كواليس وادي السيليكون.. مسلسلات ووثائقيات حديثة تكشف لك تفاصيل عالم ريادة الأعمال

إذا كانت وسيلة التعلُّم الأساسية في الماضي البعيد -وربما القريب أيضا- هي قراءة الكتب أو الاستماع إلى المحاضرات، فإن وسائل التعلُّم في عصرنا الحالي تشمل الأفلام والمسلسلات والإنترنت ومنصات التعليم الرقمية، وغيرها من الأدوات التي لم تكن متاحة للبشرية على مرّ العصور. وثائقي واحد قد يوفِّر عليك حضور عشرات المحاضرات والدروس، وفيلم مدته ساعتان قد يُثير في رأسك أفكارا وأسئلة قد لا تمرّ عليك طوال حياتك.

الأمر لا يختلف كثيرا في عالم ريادة الأعمال، فلحُسن الحظ تعج المكتبة المرئية بالعديد من الأعمال العالمية التي تُسلِّط الضوء على عالم المال والأعمال عموما، وعالم الشركات الناشئة (Startup) خصوصا. ومع تعدُّد هذه الأعمال على مر السنوات، نُسلِّط الضوء هنا على أحدث أفلام ومسلسلات ريادة الأعمال التي أُنتِجت خلال الأعوام الأخيرة بالتحديد.

دماغ بيل غيتس

"لم يحاول أي أحد على الإطلاق تغيير مظهري الغريب أو طريقة عضي لنظارتي، فقد أصبحتْ شيئا أساسيا في حياتي.. أنا أقرأ وأمضغ نظارتي، هذه هي وظيفتي".

(بيل غيتس)

في عام 2019، أطلقت شبكة "نتفليكس" سلسلة وثائقية مؤلَّفة من 3 حلقات بعنوان: "رحلة داخل عقل بيل: فك شفرة بيل غيتس". الوثائقي الذي نال متابعة كبيرة على الشبكة يُعتبر من أكثر الوثائقيات تركيزا على جوانب متعددة من حياة بيل غيتس، مؤسِّس شركة مايكروسوفت وأغنى رجل في العالم لفترة طويلة، قبل أن ينتزعها منه جيف بيزوس وإيلون ماسك. كل حلقة من حلقات المسلسل مدتها نحو 50 دقيقة، وتتناول كلٌّ منها موضوعا مستقلا من حياة غيتس.

المسلسل يجمع بين الجوانب الإنسانية لبيل غيتس، بما فيها الجوانب الشخصية للغاية، والجوانب المهنية وهو يُسلِّط الضوء على مسار صعوده وتأسيسه شركة مايكروسوفت وعلاقاته التي استطاع تطويعها للوصول إلى هذا النجاح. العشرات من المواقف المدهشة أُشير إليها في المسلسل، من بينها سهر غيتس ليالي طويلة لتحقيق طموحه ببناء شركته، لدرجة أنه كان يتناول مسحوق البرتقال بيديه أثناء سهره، ليكتسب بعض الطاقة التي تساعده على السهر وإكمال العمل.

حتى التفاصيل الدقيقة التي تبدو غير مهمة للجميع يتطرَّق إليها المسلسل؛ أكلة بيل غيتس المفضلة، وحيوانه المفضل، بل وأبرز مخاوفه في الحياة التي لخَّصها قائلا: "لا أريد أن يتوقَّف دماغي عن العمل". هذا الدماغ المعروف في العالم بأنه من أكثر الأدمغة حبا للقراءة، حيث ذكر أحد العاملين مع غيتس أنه يقرأ 14 كتابا في عطلته، بمعدل قد يصل إلى 150 صفحة في الساعة. هذا المعدل السريع للقراءة وراءه سرّ كشفه غيتس في المسلسل أيضا.

في الحلقة الأولى، يُوضِّح غيتس توجُّهاته حول أهمية خلق بيئة صحية أفضل للبشر خصوصا في المناطق الأكثر فقرا وجفافا. في الحلقة الثانية، يتعمَّق غيتس في تفاصيل حياته الشخصية وكيف بدأ كل شيء من الصفر، وكيف تخلَّى عن إكمال مسيرته الجامعية لتأسيس شركته في منتصف السبعينيات، ويتحدَّث أيضا عن قصة زواجه وميليندا بعد أن بلغ الثامنة والثلاثين من العمر. أما الحلقة الثالثة، فتُسلِّط الضوء على أهم قضية يتعامل معها غيتس خلال حياته، وهي محاولة التغلُّب على الاحتباس الحراري والتغير المناخي، وكيف يمكن للتكنولوجيا والحلول الإبداعية أن تساعد في ذلك.

وادي السيليكون.. في كواليس ريادة الأعمال

مسلسل "وادي السيليكون" (Silicon Valley) هو عمل صادق في عنوانه تماما، حيث يُسلِّط الضوء كاملا على عالم الشركات الناشئة في وادي السيليكون بصورة تفصيلية تتخذ من الأحداث والمواقف التي تقع يوميا في الوادي أساسا لحبكة المسلسل وليس مجرد خلفية درامية. المسلسل يُعَدُّ الأشهر بين المهتمين بعالم ريادة الأعمال، بدأ إنتاجه عام 2014 وامتد على مدار ستة مواسم حتى عام 2019 مُحقِّقا مستوى مرتفعا من المشاهدات، خصوصا في مواسمه الأولى.

ريتشارد هيندريكس، نموذج لرائد الأعمال الأميركي الشاب المنعزل اجتماعيا، الذي يستطيع برفقة مجموعة من زملائه التقنيين المبرمجين غرباء الأطوار تطوير تطبيق موسيقي مميز سمَّاه بيد بايبر. بعد تطوير التطبيق يتقدَّم هيندريكس إلى صناديق الاستثمار الجريء في وادي السيليكون لدعم مشروعه وتمويله، ليُفاجأ أن الجميع يتجاهلونه تماما، ويسخرون منه لاحقا، يكتشف المستثمرون كفاءة التطبيق وأهميته الضخمة التي تتجاوز قيمته بوصفه تطبيق موسيقى، فتبدأ الصراعات لمحاولة الاستحواذ على الفكرة بكل طريقة ممكنة، بداية من سرقتها وتقليدها، وليس انتهاء بإغراء الفريق بكل أنواع المغريات للتخلّي عن ملكيتهم للشركة.

حلقات المسلسل تتراوح مدتها ما بين 20 إلى 30 دقيقة، وهو ما يجعلها سريعة المشاهدة لقطاعات كبيرة من رواد الأعمال الذين يميلون بالأساس لفكرة السرعة. كل حلقة من المسلسل تُناقش موضوعا محوريا مرتبطا بريادة الأعمال، لكن في سياق متصل مع التوجُّه الدرامي الأساسي للمسلسل، وليس في حلقات منفصلة. هذا المسلسل يُعتبر بحسب رؤية الكثيرين واحدا من أهم الأعمال الفنية التي تُسلِّط الضوء على ما يحدث وراء الستار في وادي السيليكون، سواء على جانب الحماس والطموح والأموال الضخمة، أو على جانب السياسات غير الأخلاقية والطمع واستخدام طرق وأساليب ملتوية للاستحواذ على الشركات أو حتى تدميرها لإخراجها من المنافسة.

صندوق الرمال.. صراع الشركات في كوريا

 

مسلسل كوري بُثَّ لأول مرة في نهاية عام 2020 على إحدى القنوات التلفزيونية الكورية ويُوزَّع عبر شبكة "نتفليكس" العالمية. يغوص مسلسل "صندوق الرمال" في عالم رواد الأعمال في واحدة من أكثر دول العالم من الناحية التقنية والإبداعية وهي كوريا الجنوبية، وتدور أحداثه داخل كيان خيالي باسم "صندوق الرمال" (Sandbox)، وهو معادل موازٍ لوادي السيليكون الأميركي.

سيو دال مي، رائدة أعمال كورية شابة مهووسة بستيف جوبز وتراه نموذج حياتها، وتحلم أن تكون النسخة الكورية منه. ورغم أنها لا تحمل خلفية تقنية متميزة في مجال الأعمال، فإن طموحها بهذا المجال وشغفها بتحقيق إنجاز في شركتها الناشئة يطغى على كل شيء آخر، خصوصا بعد نيلها خبرة جيدة في مجالات واسعة عملت فيها جزئيا.

