهاراته في التحفيز، يتمكَّن بيلفورت من تكوين فريق عالي الكفاءة من رجال المبيعات الذين يؤسِّسون شركة لتداول أسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة بشكل غير قانوني، ومن ثم حصد أرباحا طائلة تُقدَّر بملايين الدولارات تضيع جميعها هباء في نمط حياة فاسد يقوده جوردان بيلفورت نفسه. في النهاية، تسقط شركة بيلفورت في يد الشرطة، ويُحاكَم بتهمة الاحتيال على ملايين الأشخاص، ويتلقى عقوبة بالسجن لمدة عامين.

الفيلم أُنتِج عام 2013، من بطولة النجم العالمي ليوناردو دي كابريو وإخراج المخرج الشهير مارتن سكورسيزي. حاز الفيلم على أرباح هائلة ومشاهدات ضخمة، كما نال تقييما نقديا إيجابيا، وما زال يُعتبر حتى الآن واحدا من أهم أفلام "فساد الأعمال" (Business Corruption).

عندما حصلت إيرين بروكوفيتش على وظيفة أنقذتها من البطالة في مكتب محاماة، شعرت أن الحياة تبتسم من جديد. السيدة الثلاثينية التي تعول 3 أطفال، وتعاني من حياة مضطربة بسبب حِدَّة لسانها وعنفها، كان لا بد لها أن تحصل على وظيفة جيدة، تعهَّدت بعدها أنها لن تتسبَّب في مشكلات كبيرة، وأنها ستحاول قدر الإمكان أن تلتزم بأداء الأعمال بهدوء.

لكن ذلك لم يحدث أبدا، فلم تمر بضعة أيام حتى وقعت في يد إيرين بروكوفيتش ملفات تُشير إلى أن شركة "باسيفيك" العملاقة للكهرباء والغاز في بلدة هينكلي في ولاية كاليفورنيا تُخفي حقائق خطيرة حول تسبُّبها في تلوث المياه في المدينة بمواد مسرطنة شديدة الخطورة، وأنها تُعرِّض حياة الملايين للخطر. تبدأ المحامية المشاغبة في إشعال القضية ضد الشركة التي تحاول طول الوقت تحييدها عن الاستمرار في القضية، لكنها تتمكَّن في النهاية من ربح القضية وانتزاع حكم قضائي بتعويض هائل قيمته 333 مليون دولار للمرضى والضحايا في المدينة.

فيلم "إيرين بروكوفيتش" أُنتِج عام 2000، بطولة النجمة الأميركية جوليا روبرتس التي حازت جائزة أوسكار أفضل ممثلة عن دورها في تجسيد شخصية إيرين ضمن القصة الواقعية التي حدثت بالفعل في كاليفورنيا. الفيلم يكشف جوانب مظلمة من فساد الشركات التي تسعى لإخفاء تورُّطها في تسريب سموم ومواد مسرطنة تسبَّبت في مرض مئات الأشخاص وموتهم، وذلك للحفاظ على أرباحها التي تُقدَّر بمليارات الدولارات سنويا.

أخيرا، يبدو أن أفضل عبارة تصف عالم الصراع بين الشركات وجوانبه المظلمة التي تتجاوز المنافسة إلى الفساد والتدمير والاحتيال هي العبارة التي طُبِعت على مُلصق فيلم "مكالمة هامشية" (Margin Call): "في هذا العالم، كُن الأول.. كُن الأذكى.. أو غش". حسنا، يبدو أن تلك المقولة تختصر بالفعل كل شيء.

المصدر : الجزيرة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة