كيف تحافظ على أناقتك في العمل دون أن تنفق كل راتبك؟

خلال عامين من العمل عن بُعد، اعتاد الكثيرون العمل من منازلهم مُرتدين البيجامة والخف المنزلي المريح. واليوم، عاد أغلبهم إلى العمل اليومي من المكتب، والبعض حصل على وظيفة جديدة، بينما يتنقل البعض الآخر من مقابلة عمل إلى أخرى سعيا وراء الحصول على وظيفة أو ترقية. إذا كنت تذهب إلى العمل يوميا لخمسة أيام أسبوعيا، فهذا يعني في المتوسط 260 يوما من العمل السنوي. للوهلة الأولى قد يبدو الحصول على مظهر أنيق في العمل بهذا العدد من الأيام تحديا كبيرا، خاصة أن تكلفة ملابس العمل -خاصة الرسمية منها- أعلى من العادية. فكيف يمكنك أن تبدو بمظهر أنيق في العمل دون أن تنفق راتبك بالكامل على شراء الملابس؟

لماذا نحتاج إلى الأناقة؟

على الرغم من صدق عبارة "الجوهر أهم من المظهر" فإنها تُستخدم أحيانا استخداما مضللا لتبرير إهمال المظهر، إذ يعتقد البعض أن الملابس والأناقة هي أمور ثانوية لا تستحق الاهتمام، لكن شئنا أم أبينا فإن مظهرك يؤثر مباشرة على عملك، سواء على الانطباع الذي تتركه عند الآخرين، أو على طريقة تفكيرك، وأيضا على الطريقة التي تؤدي بها عملك نفسه.

هذا التأثير تناولته دراسة أجراها كلٌّ من هاجو آدم وآدم جالنيسكي من مدرسة كيلوغ للإدارة في جامعة نورث ويسترن، ونُشرت في "جورنال أوف إكسبيرمنتال سوشيال سايكولوجي" (Journal of Experimental Social Psychology). في دراستهما، صاغ آدم وجالنيسكي مصطلح (Enclothed cognition)، الذي يمكن ترجمته إلى "الإدراك المتعلق بالملابس"، لشرح تأثير الملابس التي يرتديها الفرد على طريقة تفكيره عبر عاملين: المعنى الرمزي لقطعة الملابس، وتجربة ارتدائها. أجرى الباحثان تجربتين قدَّما في إحداهما معطفا أبيض لمجموعة من المشاركين باعتباره معطف طبيب، وقدَّموا المعطف نفسه لمجموعة أخرى باعتباره معطف رسام، حيث لوحظ على أفراد المجموعة الأولى زيادة الأداء في المهام المتعلقة بالانتباه مقارنة بأفراد المجموعة الثانية. (1)

حسنا، بالإضافة إلى تأثير الملابس التي نرتديها على طريقة تفكيرنا وإدراكنا للعالم، فهي تُعزِّز الشعور بالرضا وتُحسِّن من الحالة المزاجية، تذكَّر كل مرة ارتديت فيها ملابس جديدة تعجبك وشعورك الداخلي بالرضا عن صورتك الذاتية.

لكن تأثير الملابس لا يقتصر على صورتك الذاتية فقط، بل يتجاوز ذلك إلى التأثير مباشرة على الطريقة التي يراك العالم من خلالها. في دراسة أخرى أُجريت في جامعة ييل عام 2014، شارك 128 رجلا تتراوح أعمارهم بين 18-32 عاما في مفاوضات وهمية للبيع والشراء. تبيَّن أن مجموعة الأشخاص الذين ارتدوا بذلات رسمية حققوا متوسط أرباح 2.1 مليون دولار، بينما حققت المجموعة التي ارتدت ملابس محايدة متوسط أرباح بلغ 1.58 مليون دولار، في حين لم تزد أرباح المجموعة التي ارتدت ملابس رياضية على 680 ألف دولار.

لا يتعلق الأمر بسعر ملابسك بقدر ما يتعلق بتنسيقها وأناقتها، والأمر أعمق من مجرد مظهر خارجي، إذ إنه يرسل رسالة واضحة حول مدى اهتمامك بذاتك، وتخصيصك وقتا للعناية بها. الاهتمام بارتداء ملابس غير بالية، نظيفة ومكويّة بعناية يُظهِر مقدار عنايتك بنفسك وبذلك الجهد لتحسين مظهرك، من بين أشياء أخرى بالطبع.

خزانة ملابس العمل

حسنا، هل يعني هذا أنك تحتاج إلى مئات القطع في دولابك كي تبدو أنيقا؟ قطعا لا. لست مضطرا لإنفاق راتبك على ملابس العمل، ولا لحشر الكثير من قطع الملابس في دولابك، كل ما تحتاج إليه هو اختيار القطع بذكاء.

في البداية تحتاج إلى التعرف على كود الملابس الخاص بالمؤسسة التي تعمل بها، وهو أمر يمكنك ملاحظته من خلال مراقبة زملائك في العمل، وإذا كنت تستعد لإجراء مقابلة توظيف، فيمكنك تصفح موقع الشركة الإلكتروني أو صفحات التواصل الاجتماعي لرؤية أنماط ملابس الموظفين، أو ببساطة يمكنك سؤال موظف الموارد البشرية. يختلف الأمر بحسب بيئة عملك وطبيعة وظيفتك، ما بين الملابس الرسمية أو شبه الرسمية أو حتى الملابس غير الرسمية "الكاجوال". في كل الأحوال بإمكانك أن تبدو أنيقا وكأنك تملك زيًّا مختلفا لكل يوم، دون أن تشتري مئات القطع الغالية.

في مقال نشرته مجلة "فوغ" عام 1941 بعنوان "خزانة ملابس للحرم الجامعي بـ 100 دولار فقط"، قدمت المجلة مقترحا لخزانة الطالبة الجامعية يتكوَّن من عدد محدود من العناصر: أربع تنانير، وثلاث بلوزات، وسترتان، وقبعتان، ومعطف، وزوج من القفازات، وزوج من الأحذية، وهو الأسلوب الذي أُعيد إحياؤه في السبعينيات من خلال سوزي فو، صاحبة متجر "فو واردروب" (Faux Wardrobe) في لندن تحت اسم الخزانة أو الكبسولة، ووصفتها بأنها مجموعة من قطع الملابس الأساسية التي يمكن مزجها وتنسيقها بطرق مختلفة.

بلغ المفهوم ذروته عام 1985 حينما قدمت المصممة دونا كاران عرضا لكبسولة من ملابس العمل أطلقت عليه "سبع قطع سهلة". توفر هذه الطريقة إطارا سهلا يجعل عملية التسوق وارتداء ملابسك أسهل، وتعتمد على ممارسة الشراء بيقظة ووعي، بهدف امتلاك عدد محدود من القطع الأساسية ذات الجودة العالية التي يمكن إعادة مزجها وتنسيقها. (5) وقد عاد هذا الاتجاه إلى دائرة الضوء في السنوات الأخيرة مع ظهور اتجاهات مثل التقليلية أو المينيماليزم، وتزايد المخاوف بشأن اتجاهات الموضة السريعة.

كتاب "المشروع 333" لـ "كورتني كارفر"

في كتابها "المشروع 333" (project 333) تنصح كورتني كارفر بامتلاك 33 قطعة فقط، يشمل ذلك الملابس والأحذية والحقائب والإكسسوارات أيضا للمواسم الأربعة، فيما يعتبر تطبيقا عمليا لفكرة الكبسولة. بدأت كورتني هذا التحدي عام 2010. قبل عدة سنوات كانت تتمنى أن تكون خزانتها غرفة واسعة كي يتاح لها تخزين مئات القطع التي تتمنى الحصول عليها، لكن من خلال هذا التحدي استطاعت تقليص خزانتها لتستوعب فقط 33 قطعة لكل موسم، أي لكل ثلاثة أشهر، ومن هنا جاء اسم مشروعها. لا يُحتسب في هذه القطع خاتم الزواج والملابس الداخلية وملابس المنزل والنوم والرياضة.

بالبحث عن الصور التي تحمل هاشتاج #project 333 على منصات مثل "غوغل" أو "بينترست" سوف تجد العديد من النماذج التي استلهمها متابعوها، ويمكنك أن تستلهمي منها أيضا أفكارا تناسبك. ستساعدك هذه الأفكار على الظهور بمظهر أنيق دوما دون إنفاق الكثير، وستنعمين بخزانة خالية من الفوضى، وإذا كان عملك يتطلب السفر والانتقال من مكان إلى آخر فبإمكانك أن تسافري بخفة دون حمل الكثير من القطع.

نموذج من هاشتاج #project 333

بينما تنصح كارتر بـ 33 قطعة، ينصح البعض الآخر بامتلاك 50 قطعة، ويبالغ البعض الآخر ليقتصر على 10 قطع فقط. يختلف الأمر من شخص إلى آخر باختلاف نمط العمل ونمط الحياة، ومقدار ما يمكنك إنفاقه أيضا. لكن تظل الجودة مفتاحا أساسيا في هذا الأسلوب، حيث يوفر عليك شراء قطع عالية الجودة دفع المئات في ملابس تبلى سريعا بعد مرات معدودة من ارتدائها. (6)

الخطوة الأولى هي اختيار قائمة الألوان: احرص على اختيار لون أو لونين أساسيين مثل الأسود أو البني أو الرمادي، واشترِ القطع الأساسية مثل البناطيل أو المعاطف أو الحقائب بدرجات الألوان الأساسية. اختر ألوانا أخرى مميزة وأكثر إشراقا ويمكن تنسيقها معا لاستكمال مجموعتك. وعادة ما تُستخدم هذه الألوان لعناصر مثل القمصان أو الفساتين والإكسسوارات، بحيث تكون جميع العناصر في خزانة الملابس قابلة للتبديل، لأن ألوان جميع القطع تناسب بعضها بعضا دائما.

احرص على فرز دولابك والتأكد من العناصر التي لديك، ربما تكتشف العديد من القطع الخفية التي تعتقد أنها لا تناسب العمل، لكن بقليل من الإضافات يمكنك أن تجعلها تبدو مناسبة، مثلا قميص قطني عادي، بإمكانك تنسيقه مع بذلة أو مع بليزر وتنورة رسمية للنساء، وبقليل من الإكسسوارات المميزة نحصل على تنسيق جديد.

كذلك إذا كان عملك يشمل حضور حفلات أو سهرات عشاء رسمية على سبيل المثال، فاحرص على امتلاك بعض القطع المناسبة خصيصا لتلك المناسبات. (7) وعموما، يمكنك أن تنسق خزانتك بقطع قليلة مناسبة مع التأكد من مناسبتها لكود الملابس في مكان عملك، سواء كان رسميا أو غير ذلك.

الملابس الرسمية

في مجالات مثل القانون والبنوك والتمويل عادة ما تسيطر الملابس الرسمية المحافظة والتقليدية. استثمر في بذلة كلاسيكية بلون محايد، وتأكد من مناسبتها لك، ومن أن القماش لا يتجعد بسهولة. النساء أيضا بإمكانهن الاختيار بين الفساتين الرسمية بألوان محايدة أو السترات والتنانير أو السراويل الرسمية، وإذا ارتديت فساتين أو تنانير قصيرة فاحرصي على ارتداء جوارب طويلة شفافة باللون المناسب، واحرصي على اختيارها بجودة عالية كي لا تتعرض للتمزق أو التلف السريع. يجب أن تكون الملابس مريحة، فلن تتمكن أبدا من التركيز على عملك وأنت ترتدي بنطالا ضيقا ومزعجا.

وبالنسبة للنساء، إذا كان عليك ارتداء حذاء ذي كعب عالٍ، فلست مضطرة لارتدائه طوال الوقت، خاصة لو كنت تعانين من آلام الظهر. بإمكانك الاحتفاظ به في مكتبك، وارتداء أحذية مسطحة في الطريق من وإلى المكتب. وللحفاظ على كعب الحذاء يمكنك أن تطلبي من متخصص إصلاح الأحذية إضافة قطعة رقيقة من المطاط إلى الكعب، وهو ما سيحافظ عليه لفترة أطول ويحميكِ من الانزلاق على الأرضيات الناعمة، كما سيحمي زملاءك من صوت دقات الكعب على الأرض. (2)

الملابس غير الرسمية

بعض الشركات تُفضِّل تشجيع الموظفين على ارتداء ملابس غير رسمية، وخاصة في بيئات العمل الإبداعية والشركات الناشئة، وعلى الرغم من عدم وجود قواعد رسمية لتلك الملابس، يبقى هناك القليل من القواعد غير المعلنة. سيفيدك أن تراقب ما يرتديه الآخرون، على سبيل المثال هل يرتدون ملابس أنيقة لكنها غير رسمية، أم يمكنهم الحضور إلى العمل بسراويل قصيرة وملابس رياضية وشباشب بلاستيكية؟ أيًّا كانت درجة الحرية التي تسمح بها الشركة، احرص على تجنُّب الملابس التي تحتوي على عبارات أو طبعات مسيئة أو نابية.

يقع أغلب العاملين من المنزل في فخ ارتداء البيجاما والملابس المنزلية أثناء العمل، لكن تذكَّر ما ذكرناه في المقدمة حول تأثير الملابس على طريقة تفكيرك. الكثير من الدراسات تنصح بتخصيص طقوس معينة عند العمل من المنزل: الاستيقاظ في وقت محدد، وارتداء ملابس مختلفة عن ملابس المنزل، والجلوس في مكان مخصص للعمل.

لا يعني ذلك أنك تحتاج إلى ملابس فاخرة بقدر ما تحتاج إلى ملابس مريحة. كذلك من المحتمل أن تضطر لمغادرة المنزل من وقت إلى آخر لحضور اجتماعات أو مناسبات متعلقة بالعمل، أو حتى حضور اجتماعات عبر الإنترنت وفتح الكاميرا. تأكَّد من وجود قطع قليلة من الملابس المناسبة لهذه الأوقات.

وبالطبع إذا كان عملك في بيئة غير مكتبية فهناك معايير مختلفة عليك أخذها في الحسبان، إذا كنت تعمل في مصنع أو مستودع فسوف تحتاج إلى أقمشة متينة تتحمل ظروف العمل، وإذا كنت تقضي يومك في مكان مشمس (موقع بناء مثلا) فستحتاج إلى ملابس تقي من أشعة الشمس في الصيف، وأخرى مقاومة للماء في حالة الأمطار غير المتوقعة في الشتاء. أما إذا كان عملك بواسطة آلات، فمن الممكن أن يُشكِّل ارتداء ملابس ذات أكمام فضفاضة خطرا على سلامتك. من المهم اختيار ملابس مريحة مناسبة لمهنتك، وسهلة في العناية والتنظيف، ولا تعوقك عن أداء مهامك، مع أحذية مريحة ومتينة. (3)

سر البذلة الواحدة

إذا كان عملك يتطلب ارتداء بذلة يوميا، وكانت ميزانيتك محدودة، فهناك بعض النصائح التي ستساعدك على تغيير مظهرك بعدد محدود من البذلات، بل وربما ببذلة واحدة أو اثنتين فقط. احرص على تغيير قميصك يوميا، ولا يقتصر ذلك على تغيير لون القميص فقط، بل وأيضا نسيجه وقصته. بالإضافة إلى تغيير ربطات العنق ومناديل الجيب، كما يمكنك ارتداء البذلة في فصل الصيف مع قميص مناسب لمظهر أقل رسمية. احرص على أن تكون البذلة مناسبة لك، بإمكانك دائما الذهاب إلى شخص متخصص لجعلها مناسبة لمقاساتك.

وإذا كنت سترتدي عددا محدودا من البذلات أو بذلة واحدة، فيعني ذلك أنك ستحتاج إلى قماش متين عالي الجودة يتحمل الاستخدام اليومي، كما ستحتاج إلى الحرص على شراء بذلة من قماش مناسب لكلٍّ من الصيف والشتاء حيث يمكنك دائما إضافة طبقة من الملابس أسفل البذلة أو ارتداء معطف فوقها. (4)

_________________________________________________________________

المصادر:

  1. Enclothed cognition
  2. What to Wear to Work, From Women Who Have It Figured Out
  3. Tips and Suggestions for Choosing Your Workwear: Look and Feel Good at Work
  4. How To Wear The Same Suit Every Day (And Look Good Doing It)
  5. Life is easier with a capsule wardrobe
  6. What Is A Capsule Wardrobe?
  7. The History of Capsule Wardrobes And How To Build One That Isn’t Boring

 

المصدر : الجزيرة