شعار قسم ميدان

ماذا لو كنا نحن البشر كائنات فضائية بالنسبة لحضارات مجهولة؟

ماذا لو كنا نحن البشر كائنات فضائية بالنسبة لحضارات مجهولة؟

مقدمة الترجمة

يقول الكاتب بيل برايسون في كتابه "موجز تاريخ كل شيء تقريبا" إن علماء الفلك يستطيعون في هذه الأيام أن يقوموا بالأمور الأكثر دهشة. إذا أشعل أحدهم عود ثقاب على القمر، فإنهم يستطيعون تحديد مكان اللهب. وعبر الخفقان والارتعاش الأصغر للنجوم البعيدة يستطيعون استنتاج حجم وإمكانية السكن على كواكب بعيدة جدا لا يمكن أن تُرى، بل نحتاج إلى نصف مليون عام كي نصل إليها في مركبة فضائية.

 

إن منظومتنا الشمسية ضخمة جدا لدرجة أن الوقت الذي سنستغرقه لنصل إلى نهايتها سيكون طويلا جدا، حتى إن شمسنا العزيزة الدافئة المُلوّحة للجلد والمانحة للحياة سوف تتقلَّص في عينَيْ الرائي إلى حجم رأس دبوس. بحسب الإحصاءات، فإن احتمال وجود كائنات مفكرة أخرى خارج مجموعتنا الشمسية قائم وموجود. ولدعم هذا الاحتمال، جاء بروفيسور يُدعى "فرانك دريك" من جامعة كورنيل في الستينيات ليستنبط معادلة مشهورة مُصمَّمة لحساب فرص الحياة المتقدمة الموجودة في الكون، وتوصَّل إلى أن عدد الحضارات المتقدمة في مجرتنا درب التبانة وحدها قد يصل إلى ملايين الحضارات.

 

لطالما سعى العلماء لاكتشاف فرص الحياة على كواكب أخرى، لكن ماذا لو تساءلنا عن وجهة نظر تلك الكائنات الأخرى التي ربما تبحث عنا هي الأخرى؟ هل سنبدو نحن الكائنات الفضائية بالنسبة إليها؟ وهل يمكنها مراقبتنا من على بُعد مئات السنين الضوئية؟ في تقريرها الذي نشرته بمجلة "ذي أتلانتيك"، تُجيبنا الكاتبة الصحفية مارينا كورين عن هذه التساؤلات.

 

نص الترجمة

بالنسبة لعلماء الفلك، فإن مصادفة مجموعة جديدة صغيرة من البيانات قادرة على قلب الدنيا رأسا على عقب، فقد تُشير هذه البيانات أحيانا إلى وجود عوالم أخرى بأكملها لا نعلم عنها شيئا. يحدث ذلك في لحظات معينة حينما يمر كوكب بعيد خارج نظامنا الشمسي أمام نجمه، فيحجب الكوكب القليل من ضوء هذا النجم، فيتمخَّض عن ذلك وهج أقل خفوتا من ذاك الذي اعتدنا لمعانه.

بسبب تلك الظاهرة، تمكَّن العلماء من اكتشاف الآلاف من الكواكب الخارجية (التي تدور حول نجوم أخرى غير شمسنا) في مجرتنا "درب التبانة"، منها كواكب جليدية وأخرى غارقة في حمم بركانية، هناك كواكب المشتري الساخنة، وكواكب نبتون المصغرة، بعض هذه الكواكب لديها غلاف جوي سميك، وبعضها الآخر بلا غلاف جوي على الإطلاق. اكتشف علماء الفلك أن خارج مجموعتنا الشمسية يقبع خليط كامل من آلاف العوالم الغامضة البعيدة التي تدور كلها حول شموسها. ونتيجة لذلك، نجد أنفسنا أسرى رغبتنا الحارقة لمعرفة ما إذا كان يمكن لأي كائن آخر على هذه الكواكب أن يعثر علينا بالطريقة ذاتها.

 

يا لها من فكرة مرعبة! أن تجلس في غرفتك على كرسي مكتبك، وبينما تتأمل في أنحاء الغرفة، يراودك شعور كما لو أن أحدا يراقبك من بعيد بطريقة أو بأخرى. أليس هذا مخيفا! وهذا احتمال وارد، لأنه لا يوجد اختلاف بين الوتيرة التي تدور بها الأرض حول شمسها والطريقة التي تتبنَّاها جميع تلك الكواكب الخارجية في دورانها حول نجومها، لذا يراودنا شعور بأن حالنا حال جميع هذه الكواكب.

حتى علماء الفلك -إن وُجدوا من الأساس- على هذه الكواكب، يمكنهم نظريا اكتشاف كوكبنا بالطريقة ذاتها التي اكتشفنا بها كواكبهم. ففي الوقت الذي يمر فيه كوكبنا أمام الشمس، يتمخَّض عن ذلك تعتيم طفيف لشمسنا، وفي لحظات عابرة كهذه، يمكنهم بسهولة اكتشاف كوكبنا. تعليقا على ذلك، تقول ليزا كالتينيجر، عالمة الفلك ومديرة معهد كارل ساجان في جامعة كورنيل: "من منظور تلك الكواكب الأخرى، فإن الكائنات الفضائية في حقيقة الأمر هي نحن". أليس ذلك كفيلا بأن يُثير فيك شعورا بالقشعريرة؟!

كوكبنا كهدف لكائن فضائي

قررتْ كالتينيجر وزميلتها جاكي فهرتي، وهي عالِمة فلك بالمتحف الأميركي للتاريخ الطبيعي، أن تتعاونا في مراجعة كتالوج (دليل بعثة جايا الصادر عن الوكالة الأوروبية للفضاء بشأن مواقع وحركة النجوم) يشمل ما يقرب من مليارَيْ نجم موجود في مجرة درب التبانة. كان هدف العالِمتين هو محاولة التوصل إلى عدد النجوم التي قد تكون في موضع يسمح لها برصدنا والتعرف على مكاننا. لكن عملية كهذه ليست بهذه البساطة التي تبدو عليها، إذ لا يمكن رصد الكواكب الخارجية إلا إذا كانت مدارات تلك الكواكب تقع ضمن مجال رؤيتنا، والشيء ذاته ينطبق على أي كائن آخر فضائي قد يبحث عن عوالم أخرى، فلا بد من أن تقع مدارات العوالم الأخرى ضمن مجال رؤيته أيضا.

لذا حاولتْ كلٌّ من كالتينيجر وفهيرتي التوصل إلى نقطة معينة في الفضاء يمكن من خلالها توفير أفضل رؤية لكوكبنا الصغير الهائم في هذا الكون الشاسع. وبالفعل أظهرتْ تحليلاتهم أن من بين هذه النجوم كان بإمكان 1715 نظاما نجميا أن يرصد الأرض منذ أن ازدهرت الحضارة البشرية قبل نحو 5000 عام.

صحيح أن فريق البحث تمكَّن من اكتشاف عدد هائل من النجوم، لكنه مع ذلك لم يستطع رصد سوى عدد قليل من الكواكب التي تدور حول تلك النجوم، التي قد يدعم بعضها وجود حياة على سطحه. وعن ذلك تقول كالتينيجر: "أظهرتْ نتائجنا بالإحصائيات أنه يجب أن تحظى معظم النجوم بكواكبها الخاصة التي تدور في فلكها، لكن كل ما هنالك أننا لم نعثر على جميعها بعد!".

تخيَّل معي أنه يمكن لهؤلاء المراقبين الذين ينظرون إلى كوكبنا من أحد تلك العوالم البعيدة أن يُشكِّلوا أفكارهم عن ماهية كوكبنا بجمع المعلومات نفسها التي استطعنا نحن جمعها عنهم أثناء تمشيطنا للكون جرّاء اشتعال شهية العلماء باستمرار لمعرفة المزيد عما يدور بالخارج. فإذا كان لديهم وسائل دقيقة يمكن أن يُعوَّل عليها مثل تلك التلسكوبات الفضائية العملاقة التي تبنيها البشرية الآن، فسيتمكَّنون بسهولة من معرفة حجم الأرض، ودرجة حرارة سطحها، ومعرفة أن كوكبنا يستغرق 365 يوما ليصنع دورة واحدة حول نجمنا. ألا يحق لاحتمال كهذا أن يتحوَّل إلى أحد أسباب القلق الجاثمة على صدور العلماء؟

لعل بإمكان هؤلاء الراصدين أيضا دراسة الكيمياء الغريبة ومزيج الغازات الذي يتكوَّن منه غلافنا الجوي، الذي من شأنه أن يشي بوجود شيء ما قد يعيش تحت تلك الغيوم. احتمال كهذا لم يبرح مخيلة علماء الفلك منذ أن اكتشفوا لأول مرة الكواكب الخارجية قبل 20 عاما، عن طريق مراقبتهم لحالات "الخفوت ومعاودة السطوع" الناجمة عن مرور الكواكب أمام نجومها، غير أن تحليل كالتينيجر وفهيرتي راعى أن مجرتنا ذات طبيعة ديناميكية، وليس هناك شيء ثابت على حاله فيها. فالنجوم دائما في حالة حركة مستمرة، ما يجعل النقاط التي حدَّدها العلماء لرصد الأرض من الخارج متغيرة هي الأخرى.

مراقبو الأرض

ماذا لو كنا نحن البشر كائنات فضائية بالنسبة لحضارات مجهولة؟

في السياق ذاته، يقول ديفيد شاربونو، عالِم الفلك في مركز هارفارد سميثسونيان للفيزياء الفلكية، الذي يعمل على اكتشاف الكواكب الخارجية ولكنه لم يشارك في البحث الأخير: "يمكن لبعض الكواكب الخارجية مراقبة الأرض وهي تدور حول الشمس لمدة زمنية تتجاوز مئات السنين، في حين قد يتابعنا آخرون لبضعة آلاف من السنين". فإن كنا محط أنظار الآخرين، وموضع اهتمامهم، وحضورنا مُلاحَظ، فذاك لا يعني بالضرورة أننا بالتبعية يمكننا رؤيتهم. لكي يحدث ذلك، لا بد أن تصطف مداراتنا بطريقة صحيحة تماما (بحيث تقع مدارات تلك الكواكب ضمن مجال رؤيتنا، والعكس صحيح).

انطلاقا من هذه النقطة، تقول كالتينيجر: "إن عملية رصد عوالم أخرى أشبه ما يكون بالتقاط وهج سريع لضوء سفينة تمر وسط أمواج متلاطمة في الليل". في بعض الأحيان، تقع مدارات تلك الكواكب ضمن مجال رؤيتنا فنرصدها قبل أن نقع نحن ضمن مجال رؤيتها.

 

قبل عدة سنوات، اكتشف علماء الفلك سبعة كواكب تدور حول نجم يبعد عن الأرض بمقدار 40 سنة ضوئية، وبدراسة اللحظات التي مرَّت فيها هذه الكواكب أمام شموسها، تمكَّن الباحثون من التوصُّل إلى معلومات عن هذه الكواكب، على غرار أنها كواكب صخرية بحجم الأرض تقريبا (تدور حول نجومها من مسافة مناسبة تسمح بتوافر الماء في صورة سائلة، فلا هي قريبة جدا من النجم ليتبخر الماء من أسطحها، ولا بعيدة جدا عنه فيتجمد، ما يؤهلها نظريا لتصبح بيئة صالحة للسكن فيها).

 

ومع ذلك، لن تتحرك هذه الكواكب الخارجية إلى المنطقة التي ستُمكِّنها من إلقاء نظرة خاطفة علينا قبل مرور 1642 عاما من الآن. حتى إن أقرب الكواكب خارج مجموعتنا الشمسية بحجم الأرض تقريبا، ويدور حول نجم لا يبعد عنا سوى مسافة 11 سنة ضوئية، فَقَدَ فرصته في رصد موقعنا منذ 900 عام تقريبا نتيجة لطبيعة الفضاء الديناميكية التي تجعل الأشياء في حضرتها دائمة التغيُّر. وخلال خمسة آلاف سنة قادمة، قد ينتقل أكثر من 300 نظام نجمي إلى موقع يُتيح له فرصة رصد كوكبنا الصغير وهو يدور حول شمسه.

 

تقول كالتينيجر وفهيرتي إن النجوم تستغرق بصورة عامة أكثر من 1000 عام للوصول إلى المنطقة التي ربما يصطف فيها النجم في وضع مناسب تماما ليُلقي نظرة خاطفة على عالمنا، وربما يكون هذا وقتا كافيا يمكن فيه لحضارة افتراضية واحدة على الأقل أن ترصدنا من الفضاء. ومَن يعلم! فقد نتراءى لها هدفا يُثير تعطُّشها لدراسة المزيد عنا واستكشاف كل شيء عن هذا الكوكب الصغير الذي يضمّنا في كنفه.

 

عيون ساهرة.. لكنها ليست نحن!

ماذا لو كنا نحن البشر كائنات فضائية بالنسبة لكيانات مجهولة؟

ما يميز بحث كالتينيجر وفهيرتي هو اقتراحهما لتجربة فكرية تُغذي فينا شعور الريبة وتُثير فينا عاصفة من الرجفة! تخيَّل معي أنه وسط هذا السكون الشامل الذي ينطوي عليه الكون، يتملَّكك شعور رابض في أعماقك بأن هناك عيونا ساهرة مُطَّلِعة على خفايا كوكبنا في محاولة لاستكشاف مجاهله. لن يكون هناك ما هو أشق على النفس ولا أدعى إلى سلب هدوئها من أن يجدنا بالفعل شخص ما مجهول الهوية من حضارة أخرى، تسوقه روح المغامرة، فيُقرِّر أن يشد الرحال إلينا.

في ظل كل هذا الترقُّب، علينا ألا ننسى أننا أيضا نحاول منذ مئات السنين استكشاف خبايا الكون، لكن الأشد مدعاة للأسف أن المركبة الفضائية التقليدية قد تستغرق عشرات الآلاف من السنين للوصول إلى أقرب نظام نجمي إلينا، وهو ما يُسمَّى "قنطورس المقدم"، الذي يبعد عنا مسافة 4.4 سنوات ضوئية، غير أنه ينبعث دائما من باطن الظلمة الحالكة شعاع من النور، وهذا الشعاع يتمثَّل في جهود فريق من العلماء قرَّر تكريس وقته لمحاولة تطوير مجسات صغيرة تعمل بالليزر يمكنها اختصار زمن الرحلة إلى 20 عاما فقط.

لم تعمل هذه الورقة البحثية على إثارة الدهشة في نفوس العامة بقدر ما أثارتْ دهشة مؤلفتها "كالتينيجر" التي تقول عن ذلك: "كانت صدمة بالنسبة لي في نهاية بحثي أن أعترف بأننا قد نكون بالفعل كوكبا خارج المجموعة الشمسية لأشخاص آخرين. ألا يدعو ذلك للتأمل! فكلما خرجت للاستمتاع بنزهة ليلية، أستمر في تأمل السماء، ولا ينفك يتردد في ذهني هذا السؤال: مَن الذي ينظر إلينا الآن يا تُرى؟ لكنني في النهاية ما زلت أحتضن بداخلي أملا في أن يُثير الغياب البسيط لضوء شمسنا ونحن نمر أمامها فضولهم لاكتشافنا كما دفعنا فضولنا لاكتشاف كواكبهم.

على المنوال ذاته، ظلَّت أفكار مماثلة كهذه تحوم في رأس عالم الفلك "ديفيد شاربونو"، وبدأ يتساءل هو الآخر: هل من الممكن أن يكون كوكبنا مثيرا للاهتمام بدرجة كافية تجذب انتباه بعض أشكال الحياة الأخرى؟ ويختتم حديثه قائلا: "رغم كل التخوفات التي من الطبيعي أن تسكننا لمجرد التفكير في وجود أشخاص لا نعرفهم على كواكب أخرى قد يراقبوننا، فإنه مع ذلك يظل هناك شعور مُحبَّب ناجم عن احتمالية أن نكون مَحط أنظار آخرين وموضع عنايتهم. فبعد كل شيء، سيكون من اللطيف لو أن حضورنا في هذا الكون الشاسع أصبح مُلاحَظا".

———————————————————————-

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

ترجمة: سمية زاهر.

المصدر : مواقع إلكترونية