على الناحية الأخرى، نجد سام دوسان، مؤسِّس شركة تقنية تعاني من مشكلات كبيرة في السوق الكوري. يلتقي سام بسيو دال مي ويُقرِّران أن يكونا شريكين تجاريين في مشروعها الناشئ. تتسارع الأحداث بمزيج من دراما وتفاصيل ريادية، مع طغيان الدراما من وقت لآخر على مجريات الأحداث كعادة الدراما الكورية عموما.

المسلسل يضم 10 حلقات، كل حلقة مدتها نحو 80 دقيقة. يمكن القول إن المسلسل رغم بُعده الدرامي فإنه يكشف بوضوح بيئة ريادة الأعمال في كوريا الجنوبية، خصوصا فيما يتعلَّق بتطوير التكنولوجيا الفائقة في هذا البلد، وخلفيات النمو والمنافسة والصراع الممتزجة بأبعاد إنسانية وشخصية تشمل مشاعر الحب والشغف والهزيمة والانكسار.

العصامية.. قصة مدام ووكر

 

واحد من أفضل المسلسلات المحدودة التي بُثَّت على منصة "نتفليكس" في مطلع عام 2020، ورُشِّحت بطلته السمراء أوكتافيا سبنسر لجائزة أفضل ممثلة في قطاع مسلسلات الدراما لهذا العام. المسلسل قائم على قصة حقيقية لرائدة الأعمال الأميركية المليونيرة السمراء سي جي ووكر التي تُصنَّف باعتبارها أول مليونيرة عصامية سمراء في تاريخ الولايات المتحدة.

يبدأ المسلسل ببيئة فقيرة يعيش فيها السود الأميركيون في نهاية القرن التاسع عشر، حيث تبدأ السيدة البسيطة سارة، التي تجني قوت يومها من غسيل الملابس، في بيع مستحضرات تجميل صنعتها بنفسها لتحسين شعر الفتيات. تبدأ الفتيات السمراوات في الانجذاب إلى المنتج الغريب الذي تُطوِّره سارة، ويتضح لهنّ أنه على قدر عالٍ من الكفاءة. لاحقا، ومع إقبال الناس على شراء منتجها، تطمح سارة إلى افتتاح مصنع لبيع منتجاتها رغم كل الصعوبات التي تواجهها في بيئة عنصرية بالكامل.

وعندما تتجه سارة إلى نيويورك للبحث عن مستثمر يساعدها في تحقيق حلمها، تبدأ المشكلات الشخصية والعائلية والصحية في التراكم فوقها، لتبدأ في البحث عن وريث لإمبراطوريتها التي صنعتها. يأتي المسلسل في أربع حلقات فقط، مدة كل حلقة نحو 45 دقيقة.

ورغم أن المسلسل يناقش بوضوح مشكلات العنصرية ضد السود التي كانت في ذروتها في المجتمع الأميركي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، فإنه يضم العديد من الأفكار الريادية، خصوصا فكرة الاعتماد على الذات في تطوير المنتج وتحديثه التي قامت بها السيدة جوكر طوال رحلتها في بناء إمبراطوريتها المالية وتوسعتها، وتحتوي مشاهده على العديد من الإشارات المهمة لرواد الأعمال، خصوصا أولئك الذين لا يزالون في طور تأسيس مشاريعهم الناشئة، وهي بدون شك المرحلة الأكثر صعوبة.

المكسب السريع.. عندما يورِّطك الطموح

 

عندما تبدأ رائدة الأعمال السويدية الشابة "ليا" البحث عن مستثمر لدعم مشروعها الناشئ التقني الواعد، تصطدم أحلامها بالكثير من العقبات المعتادة في عالم ريادة الأعمال عموما، حتى تستطيع أخيرا الوصول إلى مستثمر يهتم بمشروعها ويعدها بتمويل سخي، ولكن كان الشرط الوحيد للمستثمر هو أن تُعيد "ليا" الأموال كافة التي أخذتها من مستثمرين سابقين في مشروعها، ليضخ هو أمواله في شركتها الناشئة وينال حصة أكبر.

ومع سخاء العرض، تجد "ليا" نفسها مضطرة للبحث عن طريقة لرد الأموال إلى المستثمرين الأوائل في شركتها، وهي التي لا تكاد تغطّي نفقات تشغيل المشروع. لذلك، لم يكن أمامها إلا أن تأخذ قرضا من شخص شهير في عالم تجارة المخدرات، لإعادة المال إلى المستثمرين الأوائل ومن ثم الحصول على الاستثمار الجديد الكبير الذي تنتظره. ولكن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن كالعادة، ولم يكن الخروج من عالم الجريمة بسهولة الدخول إليه كما ظنَّت.

"المكسب السريع" (Snabba Cash) هو مسلسل سويدي، من بطولة الممثلة الشابة السويدية ذات الأصول الكردية إيفين أحمد، بُث على شبكة "نتفليكس" عام 2021، ويتألف من 6 حلقات تتراوح مدتها ما بين 45 إلى 50 دقيقة. المسلسل لاقى نقدا إيجابيا جيدا جعل "نتفليكس" تُعلن عن صدور جزء ثانٍ منه بحلول عام 2022.

يزدحم المسلسل بالتفاصيل الريادية في الكثير من مشاهده، حاضنات الأعمال والمستثمرين وصناديق الاستثمار الجريء ولغة ريادة الأعمال والأسهم وتقييمات الشركات وغيرها من كل ما يمتّ لعالم ريادة الأعمال بصلة، ومع ذلك، تأتي كل هذه التفاصيل في إطار درامي مُشوِّق وغامض، خصوصا عندما تتصاعد أحداث المسلسل داخل عوالم الجريمة.

المديرة.. البداية من معطف قديم

بُثَّ مسلسل "المديرة" (Girl Boss) للمرة الأولى على شبكة "نتفليكس" عام 2017، وهو مؤلَّف من 13 حلقة، ويبدو أنه لم يُحقِّق النجاح الجماهيري المتوقَّع؛ فأعلِن عن إنهاء المسلسل بعد الموسم الأول وعدم التجديد له لموسم ثانٍ. في الواقع، المسلسل يحمل مزيجا من الدراما الاجتماعية مع خلفيات كبيرة عن عالم الأعمال وتأسيس الشركات.

يستعرض المسلسل السيرة الذاتية لرائدة الأعمال الشابة صوفيا أموروزو ذات الأصول اليونانية والبرتغالية والإيطالية، التي أسَّست شركة ناشئة متخصصة في الموضة والأزياء تحت اسم "Nasty Gal". راودت فكرة الشركة صوفيا عندما استطاعت شراء معطف قيمته الحقيقية 600 دولار بمبلغ زهيد لا يتجاوز 9 دولارات، مما جعلها تبدأ شركتها من خلال البيع والشراء من موقع "eBay" ثم تطوير نموذج عملها لتأسيس متجر إلكتروني لبيع الأزياء والموضة.

المسلسل قد يُعَدُّ ضعيفا من الناحية الدرامية وتسارع الأحداث، فلا تتوقَّع أنك سوف تستمتع بكل ما تراه، ولكنه يعجّ أيضا بالأفكار الريادية وأجواء ريادة الأعمال، وبالتأكيد الكثير من المحتوى الأنثوي الذي يخدم دور البطلة صوفيا التي لعبت دورها الممثلة بريت روبرتسون بكفاءة.

في النهاية، رغم كون هذه المسلسلات تهدف في الأساس إلى تحقيق المتعة والترفيه، فإنها تضم بين مشاهدها الكثير من المشاهد والأفكار التي حتما ستُضيف شيئا ما إلى وعي كل رائد أعمال مبتدئ أو مخضرم، وتمنحه تصوُّرا أوضح عن تفاصيل هذا العالم بمزاياه ونقائصه. ومن أفضل الاقتباسات التي وردت في أحد مشاهد مسلسل "وادي السيليكون" هو ما قاله "غيلفويل" إحدى الشخصيات المحورية في المسلسل مُلخِّصا مفهوم النجاح في عالم ريادة الأعمال: "الأمر ليس سحرا، هو فقط مهارة والكثير من العرق".

_____________________________________________________________

ملاحظة:

  • المسلسلات المذكورة في القائمة ضمن مشاهدات الكاتب الشخصية، وكل المعلومات الواردة في التقرير مُستمَدَّة من وصف المسلسلات ذاتها.
المصدر : الجزيرة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة