استغلال الجائحة.. القطاعات الناشئة الأكثر ازدهارا في زمن كورونا

منذ إعلان فيروس كورونا جائحة عالمية في مارس/آذار 2020، وبدء تطبيق العزل المنزلي حول العالم، ظهر مصطلح "العادي الجديد" (New Normal) الذي بدأ يتشكّل تدريجيا على مدار أشهر هذا العام، لتأهيل الناس لنمط جديد من الحياة قد يمتد شهورا وسنوات، قائم بالأساس على التباعد الاجتماعي والوقاية الصحية قدر الإمكان، ليس فقط أثناء الجائحة ولكن فيما بعدها أيضا.

 

ويمكن القول، مع التأثير السلبي الهائل الذي تسبّبت به جائحة كورونا في قطاعات واسعة من الأعمال (1)، إنها اعتُبرت في الوقت نفسه فرصة ذهبية بالنسبة لبعض القطاعات الناشئة التي حقّقت نموا هائلا في الأرباح والجولات التمويلية، ويُتوقَّع لها أن تستمر في ازدهارها السنوات المقبلة باعتبارها الأساس في عالم "العادي الجديد".

 

منذ بداية انتشار الجائحة عالميا، كان أول قرار تتخذه الحكومات حول العالم هو إغلاق المدارس والجامعات حتى إشعار آخر، هذا الإشعار الآخر يعني بالطبع انحسار الجائحة أو التوصُّل إلى لقاح أو تأمين نظام تباعد اجتماعي شامل في أروقة المدارس والجامعات، وهو الأمر الذي يُعتَبر شديد الصعوبة بالنسبة لبعض الدول، خصوصا دول العالم الثالث.

 

لذلك، كان من الطبيعي أن تتوجّه الأنظار إلى تكنولوجيا التعليم عن بُعد، أو ما يُطلق عليه قطاع الـ "Ed-Tech" كونه حلا سحريا لهذه الأزمة، حيث يمكن للطلاب أن يُواصِلوا تعليمهم عن بُعد من خلال خدمات ومنصات وتطبيقات التعليم الإلكتروني وهم في منازلهم، دون الحاجة إلى الذهاب إلى المدرسة أو الجامعة.

 

بحسب موقع "crunchbase" فقد حصلت منصات التعليم الإلكتروني خلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى يوليو/تموز من العام 2020 على جولات تمويلية ضخمة بقيمة 4.1 مليار دولار، بزيادة 1.5 مليار دولار عن التمويلات التي حصل عليها قطاع التعليم عن بُعد خلال الفترة نفسها في العام الماضي 2019. كما أن إجمالي التمويلات التي حصلت عليها الشركات المتخصصة في تقنيات التعليم عن بُعد تتفوّق على التمويلات كافة التي حصدتها منصات التعليم الرقمي خلال الفترة نفسها في السنوات الخمسة الأخيرة. (2)

 

عربيا، شهدت المنطقة العديد من جولات التمويل لصالح منصات التعليم عن بُعد مختلفة التخصصات، أبرزها التمويل الكبير الذي حصلت عليه منصة أكاديمية نون التعليمية بقيمة 13 مليون دولار بعد مضاعفة عدد مستخدميها في زمن قياسي، وقيام ثلاثة ملايين بالتسجيل في المنصة بعد انتشار جائحة كورونا وإغلاق المدارس في عدد من الدول العربية. (3)

 

باعتبار أن جائحة كورونا هي أزمة صحية في الأساس أصابت العالم كله، فإنها لعبت -بالتوازي- دورا هائلا في اهتمام صناديق الاستثمار الجريء في ضخ الأموال في قطاعات الصحة واللياقة البدنية كونها أحد أهم القطاعات الناشئة التي استفادت من الأزمة، ومن المُتوقَّع أن يستمر انتعاش هذا القطاع لسنوات طويلة بعد انتهاء الجائحة.

 

الربع الأول من العام 2020، بحسب تقرير يرصد حركة التمويلات في القطاعات الناشئة الصحية عالميا، سجّل رقما قياسيا في تمويل تقنيات الصحة (Health Tech) بنحو 4.9 مليار دولار، وهو ما يتجاوز أي رقم آخر حقّقه هذا القطاع في السنوات الماضية خلال الفترة نفسها. أما على مستوى أرقام نصف العام (الأشهر الستة الأولى من العام 2020)، فقد ارتفع إجمالي التمويل للشركات الناشئة العامة في تكنولوجيا الصحة إلى 9.1 مليار دولار، بزيادة نحو 19% مقارنة بـ7.7 مليار دولار استُثمِرت في الفترة نفسها من عام 2019.

 

هذه الاستثمارات في قطاع تقنية الصحة لم تقتصر فقط على الأبحاث الدوائية أو السريرية أو تطوير العلاجات، بل امتدت لتشمل خدمات التطبيب عن بُعد -تشخيص المرض ومتابعة الحالة دون الحاجة إلى الذهاب إلى الطبيب-، وأيضا قطاعات على هامش الأزمة مثل منصّات العلاج النفسي والسلوكي، إلى جانب منصات الصحة العامة واللياقة البدنية التي لاقت رواجا كبيرا خلال عام 2020، ومن المُتوقَّع أن تستمر هدفا لفيضان تمويلي كبير خلال السنوات المقبلة. (4)

 

واحد من أهم المجالات التي تأثرت من انتشار جائحة كورونا هو مجال التقنية المالية أو ما يُسمى "Fin tech"، وهو القطاع الناشئ الذي يستهدف توفير التقنيات اللازمة لرقمنة المعاملات المالية بأشكالها كافة. وعلى الرغم من أن قطاع التقنية المالية عانى سلبيا من تأرجح في دفقات التمويل في الشركات الناشئة، وتراجعها مقارنة بالسنوات الماضية، فإن أحد أهم أجنحة هذا القطاع هو قطاع الدفع الإلكتروني الذي شهد إقبالا هائلا في عام 2020.

 

فمع الخوف من انتشار الفيروس عبر المعاملات اليدوية والدفع الفوري بالعملات النقدية وخطورة التقاط العدوى ونشرها على مدى واسع، أصبحت معظم المؤسسات والمتاجر والخدمات حول العالم تحضّ عملاءها على الدفع الإلكتروني لتخليص معاملاتهم وخدماتهم دون الحاجة إلى الحضور شخصيا، أو استخدام النقود الورقية.

 

بحسب استطلاع لـ "National Retail Federation"، وهي أكبر مؤسسة عالمية لتجارة التجزئة، قال إن 58% من متاجر التجزئة حول العالم تقبل الدفع الرقمي بلا ملامسة، صعودا من 40% فقط في العام الماضي، بزيادة 18% خلال عام واحد، بينما قال 56% من المتاجر إنهم يقبلون الدفع عبر المحافظ الإلكترونية في الهواتف الذكية مقارنة بـ 44% من العام الماضي.

 

وتوقّع 94% من الشريحة التي أُجري عليها الاستطلاع أن نسبة الاعتماد على وسائل الدفع الرقمي غير اليدوي سوف تستمر في الزيادة خلال الـ 18 شهرا المقبلة. (5، 6)

 

عربيا، شهدت المنطقة انتعاشا في عمليات الشركات الناشئة المتخصصة في التقنية المالية والدفع السريع، أبرزها شركة "فوري" المصرية التي تخطّت قيمتها السوقية حاجز المليار دولار بزيادة في سعر أسهمها بقيمة 300%، بسبب الإقبال الكبير على محافظ الدفع الإلكتروني في البلاد والذي سرّع كورونا من وتيرته، لتصبح أول شركة تقنية مصرية ناشئة تتخطى قيمتها المليار دولار. (7)

 

قبل كورونا، كان العالم يعجّ بأدوات ومنصات العمل عن بُعد بشكل واسع، ولكن يمكن القول إنها لم تُختَبر بهذا الشكل الجماعي الشامل كما حدث في أعقاب انتشار جائحة كورونا حول العالم، ودخول المليارات في العزل المنزلي تجنُّبا للإصابة بالعدوى، حيث اضطرت معظم الشركات إلى الاعتماد بشكل كامل على أدوات العمل عن بُعد باعتبارها بديلا مؤقتا للعمل التقليدي القائم على الحضور والانصراف. ولكن يبدو أن البديل المؤقت سوف يتحوَّل في السنوات المُقبلة إلى أساس دائم لنظام عمل جديد.

 

أدوات العمل والتواصل عن بُعد الشهيرة حقّقت نموا كبيرا مثل منصة "سلاك" (Slack) ومنصة "تريللو" (Trello) اللتين شهدتا إقبالا كبيرا من فِرَق العمل أثناء العمل من المنزل. أما تطبيق "زووم" الشهير لإجراء المكالمات الصوتية والفيديو والاجتماعات عن بُعد، فقد أعلن عن إيرادات بقيمة 328 مليون دولار في الربع الأول من هذا العام، بزيادة قدرها 169% مقارنة بالعام نفسه، ثم إيرادات بقيمة 663.5 مليون دولار في الربع الثاني. وبحسب "بيزنس إنسايدر"، من المتوقع أن يُحقِّق التطبيق إيرادات بزيادة 200%، وأرباح بزيادة 300% بنهاية هذا العام (8، 9، 10)

الأمر نفسه امتدّ لمنصات العمل الحر، حيث قالت هايدن براون، المديرة التنفيذية لمنصة "أب وورك" (Upwork) العالمية المتخصصة في العمل الحر، إن المنصة شهدت ما وصفته انفجارا في نمو أعداد المسجّلين الجدد لديها منذ بداية أزمة "كوفيد-19″، وأرجعت براون أن هذه الزيادة أساسها احتياجات الموظفين إلى المزيد من الفرص في ظل تراجع التوظيف عالميا من ناحية، واحتياجات أصحاب العمل أيضا لتعيين موظفين عن بُعد في هذه الفترة كأولوية، بدلا من الالتزام بتعيين موظفين دائمين برواتب ثابتة. (11)

 

واحد من أكبر القطاعات التي تأثرت تأثيرا مباشرا بانتشار جائحة كورونا، فمع الإغلاق الشامل والجزئي للعديد من الدول حول العالم، وفرض التباعد الاجتماعي باعتباره نمطَ حياة جديدا، اتجه الناس إلى الشراء عبر المتاجر الإلكترونية المختلفة بدلا من النزول إلى الأسواق والمتاجر التقليدية بأنفسهم. وكان على رأس قطاعات التجارة الرقمية إقبالا متاجر البقالة الإلكترونية وخدمات التوصيل (الطعام والأدوية والبضائع وغيرها).

 

في النصف الأول من العام 2020، أنفق المستهلكون الأميركيون 347.26 مليار دولار في الشراء من متاجر رقمية، صعودا من 266 مليار دولار في الفترة الزمنية نفسها في العام الماضي 2019، بزيادة هائلة تُقدَّر بـ 30%، وهو ما يُمثِّل نحو خُمس الإنفاق الإجمالي على مبيعات متاجر التجزئة في أميركا النصف الأول من هذا العام. (12)

 

عربيا، أدّت جائحة كورونا إلى إقبال كبير بين المستهلكين العرب على الشراء عبر منصات التجارة الإلكترونية، فبحسب استطلاع لمؤسسة "إرنست آند يونغ" العالمية صدر في بداية مايو/أيار، قال إن 92% من المستهلكين في الإمارات والسعودية غيّروا "عاداتهم التسوّقية" (Shopping habits) بعد انتشار جائحة كورونا. كما قال 58% من المستهلكين إنهم غير مرتاحين للذهاب مرة أخرى والتسوّق من المجمعات التجارية ويُفضِّلون التسوّق الرقمي، بينما قال 33% إنهم غير مرتاحين للذهاب إلى متاجر البقالة ويُفضِّلون الشراء عبر منصات البقالة الرقمية. (13)

 

في قطر، ارتفع عدد المتاجر الإلكترونية إلى 357 موقعا تُقدِّم خدماتها في أكثر من 20 مجالا، ومن المتوقع تحقيق عوائد قيمتها 12 مليار ريال قطري بحلول عام 2022، بنمو سنوي متوقع لهذا القطاع بنسبة 20%. أما السعودية، فقد شهدت فيضانا تمويليا للعديد من متاجر البقالة الإلكترونية على خلفية جائحة كورونا، يأتي على رأسها التمويل الكبير الذي حصلت عليه منصة "نعناع" للبقالة الإلكترونية بقيمة 18 مليون دولار، وتطبيق "جاهز" (Jahez) لتوصيل الطعام الذي حصد تمويلا ضخما بقيمة 137 مليون ريال. (14، 15، 16)

 

 

في النهاية، هذه القطاعات الناشئة ليست هي الوحيدة التي حقّقت استفادة ملحوظة في النمو والتمويل أثناء الجائحة، إلا أنه يمكن تلخيص ما يحدث في عالم ريادة الأعمال حاليا بأن مصطلح "العادي الجديد" (New Normal) يعني بالضرورة "تفكيرا جديدا" (New Thinking) في إعطاء الأولوية للمشروعات الناشئة التي يمكنها أن تصمد وتتكيّف وتربح من الواقع الجديد الذي فرضته جائحة كورونا، والبقاء في الأسواق بالقوة نفسها بعد مرور الجائحة.

_____________________________________________________________________

المصادر

  1. البجعة السوداء.. كيف أثّرت جائحة كورونا على المشاريع الناشئة في العالم والمنطقة العربية؟ – ميدان
  2. Back To School: Edtech VC Funding Reaches $4.1B So Far This Year
  3. كورونا جذب لها 3 ملايين طالب: نون أكاديمي تحصد تمويلا بقيمة 13 مليون دولار
  4. Investors double down on health technology as global funding reaches $9.1B in 2020
  5. Coronavirus leads to more use of contactless credit cards and mobile payments despite cost and security concerns
  6. COVID-19 boosts contactless payment adoption: NRF
  7.  شركة "فوري" المصرية الناشئة للمدفوعات الرقمية تتخطى قيمتها المليار دولار
  8. Zoom expects to boost revenue by 200% and profits by 300% this year. These 5 charts show the video-conferencing upstart’s explosive growth.
  9. Zoom Reports First Quarter Results for Fiscal Year 2021
  10. Zoom Reports Second Quarter Results for Fiscal Year 2021
  11. COVID-19 and the Growing Demand for Freelance Work
  12. Charts: How the coronavirus is changing ecommerce
  13. How the coronavirus pandemic is reshaping GCC e-commerce
  14. 357 موقعا قطريا لخدمات التجارة الإلكترونية
  15.  منصة نعناع السعودية لتوصيل البقالة تحصد تمويلا بقيمة 18 مليون دولار
  16.  Jahez closes Series A funding round at SAR 137 mln in Saudi Arabia

حول هذه القصة

بالوقت الذي ينطلق فيه فيروس كوفيد-19 متنقلا بين الناس حاصدا أرواح مئات الآلاف، فإنه ينطلق أيضا متنقلا بين جيوب الملايين من الشركات حاصدا ملايين الوظائف. فكيف أثرت جائحة كورونا على المشاريع الناشئة؟

25/8/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة