كيف استطاع "كلوب هاوس" أن يُحقِّق هذا الانتشار؟ الفومو كلمة السر

لا بد أن المرة الأولى التي سمعت فيها عن تطبيق "كلوب هاوس" (Clubhouse) كان من خلال منشور لصديق على فيسبوك، يقول إنه اشترك في التطبيق ويطلب من أصدقائه إضافته، في البداية تجاهلت الأمر لأنه غير مهم بالنسبة لك، ثم ظهر لك منشور من صديق آخر يخبرك أنه سجَّل في "كلوب هاوس" (Clubhouse). تغادر فيسبوك لتذهب إلى تويتر، لتجد التغريدات نفسها: أناس ينضمون إلى "كلوب هاوس" (Clubhouse)، وآخرون يطلبون الانضمام، وغيرهم يتحدثون عن حواراتهم الشائقة على التطبيق.

 

كلمة "كلوب هاوس" (Clubhouse) تحاصرك في كل مكان، الجميع يبدو أنه يذهب إلى هذا التطبيق الذي لا تعرف عنه أي شيء على الإطلاق، يبدأ الأمر في السيطرة على تفكيرك خاصة بعدما رأيت أصدقاءك المقربين يُسجِّلون في هذا التطبيق، ويعرضون تسجيلهم فيه بنوع ما من الافتخار، بينما أنت لا تفهم شيئا أصلا، لكن يبدو أن هناك شيئا ما، أو فرصة ما تُفوِّتها على نفسك بعدم الانضمام إلى هذا الشيء الجديد الذي لا تعرف مدى أهميته بالنسبة لك حتى الآن.

 

تهرع للتسجيل في هذا التطبيق، فتُفاجأ أن التطبيق يتطلَّب "دعوة" (Invite) للتسجيل فيه، فيزداد جنونك وشعورك أن الأمر مهم إلى درجة أنه يحتاج إلى دعوات، فتنطلق كالمسحور تبحث عن دعوة لدى أحد أصدقائك المشتركين بُغية الانضمام إلى مساحة تجهل كل شيء عنها باستثناء أنها ساحة للدردشة الصوتية. لكن كل ذلك لا يهم، المهم أن تُسجِّل الآن أولا ثم تبحث عن المعرفة بعد ذلك، فلا يمكنك أن تسمح لنفسك بتفويت الفرصة التي يسعى إليها الجميع.

 

هل حدث كل هذا أو بعضه معك؟ حسنا، أهلا بك في عالم "الفومو". (1)

 

ظاهرة الفومو (FOMO) هي اختصار لجملة "Fear of missing out"، أي الخوف من تفويت الفرصة، أو الخوف من الفوات. وعلى الرغم من كونها ظاهرة نفسية قديمة ومعروفة، فإن المصطلح انتشر انتشارا واسعا بداية من عام 2004 بواسطة المستثمر في قطاع الأسهم باتريك ماكجنيس الذي كتب مقالا نُشر في مجلة تابعة لكلية هارفارد للأعمال يتحدث فيه عن هذه الظاهرة، وعرّفها بأنها "الشعور بالقلق من إمكانية تضييع فرصة ما يبدو أن الجميع يتسابق عليها، والخوف من الندم على تفويتها دون حتى دراسة أهميتها والتعمُّق في تفاصيلها تعمُّقا كافيا".

 

الفومو يحدث حولك طيلة الوقت. تكون جالسا في منزلك، فتصلك رسالة من أحد أصدقائك أنهم سيجتمعون اليوم ليقضوا وقتا ممتعا، فتشعر بقلق خفي من أنك تُفوِّت فرصة جيدة للترفيه، تسير في أحد المراكز التجارية فتجد الجميع يُهرعون لشراء مُنتج معين عليه تخفيضات كبيرة، فتندفع معهم لشراء المنتج نفسه الذي لا تحتاج إليه، لا لشيء سوى تجنُّب شعور أنك قد فاتك شيء ما مهم يسعى وراءه الآخرون.

 

في عالم المال والاستثمار، تُعَدُّ ظاهرة الفومو ضيفا دائما. المثال الأشهر هو ما يحدث بعد اندفاع البعض لشراء أسهم بعينها في السوق، مما يُحفِّز الآخرين على الاندفاع لشراء الأسهم نفسها دون دراسة كافية، وبالمثل قد يحدث العكس أيضا، حيث يندفع الجميع لبيع سهم معين، دافعين جحافل من ورائهم إلى الاندفاع وبيع السهم أيضا. ونتيجة لذلك، فإن فكرة الشعور بالخوف من تفويت فرصة ما تكون حاضرة في عالم الأعمال أكثر بكثير من غيره من العوالم. (2، 3)

 

 

أنيتا سانز، العالمة المتخصصة في علوم النفس، سلَّطت الضوء على هذه الظاهرة من الناحية النفسية، من خلال سؤال وُجِّه لها على موقع "كورا" لمشاركة الأسئلة والإجابات. تقول سانز إن الخوف من فوات الفرصة ظاهرة قديمة قِدَم تكوين المجتمعات البشرية، حيث كان الضامِن الأساسي لبقاء الأفراد والمجتمعات البدائية يتوقَّف على تفقُّد المتغيّرات المحيطة باستمرار، للتعرُّف على الأخطار المُحدقة وتتبُّع مصادر الطعام والمياه، وكان تجاهل معلومات كهذه يُمثِّل فارقا حقيقيا بين الحياة والموت. بتعبير آخر، كان تفويت فرصة الحصول على معلومة جديدة يُعتبر أمرا مُهدِّدا للبقاء.

 

بمرور الوقت، واستقرار الإنسان في المجتمعات الزراعية، بدأ التوسُّع في نقل المعلومات وتداولها. ترى سانز أن ظاهرة "الخوف من تفويت الفرصة" تطوَّرت تدريجيا عبر التاريخ لتمتزج بمفاهيم إنسانية مثل الهويّة الجماعية، حيث كان من الصعب على الفرد أن يشعر بالاطمئنان إذا تخلَّف عن ركب قبيلته أثناء الترحال، وكان من الصعب على الفرد أن يخرج عن عادات وتقاليد قبيلته تحت أي مبرر، باعتبار أن بقاءه مع الجماعة هو الضامن لسلامته وبقائه بعيدا عن الأخطار.

 

بقدوم عصور الحضارة التقنية، وتغيُّر وسائل نقل المعلومات وظهور وسائل الإعلام مثل التلفزيون والصحف والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح تداول المعلومات مُغلَّفا بإطار تسويقي بحت غرضه إشعار المُتلقّي بأنه "سيفوته شيء ما" يسعى إليه المحيطون به إذا لم يفتح الرابط، أو إذا فوَّت شراء منتج أو خدمة معينة، أو إذا لم يستغل موسم التخفيضات الكبرى. لعبت الشركات والمسوِّقون بكفاءة على غريزة الفومو الراسخة في النفس البشرية منذ عصور، وأمعنت في إشعار الناس أنهم سيتعرَّضون للخطر أو الخسارة أو تفويت مكاسب حقيقية أو التخلُّف عن ركب أقرانهم إذا لم يفعلوا شيئا معينا. هذا الشعور -بلا شك- يُعتبر من أكبر المُحفِّزات التي تجعل الفرد يستجيب للدعاية المحيطة به، مندفعا تحت تأثير الفومو، دون أن يبذل وقتا كبيرا في التفكير والتحليل. (4)

 

تكشف الأرقام بوضوح أن شعور الفومو يُعتبر دافعا أساسيا وراء الكثير من قرارات الناس، خصوصا في أمور الشراء. فبحسب الإحصائيات، فإن نحو 65% من الناس يراودهم شعور الخوف من تفويت الفرصة في العديد من المواقف، ترتفع هذه النسبة إلى 70 % لدى جيل الألفية، أي إن 7 من كل 10 من مواليد الثمانينيات ومطلع التسعينيات يراودهم شعور الفومو.

 

تُخبرنا الإحصاءات أيضا أن الشعور بالخوف من تفويت الفرص كان السبب الأساسي في قيام 60% من الناس بشراء منتج أو خدمة معينة خلال 24 ساعة فقط من رؤيته، كما أن 56% من الناس قالوا إنهم يخشون من فوات فرصة ما أو حدث أو خبر مهم إن لم يدخلوا باستمرار إلى الشبكات الاجتماعية.

 

على مستوى الإنفاق، أكَّد 41% من الناس أنهم قالوا "نعم" لمنتج أو خدمة أو عرض معين فقط لأنهم شعروا بالخوف من إمكانية تفويته وعدم تكراره مرة أخرى، في حين أن 33% فقط منهم قالوا إنهم يأخذون شعور الفومو بالاعتبار قبل اتخاذ قرار بشراء منتج ما. (5، 6)

 

بالطبع، لم يكن من الممكن أن يُفوِّت إستراتيجيو التسويق فرصة ذهبية مثل ظاهرة الفومو الكامنة في سلوك المستهلكين في مختلف الأسواق. لا يمكن تفويت شعور كامن كهذا يدفع الناس دفعا إلى الشراء دون أن يمضوا وقتا كافيا في التفكير، ودون الحاجة إلى بذل جهد في إقناعهم بجودة منتج أو خدمة معينة أو مدى حاجتهم إليها من الأساس، فقط التركيز على الآليات الصحيحة لتنشيط الفومو الكامن في العميل المُستهدَف سوف يُسرِّع من إتمام عملية الشراء.

 

يمكننا القول -ولن نكون مبالغين في ذلك- إن أي مُسوِّق في أي مجال في أي سوق يتَّبع بعض هذه التكتيكات التسويقية بغرض تنشيط شعور الخوف من ضياع الفرصة لدى المستهلكين، وتحفيزهم أكثر على اتخاذ قرار الشراء.

 

  • أولا: أظهِر أن المنتج/الخدمة تحوز إقبالا كبيرا:

عندما تعرض خدمة أو منتجا مُعيَّنا للبيع، وتضع بجواره ما يدل على إقبال العملاء على شرائه، فإن ذلك يُحفِّز المزيد منهم للإقدام على الشراء بدورهم. لهذا السبب، من أشهر تكتيكات تسريع البيع عبر المتاجر الإلكترونية هو وضع المنتجات الأكثر مبيعا في أماكن ظاهرة على الصفحات الرئيسية للمتاجر، وبجوارها عدد مرات الشراء أو عدد مرات التحميل، فهذه الإستراتيجية تُعتبر بمنزلة دليل اجتماعي (Social Proof) قوي يدفع المزيد من العملاء إلى الاهتمام بشراء المنتج تحت تأثير الخوف من تفويت فرصة جيدة.

 

  • ثانيا: اشترِ قبل أن ينفد المخزون:

أحد أهم العناصر التسويقية التي تُفعِّل شعور الخوف من تفويت الفرصة لدى المشترين هي الإشارة إلى أن المنتج أو الخدمة المعروضة أمامهم قليلة أو نادرة الوجود، وأنه لا يوجد مخزون متوافر منها دائما، الأمر الذي سيُحفِّر زيادة الطلب لدى العملاء. لذلك، فإن المتاجر الرقمية كافة تقريبا تضع في وصف المنتج إشارة واضحة إلى عدد القطع المتبقّية المتاحة للشراء -وعادة ما يكون العدد محدودا بالطبع-، مما يُحفِّز المستهلك للتعجيل بقرار الحصول عليها قبل نفاد المخزون.

 

  • ثالثا: الوقت ليس في صالحك:

تُشابه هذه الإستراتيجية ما ذكرناه في العنصر السابق، لكنها تعتمد اعتمادا كبيرا على الوقت، حيث يُخبَر العميل أن عليه أن يشتري سريعا لأن الوقت ليس في صالحه، وأن العرض المُتاح أمامه سينتهي خلال ساعات أو أيام. لذلك، نرى أن بعض المتاجر الإلكترونية تضع شريطَ عدٍّ تنازلي بجانب المنتجات أو الخدمات المرغوب في تنشيط مبيعاتها، لتحفيز العميل المحتمل على الإسراع بالشراء دون الاستغراق طويلا في التفكير أو دراسة احتياجه إلى المنتج من عدمه.

 

  • رابعا: استخدم العروض الحصرية:

تُعتبر العروض الحصرية (Exclusivity) من أكثر تكتيكات التسويق المعتمدة على الخوف من تفويت الفرصة، لأنها دائما تلعب على عدة أوتار في الوقت نفسه، منها إشعار العميل أنه مُستهدَف بعرض خاص له، وتغذية إحساس أنه بحصوله على العرض قد انتزع فرصة يسعى إليها الآخرون دائما، ناهيك بتعزيز الشعور بأن العرض المُقدَّم له مؤقت وسينفد بانتهاء الوقت أو نفاد الكمية. لذلك، فإن تنسيق العروض الحصرية بلغة دعائية عالية الاحترافية، وبشكل لافت للعميل المُستهدف، يُعتبر من أكثر الأساليب التسويقية الدافعة لقرارات الشراء لدى شرائح كبيرة من العملاء.

  • خامسا: قدِّم عرضا محدودا للشحن المجاني:

تُشير دراسة صدرت في عام 2016 أن 90% (تسعة من كل عشرة) من العملاء الذين اشتروا قالوا إن الشحن المجاني كان أحد العوامل الأساسية التي دفعتهم لاتخاذ قرار الشراء بسرعة. السبب في ذلك أن العميل عادة لا يرتاح لدفع مصاريف الشحن -خاصة لو كانت مُكلِّفة- لأنه في كل الأحوال لا يستفيد منها استفادة مباشرة، وينصبّ تركيزه كله على جودة المنتج الذي يشتريه.

 

لذلك، فإن عروض الشحن المجاني تساعد جدا في زيادة اندفاع العملاء للشراء، على أن تكون مرتبطة بشروط مُحفِّزة للشراء السريع، مثل فترة زمنية محددة يشملها العرض، أو عند تجاوز المشتريات لرقم معيّن. هذه الإستراتيجية التسويقية تُعتبر من أنجح الطرق في اللعب على إثارة خوف العملاء من تضييع فرصة الحصول على شحن مجّاني إذا امتنعوا عن الشراء في الوقت الراهن، خصوصا إذا كان المنتج الذي يرغبون في شرائه مرتفع الثمن. (7، 8، 9، 10)

 

أخيرا، عندما يُهرع الجميع من حولك لشراء شيء معين، أو الاشتراك في تطبيق معين، أو استخدام خدمة معينة، فعلى الأغلب سوف يُعزِّز ذلك شعورك بأن شيئا ما يفوتك، وسيدفعك إلى الذهاب معهم حيث ذهبوا. يحتاج الأمر إلى قدر كبير من المقاومة للتغلُّب على هذا الأمر، ولذلك فإن تأثير "الخوف من الفوات" (FOMO) يُعَدُّ الظاهرة النفسية الأساسية التي تُبنى عليها معظم إستراتيجيات التسويق الحالية بغرض حث العميل المحتمل على الإسراع في الشراء دون إمضاء وقت كبير في التكفير إذا ما كان يحتاج إلى اتخاذ هذا القرار من الأساس.

——————————————————————————————

المصادر

  1. How Clubhouse Used FOMO To Become the Hottest New Social Network
  2. Here’s what’s really going on in your brain when you experience ‘FOMO’ — the fear of missing out
  3. Fear of missing out
  4. What is the psychology behind FOMO? Why is it so powerful? 
  5. 25+ Powerful FOMO Statistics to Skyrocket Sales (2021)
  6. FOMO Statistics You Need to Grow Your Business
  7. 16 Clever FOMO Marketing Examples to Boost Your Sales
  8. 20 Typical FOMO Examples Every Marketer Need To Know
  9. FOMO Marketing: How to Use Fear of Missing Out to Drive More Sales
  10. Retail study: 9 out of 10 consumers say free shipping No. 1 incentive to shop online more
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة