شعار قسم ميدان

من الصين إلى القطب الشمالي.. مشاهد من احتفالات المسلمين بالعيد حول العالم

"أطلّ صباح العيد في الشرق يسمعُ

ضجيجًا به الأفراح تمضي وترجعُ"

(معروف الرصافي)

تتجدد مظاهر الاحتفال بعيد الأضحى المبارك حول العالم؛ يزهو الأطفال في ثياب جديدة، ويلتئم شمل العائلة، ويتلهف الصغار على نيل العيدية، وتُوزَّع الأضحيات على ذوي القربى والمساكين، وتصدح التكبيرات في الشوارع، وتصبح صلاة العيد فرصة لالتقاء أبناء الحي الواحد وتبادل التهاني. ورغم وجود الكثير من المظاهر الاحتفالية المشتركة بين المسلمين حول العالم، فإن طبيعة كل بلد وتراثها قد يفرضان طقوسا خاصة، أو ربما تحدّ البيئة أحيانا من مظاهر الاحتفال.

على سبيل المثال، تصعب تربية الأغنام في منطقة إينوفيك الكندية، الواقعة في القطب الشمالي، نظرا لبرودة الطقس، لذا فإن مسلمي المدينة يرسلون مبالغ مالية إلى أماكن أخرى لذبح أضاحي العيد. وربما كان ذلك سببا كي يسأل أحد المسلمين الذين يسكنون منطقة القطب الشمالي حول جواز الأضحية بالحوت بدلا من الأغنام!

العيد في الصين

رغم تعدد الروايات حول طريقة وصول الإسلام إلى الصين، فإن المصادر تميل إلى الاعتقاد أن الصين عرفت الإسلام لأول مرة عام 29هـ/651م، حيث يرد في كتاب "التاريخ الحديث لأسرة تانغ" أن البلاط استقبل مبعوثا رسميا عربيا، وقدّم العربي التحية من ملك العرب أمير المؤمنين للإمبراطور يونغ هوي.

ويُعَدُّ الإسلام حاليا الديانة الثانية الأكثر انتشارا في الصين بعد البوذية، فهو عقيدة مشتركة لدى 10 أقليات قومية، هي: الأويغور والتتار والقازاق والهوي والقرغيز والتتار والطاجيك ودونغشيانغ وسالار والأزبيك وباوآن، ويبلغ عدد أبنائها نحو 25 مليون نسمة وفق الإحصاءات الرسمية، ما يمثل 2% من إجمالي السكان، في حين تشير تقديرات غير رسمية أن أعداد المسلمين في الصين ربما تتجاوز 100 مليون شخص.

والمسلمون في الصين يطلقون على عيد الأضحى "عيد القربان" أو "عيد الولاء والبِر"، ويستغرق العيد في شينجيانغ والمناطق الأخرى في شمال غربي الصين أسبوعا كاملا. ومن عادة المسلمين من قوميات القازاق والقرغيز والطاجيك القيام بأنشطة رياضية احتفالية فور الانتهاء من صلاة العيد، مثل لعبة سباق الخيل واختطاف الخروف، حيث يمتطي المتسابقون خيولهم وينطلقون واحدا بعد الآخر نحو خروف العيد، والفائز هو أسرع مَن يلتقطه من على الأرض دون أن يسقط من فوق جواده، قبل أن يجتمع كل ذكور الأسرة لقراءة أدعية وآيات قرآنية لنحو خمس دقائق، ثم يقوم كبير الأسرة أو إمام المسجد بذبح الخروف.

ومن أبرز أطباق المائدة الصينية المقدمة خلال العيد طبق أمعاء الطحين، حيث تُحشى أمعاء الأضحية بالدقيق وبقطع من القلب والكبد ثم تُسلق في الماء.

أزمة بكر عيد

سوق لبيع الأغنام في عيد الأضحى في الهند (شترستوك)

ومن الصين ننتقل إلى الهند حيث يطلق الهنود على عيد الأضحى اسم "بكر عيد"، ومفردة بكر تعني الماعز، في إشارة إلى ارتباط العيد بالأضحية. وتتشابه الطقوس الاحتفالية بعيد الأضحى في دولة الهند مع مثيلاتها في الدول الإسلامية الأخرى، لكن الفارق الوحيد يكمن في وجود الأغلبية الهندوسية التي تُشكِّل قوام المجتمع الهندي، ذلك ما دعا بعض العلماء المسلمين في الهند إلى إعلان الامتناع عن التضحية بالأبقار في عيد الأضحى المبارك، لتجنب إثارة التوترات مع الهندوس.

يُذكر أن العديد من الولايات الهندية حظرت ذبح الأبقار في السنوات الأخيرة، كما فرضت قيودا على بيع لحوم البقر. ورغم ذلك، فإن الزائر لأسواق الأغنام والمواشي المقامة قبيل العيد في دلهي سوف يتفاجأ بالأجواء الاحتفالية وقيام الكثيرين بتزيين الأغنام بشرائط ملونة وأجراس رنانة.

وقت العودة إلى المنزل

وفي نيجيريا، الدولة ذات الأغلبية المسلمة، يبدأ الاستعداد لعيد الأضحى بعد شهر رمضان مباشرة، حيث تشتري العائلات الميسورة الأغنام والأبقار في ذلك الوقت، لأنها أرخص، وقد يتشارك بعض الأفراد في شراء بقرة واحدة، ويُعرف ذلك بين قبائل الهوسا باسم "واتاندا" (watanda).

وللعيد في نيجيريا عدة أسماء، إذ يطلقون عليه "الكبير" أو "صلاح" (Sallah)، كذلك يُعرف باسم "إليا" (ileya)، وهي كلمة محلية تعني وقت العودة إلى المنزل. ويُفضِّل النيجيريون أداء الصلاة في الأماكن المفتوحة، لدرجة أن تُقام الصلاة في بعض المناطق وسط الأدغال. وعادة ما يتميز العيد برائحة الطهي التي تنطلق في شوارع العاصمة أبوجا، قادمة من الأواني السوداء التي تطفو فوق حطب مشتعل مليء بالأرز واللحوم.

تعد يخنة أوفادا من الأكلات المفضلة لدى النيجيريين في العيد، وتُحضَّر من زيت النخيل والفلفل الأحمر مع أنواع مختلفة من اللحوم أو الكرشة البقرية، كذلك جزدود، وهو طبق نيجيري شعبي يتكوَّن من قوانص الدجاج المقلية ولسان الحمل في صلصة طماطم وفلفل وبصل.

ويُعَدُّ مهرجان دوربار من الأجواء الاحتفالية المميزة خلال العيد في نيجيريا، وخاصة في الجزء الشمالي من البلاد، مثل مدينتي كانو وبيدا. وخلاله تُستعرض خيول العائلات وتتسابق وهي مزينة بالأشرطة الملونة، بينما يمتطيها فرسان يرتدون أزياء فروسية كرنفالية مبهجة، ويحظى المهرجان برعاية الأمير التقليدي للبلدة، الذي يُعَدُّ رمزا مجتمعيا في الوقت الراهن أكثر من كونه مسؤولا فعليا. وأثناء المهرجان، يُشهر الفرسان سيوفهم ويجوبون شوارع المدينة على قرع الطبول برفقة الأمير حتى يصل إلى قصره، ومن ثم تُذبح الأضاحي وتفرش الموائد أمام القصر.

خروف مُكحّل

(الجزيرة)

ننتقل الآن إلى المنطقة العربية، تحديدا إلى ليبيا حيث تختلف طقوس العيد بشكل واضح، وأبرزها عادة تكحيل عين الأضحية بالكُحل العربي الأسود، التي تقوم بها النساء الليبيات، وخصوصا مع الخراف، مع إشعال البخور والطواف به في أرجاء البيت أثناء ترديد الآيات والأدعية، وقد يُصبغ فرو الكبش أحيانا بالحناء في ليلة العيد.

وبالنسبة للرجال، جرت العادة أن تُسقى الأضحية قليلا من الماء قبل الذبح مباشرة، ثم توضع في حفرة ويكون رأس الأضحية باتجاه القبلة خلال ذبحها.

وتتميز المائدة الليبية في العيد بالأطباق الشهية، ويأتي على رأسها الكبد الملفوف، وهو عبارة عن مكعبات الكبد المشوية المغطاة بطبقة من الشحم، أيضا المبكبكة، وهي طريقة متفردة لطهي المعكرونة، وخبز العيد المسمى "غروم يمضرز" عند أهل نفوسة، وهو عبارة عن كرات مفتتة من دقيق القمح أو الذرة تخلط بالسكر وزيت الزيتون، أو العصبان، التي تحضّر كذلك بحشو أمعاء الخروف بالخضراوات والأرز ثم تطبخ على البخار أو في المرق.

تحضّر العصبان بحشو أمعاء الخروف بالخضروات والأرز ثم تطبخ على البخار أو في المرق. (الجزيرة)

العيد وفنون القتال!

في جزر القمر تنعقد منافسات بين المصارعين في ساحات المدن خلال أول أيام العيد، ويتجمع الرجال والنساء لمشاهدة فنون القتال والتباري بين مصارعين مرشحين من جزر أنجوان وموهيلي وجزيرة القمر الكبرى، وهي الجزر الرئيسية التي تُشكِّل قوام الدولة الجغرافي، في حين ينال المصارع الفائز لقب بطل العيد ويحتفظ به حتى العيد التالي.

وتُعَدُّ المصافحة باليد جزءا أساسيا من الاحتفال بالعيد في جزر القمر، وتُعرف هناك بطقس "إعطاء اليد"، ومن المعتاد أن تسمع خلال العيد سؤالا مثل: "هل أعطيت فلانا يدك؟"، بمعنى هل هنَّأته بحلول العيد؟

وللصوفية شعبية كبيرة في جزر القمر، ومسيرات الطُّرق الصوفية تنتشر في شوارع العاصمة "موروني" عقب صلاة العيد مباشرة، بينما ترفع الأعلام الملونة وتردد الأذكار والتواشيح الدينية بمرافقة أنغام الآلات الموسيقية الشعبية.

ورغم اعتماد السكان غالبا على الأطعمة البحرية، نظرا لطبيعة البيئة الساحلية وارتفاع أسعار اللحوم، فإن طبق الثريد الذي يُحضَّر من الخبز والأرز واللحم يُعَدُّ أحد الأطباق الأساسية في عيد الأضحى، مثلما يُفضِّل أهل جزر القمر تناول الفرياب، وهو قطع من اللحم مع الموز المقلي.

وقت العودة إلى المنزل

وفي نيجيريا، الدولة ذات الأغلبية المسلمة، يبدأ الاستعداد لعيد الأضحى بعد شهر رمضان مباشرة، حيث تشتري العائلات الميسورة الأغنام والأبقار في ذلك الوقت، لأنها أرخص، وقد يتشارك بعض الأفراد في شراء بقرة واحدة، ويُعرف ذلك بين قبائل الهوسا باسم واتاندا "watanda".

وللعيد في نيجيريا عدة أسماء، إذ يطلقون عليه الكبير أو صلاح Sallah، كذلك يُعرف باسم إليا ileya، وهي كلمة محلية تعني وقت العودة إلى المنزل. ويفضل النيجيريون أداء الصلاة في الأماكن المفتوحة، درجة أن تُقام الصلاة في بعض المناطق وسط الأدغال. وعادة ما يتميز العيد برائحة الطهي التي تنطلق في شوارع العاصمة أبوجا، قادمة من الأواني السوداء التي تطفو فوق حطب مشتعل مليء بالأرز واللحوم.

ويخنة أوفادا من الأكلات المفضلة لدى النيجيريين في العيد، وتحضر من زيت النخيل والفلفل الأحمر مع أنواع مختلفة من اللحوم أو الكرشة البقرية، كذلك جزدود، وهو طبق نيجيري شعبي، يتكون من قوانص الدجاج المقلي ولسان الحمل في صلصلة طماطم وفلفل وبصل.

ويعدّ مهرجان دوربار من الأجواء الاحتفالية المميزة خلال العيد في نيجيريا، وخاصة في الجزء الشمالي من البلاد، مثل مدينتي كانو وبيدا. وخلاله تُستعرض خيول العائلات وتتسابق وهي مزينة بالأشرطة الملونة، بينما يمتطيها فرسان يرتدون أزياء فروسية كرنفالية مبهجة، ويحظى المهرجان برعاية الأمير التقليدي للبلدة، الذي يعدّ رمزًا مجتمعيًّا في الوقت الراهن، أكثر من كونه مسؤولًا فعليًّا مثلما كان في السابق، قبل نشأة مركزية الدولة الحديثة. وأثناء المهرجان، يشهر الفرسان سيوفهم ويجوبون شوارع المدينة على قرع الطبول برفقة الأمير حتى يصل إلى قصره، ومن ثم تُذبح الأضاحي وتفرش الموائد أمام القصر.

بوجلود في المغرب

ومن التقاليد الشهيرة في المغرب العربي أن يطوف "سبع بولبطاين" بين الأزقة والشوارع في العيد، وهو شخص يغطي وجهه وجسده بجلود الأضاحي، ويقوم بجمع ما يجود به الأهالي من النقود والأطعمة.

وبمجرد الانتهاء من الصلاة وذبح الأضحية، يبدأ المغاربة في إعداد الطعام، وأشهر تلك الأطباق هو "بولفاف" الذي يُحضَّر من كبد الأضحية المشوية الملفوفة بطبقة من الشحم، وغالبا ما يُقدم هذا الطبق مع كؤوس الشاي.

كذلك هناك طبق التقليّة، الذي يُعَدُّ من الأطباق المحبوبة في المغرب خلال العيد، ويتكون من قطع مختلفة من الخروف، مثل أمعائه والرئة والكبد والمعدة، مع إضافات البهارات والبصل والزبيب. أما رأس الأضحية فيُطهى على البخار بعد إزالة الشعر أو ما يُسمّى في المغرب بـ"التشواط".

وفي اليوم الثاني من العيد، يبدأ احتفال بوجلود أو بيلماون في أنحاء المغرب، حيث يرتدي الشباب جلود الأغنام والأبقار ويصبغون وجوههم بألوان بهيجة أو يرتدون الأقنعة الملونة، ثم يتجولون في الأحياء والشوارع على أنغام الدفوف، بينما يحملون قوائم الأضاحي أو شرائط ملونة، ويطاردون بها مَن يصادفهم في الطريق في جو احتفالي مرح.

التهلولة العمانية

نختتم جولتنا في الخليج العربي، حيث التهلولة، وهي طقس عماني تراثي يرتبط بالأيام التسعة الأولى من شهر ذي الحجة، وخلاله يسير المنشد أو المهلل كما يسمونه وهو يقرأ بصوت واضح أبيات قصيدة دينية بينما يمضي بين الأزقة والشوارع، ومن خلفه أطفال الحي هاتفين في نهاية كل بيت شعري بالدعاء: "الله أكبر ولله الحمد" أو "سبحان الله لا إله إلا الله". وتقام التهلولة فور رؤية هلال شهر ذي الحجة، تبدأ يوميا بعد صلاة المغرب حتى أذان العشاء، وتستمر حتى يوم التاسع من ذي الحجة. والمهلل الذي يتقدم المجموعة أكبرهم أو مَن لديه صوت عالٍ.

وللطعام العماني مذاق بديع، وتُعَدُّ العرسية المكونة من الأرز الأبيض والدجاج من أشهر الأطباق العمانية التي تقدم خلال العيد. أيضا طبق المشاكيك الذي يُفضِّله الكثير من العمانيين، حيث يوضع اللحم في مشاكيك "أسياخ" مصنوعة من حطب النخيل أو بعض الأشجار المعروفة لدى العمانيين، بحيث لا يزيد طول الواحدة على 30 سنتيمترا، مع إضافة البهارات الخاصة، مثل السنوت والهيل والجلجلان والثوم والفلفل الأسود.

المصدر : الجزيرة