إبداع تحت القصف.. كيف خلق الحصار جيلا مبدعا من رواد الأعمال في غزة؟

"في غزة، لدينا الكثير من اللاشي، وما أسعى إليه هو صنع شيء من هذا اللاشيء. عندما يُعزَل مجتمع عن العالم الخارجي، فما الشيء الذي سنكون في حاجة إليه؟ بالطبع التفكير خارج الصندوق، خارج الصندوق بكثير".

بهذه الكلمات افتتحت المهندسة ورائدة الأعمال الفلسطينية "مجد مشهراوي" حديثها على مسرح "تيد" في محاضرة ألقتها عام 2018، روت خلالها طرفا من جوانب "الإبداع الإجباري" لروّاد الأعمال في قطاع غزة المحاصر والمُكتظ بكثافة سكانية تقارب المليوني نسمة. لم تكن "اللاشيء" التي بدأت منها الريادية الشابة، بحسب وصفها، سوى بقايا الأنقاض والركام الذي يخلّفه القصف المستمر للطائرات الإسرائيلية على مباني القطاع على مدار سنوات طويلة.

 

مهلا، فهذه العبارة ليست مجازية، بل حقيقية تماما. كان السؤال الرئيسي الذي سعت مجد للجواب عنه هو: هل يمكن تدوير بقايا الأنقاض وركام المباني المتهدّمة مرة أخرى وتحويلها إلى خرسانات قابلة للبناء، بدلا من الاعتماد على المكوِّنات التقليدية للبناء التي عادة ما تكون مُكلفة للغاية وتحتاج لاستيرادها من الخارج تحت تضييق مستمر للاحتلال على إدخال مواد البناء اللازمة إلى القطاع؟

 

بدأت المهندسة الشابة، المتخرجة في قسم الهندسة المدنية بالجامعة الإسلامية بغزة، في إجراء اختبارات عديدة للوصول إلى صناعة "قالب طوب فعّال صديق للبيئة وبتكلفة أقل"، فبدأت باستخدام الورق لحشو الطوب بدلا من الزلط، فلم تنجح، ثم استخدمت مسحوق الزجاج بدلا من الأسمنت، فلم تنجح، ثم في النهاية وبعد 150 محاولة فاشلة -بحسب "مشهراوي"- تكللت مجهودات المهندسة الشابة بالنجاح من خلال استخدام رماد حرق قوالب الطين بديلا عن الأسمنت في صناعة قوالب الطوب.

بدأت "مجد" مع فريق عملها في جمع الأنقاض من أنحاء غزة كافة، ثم مزجها بالرماد وتشكيلها على هيئة قوالب مُعالَجة بتيارات من المياه، ليكون الناتج قوالب طوب فعّالة خفيفة الوزن ومماثلة لقوة الأحجار العادية، فضلا عن كونها صديقة للبيئة، وهو السبب في تسميتها بـ"العجينة الخضراء (Green Cake)"، والتي يمكن استخدامها في إعادة بناء ذات الطابع القديم والجديد، بل وتشييد مباني جديدة بالكامل.

 

في عام 2015، تأسست شركة "غرين كيك" الناشئة بواسطة مجد مشهراوي وروان عبد اللطيف بوصفها مشروعا جامعيا لقي دعما من مشروع "مبادرون" لاحتضان الأفكار الريادية الشبابية الإبداعية، وترشح للدورة العاشرة لمسابقة الشركات العربية الناشئة التي نظمها معهد "MIT"، كما حصل على المركز الأول في مسابقة تحدي "اليابان-غزة" في عام 2016. واستطاعت الشركة توفير فرص عمل وتدريب لعدد كبير من الخريجين الجدد، فضلا عن إعادة بناء عشرات المنازل والبيوت المهدّمة في القطاع. (1 ، 2)

 

رائدة الأعمال "مجد مشهراوي"

يظل انقطاع الكهرباء لفترات طويلة إحدى المشكلات الرئيسية التي يعاني منها سكان قطاع غزة، ففي ظل تدمير وغياب وسائل توليد الطاقة الكهربائية اللازمة لتغطية احتياجات السكان الأساسية، تصل المدة التي يعمل فيها التيار الكهربائي في المنازل إلى حوالي 3 أو 4 ساعات فقط، وهو ما أدى إلى أزمة كبيرة في القطاع في كل النواحي، سواء الاقتصادية أو الصحية أو الإنسانية.

 

بعد عودتها من منحة حصلت عليها في اليابان عام 2017، قررت رائدة الأعمال "مجد مشهراوي" تأسيس شركتها الناشئة الجديدة باسم "صندوق الشمس (Sunbox)"، بهدف توليد طاقة كهربائية من خلال الطاقة الشمسية. استطاعت الشركة الناشئة أن تعيد تصميم جهاز، تُستورَد أجزاء منه من الصين، وتعديله تقنيا ليناسب احتياجات السوق الغزي، حيث يمكن للسكان وضعه على أسطح المنازل وشحنه بالكامل خلال 3 ساعات فقط لتوليد طاقة كهربائية بسعة ألف كيلو واط، وهي طاقة لا تغطي -فقط- احتياجات الإنارة، بل يمكن استخدامها أيضا في تشغيل الحواسيب المحمولة والهواتف والاتصال بالإنترنت وتشغيل الأجهزة الإلكترونية المختلفة.

 

ومع ذلك، ظهرت تحديات متعلقة بتكلفة الجهاز وارتفاع سعره بشكل يجعل من الصعب أن تتحمّله الأسرة الغزية بمفردها، ما دفع الشركة إلى إطلاق حملة تشاركية تتيح إمكانية اشتراك كل عائلتين أو ثلاث عوائل في جهاز واحد واقتسام السعر فيما بينهم لتغطية احتياجاتهم من الكهرباء بشكل متساوٍ، وهو ما جعل الفكرة تنتشر بشكل ملحوظ، وتنجح في إمداد مئات العائلات بالطاقة الكهربائية المستمدة من الطاقة الشمسية. ( 1 ، 2 ، 3 )

نموذجا أولياً لمشروع أول سيارة تعمل بالطاقة الشمسية في قطاع غزة

بالمثل، ومن باب أن "الشمس لا يمكن حجبها أو محاصرة دخولها إلى القطاع"، أطلق الشابان "جمال الميقاتي" و"خالد البردويل" نموذجا أولياً لمشروع أول سيارة تعمل بالطاقة الشمسية في قطاع غزة، في محاولة لمواجهة نقص الوقود وأزمة الطاقة، حيث تعتمد السيارة بالكامل على التشغيل بواسطة ألواح الطاقة الشمسية. المشروع جاء بدعم من جامعة الأزهر في غزة، واعتبر بمثابة تفكير خارج الصندوق لمحاولة تجاوز أزمة الطاقة، ومقدمة لصناعات أكبر تعتمد على توسيع استخدام الطاقة الشمسية في القطاع. ( 4 )

 

لا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة إلى الريادي الغزي "محمد أبو مطر" الذي قرر في عام 2015، بالتعاون مع مجموعة من المطوّرين، إطلاق شركته الناشئة للطباعة ثلاثية الأبعاد "تشكيل (Tashkeel 3D)" لصناعة الأدوات، خصوصا الطبية منها، في ظروف يمكن وصفها بالمستحيلة. فتَحْتَ حصار خانق مستمر على مدار سنوات طويلة، كان من المستحيل تماما أن يُسمح باستيراد أجهزة طباعة ثلاثية الأبعاد، ناهيك باستيراد بعض المكوِّنات والقطع الإلكترونية المهمة للصناعة.

 

لجأ الرياديون في الشركة الناشئة إلى تصنيع جهاز طباعة ثلاثية الأبعاد محليا عبر الاعتماد على أجهزة الفاكس القديمة وطابعات الأوراق المستعملة. ورغم صعوبة التوصل إلى نتائج بهذه الأدوات، استطاعت الشركة التوصل إلى تصميمات فعّالة لجهاز طباعة ثلاثي الأبعاد، واستطاع الفريق إنجازه بالفعل بشكل كامل، وهو ما جعل الشركة قادرة على إنتاج عدد كبير من المستلزمات البلاستيكية، خصوصا ذات الطابع الصحي، لتغطية النقص الكبير في هذه المستلزمات داخل القطاع.

 

في حواره مع ميدان، قال أبو مطر إنه بالرغم من الصعوبات التي تواجهها شركته، فإنها استطاعت التعاون مع عدد من الجهات الطبية داخل القطاع، لإنتاج أكثر من 3 آلاف قطعة من أحزمة وقف النزيف، وصناعة أقنعة لمعالجة الحروق لصالح مؤسسة أطباء بلا حدود، وغيرها من المنتجات التي أسهمت في توفير احتياجات أساسية، خصوصا في المجال الطبي.

في 18 مايو/أيار 2021، تعرض مقر الشركة للقصف بواسطة الطائرات الإسرائيلية، وسُوّي مبناها كله بالأرض. يقول محمد أبو مطر: "دُمِّر المبنى بالكامل ولم يبقَ منه أي معدات بعد سنوات طويلة مرهقة من العمل". واستطرد قائلا: "لا أكاد أصدِّق ما حدث، ما زلت مصدوما ولا أعي الأمر تماما، إلا أنه لا خيار أمامي سوى العودة مرة أخرى لتأسيس الشركة من الصفر بعزيمة أكبر"، مشيرا إلى أنه أطلق بالفعل حملة للتمويل الجماعي عبر منصة "Go get funding" لإعادة بناء شركته ومختبره وتشغيله بأفضل ما يكون. ( 5 ، 6 )

 

"اليهود بتسكِّر واحنا بنخترع، فاحنا معهم لآخر نفَس، لازم نعيش رغم الحصار!"

– عبد الله الرضيع، فني إطارات في قطاع غزة

على مدار سنوات الحصار الطويلة لقطاع غزة، ارتفعت أسعار إطارات الدراجات النارية والهوائية والكراسي المتحركة بمعدل جنوني، حيث ارتفع سعر الإطار الواحد من 80 شيكلا بالمتوسط إلى حوالي 900 شيكل، مع تشديد قيود استيراد المواد والإطارات الهوائية إلى القطاع بواسطة الاحتلال الإسرائيلي. هذا الوضع تسبب في أزمة كبيرة في القطاع، خصوصا مع سوء الأرضيات التي تؤدي إلى تلف الإطارات الهوائية باستمرار وضرورة تغييرها من وقت لآخر.

 

عبد الله الرضيع، فني كاوتشوك فلسطيني مقيم في غزة، لاحظ هذه المشكلة، وعمل على مدار 3 سنوات على إيجاد حل مناسب لها، إلى أن توصل إلى ابتكار إطارات "بدون هواء" يمكنها السير فوق المسامير والأجسام الحادة أو أي نتوءات بارزة دون أن تتأثر على الإطلاق، وهو ما اعتبر حلا لافتا لواحدة من أهم المشكلات التي تواجه القطاع المزدحم بالدراجات السريعة والكراسي المتحرّكة.

 

طوّر الرضيع هذه الإطارات باستخدام مواد كيميائية جمعها من المخلفات والنفايات، واستطاع أن يحشو بها الإطارات الهوائية بشكل جعلها تكتسب درجة كبيرة من الصلابة، وتحمل أوزانا ثقيلة ولا تتأثر بالنتوءات البارزة، وتتحمل عمرا أطول من الاستهلاك حتى لو كانت تالفة، كل ذلك بتكلفة أقل بكثير من تكلفة الإطارات الهوائية العادية التي أصبح دخولها للقطاع محظورا، ما يتيح لهذه الإطارات العمل ومقاومة سوء الأرضيات لسنوات طويلة دون الحاجة إلى الاستبدال. ( 7 )

 

مع تدهور الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة على مدار سنوات الحصار، ومع صعوبة تنفيذ المشاريع الناشئة لغياب الخبرات ورؤوس الأموال، كان من الطبيعي أن تظهر في القطاع عدد من المبادرات الفعّالة التي تحتضن المشروعات الريادية الناشئة وتدعمها للظهور إلى النور، في ظل النقص الحاد للمتطلبات الأساسية لتكوين شركات ناشئة مُبتكرة، خصوصا في محاور التمويل والدعم الفني والإرشاد التقني.

 

كانت حاضنة الأعمال والتكنولوجيا "BTI"، التابعة للجامعة الإسلامية في غزة والتي تأسست في عام 2006، واحدة من أوائل حاضنات الأعمال التي شهدها القطاع بهدف دعم مشروعات التخرج والمشروعات الطلابية الناشئة. بشراكة مع عدد من صناديق الاستثمار المحلية والعالمية مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، استطاعت الحاضنة على مدار سنوات من النشاط أن تسهم في إطلاق عدد من المشروعات الناشئة والصناديق الداعمة للشركات في القطاع، مثل مشروعي "Golance" و"work online" لدعم العمل الحر والمستقلين في غزة، ومشروعي "10X" و"Spark" لتدريب روّاد الأعمال ورعايتهم، ومشروع "Seed" لتمويل الشركات الناشئة، وأيضا مشروع "Shetech" لتدريب رائدات الأعمال في القطاع وتأهيلهن، ومشروع "ريادة" الذي أسهم في دعم عدد من المشروعات الناشئة. ( 8 )

 

أما حاضنة "يوكاس" التي انطلقت عام 2011 بمبادرة من الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية في قطاع غزة، فقد أخذت على عاتقها تقديم الدعم للشباب الخريجين لتنفيذ أفكارهم الريادية في قطاع التكنولوجيا بالتحديد. تعاونت الحاضنة مع عدد من المؤسسات الدولية لتقديم التمويل اللازم لدعم المشروعات الناشئة في القطاع، وتقديم خدمات التدريب على مهارات ريادة الأعمال للشباب في مجالات التسويق ودراسات الجدوى، فضلا عن تقديم مساحات العمل المشتركة. منذ انطلاقها، أسهمت "يوكاس" في دعم العشرات من المشروعات الريادية الناشئة في القطاع.

في عام 2011 نفسه، تأسس مشروع "غزة سكاي جيكس (Gaza Sky Geeks)" بوصفه واحدا من أهم المشروعات الحاضنة لحركة ريادة الأعمال في قطاع غزة، بالتعاون بين مؤسستي "ميرسي كور" وجوجل بهدف دعم أصحاب المشروعات الناشئة في غزة، وتكوين شبكة من الرياديين داخل القطاع وإيصالهم بشبكة رواد الأعمال حول العالم. قدمت المبادرة مساحة أعمال مشتركة ودورات تأهيلية لرواد الأعمال والمستقلين، ثم بدأت في تقديم خدمات تسريع النمو للشركات الناشئة في القطاع.

 

تعتمد "غزة سكاي جيكس" على التبرعات وحملات التمويل الجماعي، واستطاعت على مدار سنوات أن تقدم خدماتها لثلاثة فئات رئيسية: المؤسسين للمشروعات الناشئة، والمستقلين، والمبرمجين (Coders)، بنسبة مشاركة 50% للنساء. ومع تعاونها مع مؤسسات محلية وإقليمية مختلفة، تركز المبادرة على كسر عُزلة مجتمع الرياديين في غزة عن العالم بسبب الحصار وضعف الإمكانات، واستخدام التقنية ركيزةً أساسية لحل مشكلات القطاع.

 

تأتي هذه الصورة البرّاقة لكفاح رواد الأعمال في قطاع غزة وسط مشهد قاتم من المشكلات والأزمات التي سببها الحصار على مدار 15 عاما. فبحسب مجموعة من الإحصائيات التي أعلنتها شبكة حقوق الإنسان الأوروبية المتوسطية في مطلع العام الحالي، تلامس نسبة البطالة في قطاع غزة حاجز الـ50%، أي إن واحدا من كل اثنين في القطاع يعاني من البطالة، مع ارتفاع معدلات الفقر التي تصل إلى 56% بين أبناء القطاع.

 

على المستوى الصحي، لا تبدو الأمور أفضل حالا، ففي عام 2022 ارتفع العجز في مخزونات الأدوية الأساسية في القطاع ليصل إلى 47%، مرتفعا عن نسبة 16% في عام 2005. وعلى المستوى التعليمي، يشهد القطاع نقصا حادا في المعلِّمين وأعداد الفصول الواجب توافرها. ( 9 ، 10 ، 11 )

في النهاية، يمكن القول بأن مناخ الابتكار والإبداع والتفكير الريادي، وعلى مدار 15 عاما من الحصار المُحكَم يتخللها العديد من الحروب والغارات الإسرائيلية، كان استثنائيا بكل المقاييس. دفعت الظروف الصعبة أبناء القطاع دفعا نحو الابتكار بلا خيارات أخرى، لكن المثير أن الدافع وراء هذا الابتكار لم يكن الرغبة في تحقيق النجاحات الفردية أو الجماعية كما يحدث في مجتمعات رواد الأعمال في أي مكان في العالم، حيث كان شعار "ابتكِر أو مُت"، معبرا حقيقيا عن طبيعة اللعبة الريادية التي وجد أبناء غزة أنفسهم في مواجهتها.

———————————————————————————–

المصادر

  1. مهندستان تصنعان طوب البناء من الرماد بغزة
  2. The Palestinian entrepreneur bringing power to Gaza
  3. Young Palestinian entrepreneur tackles Gaza’s most pressing issues
  4. أول سيارة تعمل بالطاقة الشمسية في غزة – الجزيرة نت
  5.  Israel Bombs Emergency Medical Equipment 3D-Printing Facility in Gaza
  6. Help Rebuild Gaza’s Only 3D Printing Medical Equipment Facility 
  7. شاهد: “إطارات بدون هواء” في قطاع غزة لمقاومة الحصار – الجزيرة مباشر
  8. مشاريع حاضنة الأعمال والتكنولوجيا 
  9. Gaza’s economy collapse during 15 years of blockade 
  10. Health sector deficit in gaza strip 2020
  11. Gaza dead zone : Education challenges 
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة