لا تتوقف عن طرح الأسئلة.. كيف تستعيد شعور الطفولة الذي يمنحك السعادة ويحميك من القلق؟

الفضول .. شعور الطفولة الذي يمنحك السعادة ويحميك من القلق

لا يتوقف الأطفال عن الحركة في سنوات عمرهم الأولى، تبدو في عيونهم رغبة شديدة لاستكشاف كل ما حولهم، كل شيء يُحيط بهم يُمثِّل لهم شيئا جديدا يُثير رغبتهم في الاقتراب واللمس والتذوق أحيانا، أي شيء يبدو لهم باهرا ويستحق الجهد ليحبو الطفل ويتعرف إليه، يقودهم دائما الفضول، شيئا فشيئا نألف الأشياء وتقل الرغبة في التعرف على ما يحيط بنا، لكن الاحتفاظ بهذا الشعور يُغيِّر شكل حياتنا ويترك أثره حتى في صحتنا، ويُضيف إليها ما هو أكثر من لمعة عيون الأطفال التي تتوقد عندما يلوح أمامهم شيء مثير.

 

هكذا يفيدنا الفضول

يساعدنا الفضول في تجديد عقولنا والتعامل مع التغيير، ويمنحنا القابلية للتعلم فنكون أكثر مرونة، تتقبل عقولنا استكشاف شيء مختلف فتضع افتراضاتنا موضع الشك، وتُقبل على البحث عن معلومات أخرى، وهكذا يمنحنا الفضول الثقة بالنفس ويخفض مستويات القلق

الفضول؛ تلك الرغبة في استكشاف أحداث جديدة ومعقدة وغامضة، والاهتمام الذي نُبديه في المواقف التي نجد فيها إمكانية للتعلُّم، حملت لنا كثيرا من الخبرات في الحقيقة، لقد تعلمنا من خلال الرغبة في البحث عن تجارب جديدة، ومعرفة ما سيحدث، وكيف سيكون رد فعل الآخرين، كان الفضول وراء كل الاكتشافات والاختراعات عبر التاريخ، والسبب في الخبرات التي راكمها البشر. (1)

 

في دراسة أجراها مارتن سليجمان وكريس بيترسون لاكتشاف نقاط القوة التي ميَّزت رجال التاريخ العظماء، حلَّل الباحثون النصوص الدينية والفلسفية من ثقافات مختلفة للتعرف إلى ما يجمع بينها، وكان هناك 24 صفة تُعَدُّ نقاط قوة مشتركة، كان الشعور بالفضول أكثرها ارتباطا بالسعادة والشعور بالإنجاز.(2)

 

يساعدنا الفضول في تجديد عقولنا والتعامل مع التغيير، ويمنحنا القابلية للتعلُّم فنكون أكثر مرونة، تتقبل عقولنا استكشاف شيء مختلف فتضع افتراضاتنا موضع الشك، وتُقبل على البحث عن معلومات أخرى، وهكذا يمنحنا الفضول الثقة بالنفس ويخفض مستويات القلق، بينما نميل إلى إصدار أحكامنا وفق معايير صارمة نوعا ما لا نتقبَّل سواها حين نفقد الفضول، ونفقد الرغبة في تعلُّم الجديد.

 

بعد سنوات من البحث في شعور الفضول لدى الإنسان، جمع تود كاشدان، أستاذ علم النفس في جامعة جورج ماسون، الفوائد التي يحققها الفضوليون، وتناول كتابه "فضولي؟ اكتشف المُكوِّن المفقود لحياة مثمرة" دراسة نُشرت عام 1996 تابعت أكثر من 1000 مريض تتراوح أعمارهم بين 60-86 عاما على مدى خمس سنوات، لتجد أن مَن امتلكوا شعورا بالفضول عاشوا لفترة أطول وفي ظروف أفضل. (3)

 

لا تتوقف عن طرح الأسئلة

لا تتوقف عن طرح الأسئلة.. كيف تستعيد شعور الطفولة الذي يمنحك السعادة ويحميك من القلق؟

عند دخولهم إلى عملهم الجديد، غالبا ما يتردد الموظفون المنضمون إلى العمل في أستوديوهات بيكسار (Pixar Animation Studios) في طرح الأسئلة أو التشكيك في وضع الشركة التي تملك سجلا ناجحا في تقديم الأفلام والأعمال الرائعة التي يعرفها الجميع، لكن إد كاتمول، رئيس الشركة، يؤكد دائما أن بيكسار مثل كل المؤسسات الأخرى، ليست مثالية، وفي حاجة دائما إلى أعين جديدة تكتشف الفرص وتُقيِّم الممارسات القائمة وتُعيد إدراك حدود معرفة ومهارات العاملين بالشركة.

 

في بيئات العمل مثل بيكسار، يساعد وجود الفضول لدى القادة والموظفين في إحداث تغيير إيجابي، فهو يُمكِّنهم من التكيف مع التغييرات والضغوط الخارجية، ويسهم في القدرة على التفكير العميق، عند اتخاذ القرار يحمينا الفضول من الوقوع فريسة للتحيز، فيدفعنا إلى اتخاذ القرارات العقلانية والبحث في الحلول والبدائل والتوصل إلى حلول أكثر إبداعا، وهذا هو بالفعل ما تحاول إدارة بيكسار فعله؛ حث الموظفين على الأسئلة، المزيد من الأسئلة دوما.

 

في دارسة قدَّمتها فرانسيسكا جينو، عالمة السلوك وأستاذة إدارة الأعمال في كلية هارفارد للأعمال، على نحو 200 موظف في شركات مختلفة، تلقَّى العاملون في بداية يوم العمل رسالة مرتين في الأسبوع لمدة أربعة أسابيع، كانت الرسالة تتضمن عدة أسئلة وتطلب منهم وضعها في الاعتبار خلال يوم العمل: "ما الموضوع أو النشاط الذي يثير فضولك اليوم؟ ما الشيء الوحيد الذي عادة ما تأخذه أمرا مُسلَّما به وتريد أن تسأل عنه؟ يرجى التأكد من طرح بعض الأسئلة أثناء مشاركتك في العمل".

 

وكان هناك مجموعة أخرى تتلقى رسالة مختلفة وتطلب أيضا وضعها في الاعتبار: "ما الموضوع أو النشاط الذي ستشارك فيه اليوم؟ ما الشيء الوحيد الذي عادة ما تعمل عليه أو تفعله وستكمله اليوم أيضا؟"، بعد أربعة أسابيع كان المشاركون من المجموعة الأولى يسجلون درجات أعلى عند تقييم درجة الابتكار في العمل، واستطاعوا تقديم اقتراحات بناءة لحل المشكلات.

 

وفي دراسة ميدانية قدَّمها سبنسر هاريسون وآخرون، تم تقييم درجة الفضول لدى عدد من الذين يبيعون سلعهم عبر موقع إلكتروني للتجارة الإلكترونية ثم قياس إبداعهم، ووجد الباحثون ارتباطا بين زيادة درجة الفضول ووجود قدر من الإبداع، كانت درجة واحدة في مقياس الفضول تعادل زيادة في القدرة على الإبداع تصل إلى 34%.

 

أشارت فرانسيسكا جينو إلى أن المخاوف التي تتملَّكنا في الغالب فتمنعنا من طرح الأسئلة في العمل حتى لا يرانا الآخرون مزعجين أو ربما أغبياء تفاقم المشكلة وتزيد رسوخ الاعتقاد بأنه ليس ثمة جديد لتعلُّمه، بينما في الحقيقة يرانا الآخرون أكثر كفاءة.(4)

 

على مقياس الفضول.. أين تقف أنت؟

الفضول

حسنا، يمنحنا الفضول هذه الفوائد إذن، لكن الشعور الذي يحاول العلماء سبر أغواره ليس نوعا واحدا؛ هناك مَن يشعر بالفضول ليكتشف كيف يعمل جهاز ما أو يتابع ظاهرة تحدث في سماء الليل، وهناك مَن يهتم بالتعرف على حياة الآخرين ومتابعتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إنه ليس نوعا واحدا.

 

في خمسينيات القرن الماضي، كان دانيال بيرلين من أوائل علماء النفس الذين قدَّموا نموذجا شاملا للفضول وأسبابه، وتابع جورج لوينشتاين من جامعة كارنيجي ميلون في عام 1994 تقدُّم نظرية "فجوة المعلومات" التي تدفعنا إلى الفضول عندما ننتبه إلى ما ينقصنا من معلومات، ومؤخرا، جمع تود كشدان، أستاذ علم النفس بجامعة جورج ميسون، ومؤلفون آخرون ما توصَّل إليه العلماء ليُقدِّموا أنواع الفضول المختلفة، تُحدِّد هذه الأنواع تأثير الفضول في حياتنا، واعتمادا على نوع الفضول لديك يمكن معرفة تأثيره الحقيقي في حياتك.(5)

 

كان النوع الأول هو الأكثر بساطة، إنه "الاستكشاف المبهج"، وهو النموذج الكلاسيكي لشعور الفضول، أن تعرف شيئا جديدا، وهو يحمل لك دائما متعة المعرفة، كيف تصنع طعاما تحبه، أو تطرز ثوبا جميلا، إنها معرفة في أبسط صورها. النوع الثاني هو "حساسية الحرمان"، إنه شعور بالفضول يدفعنا إليه إدراكنا لوجود فجوة في المعرفة، ونشعر بالراحة عند سدّ تلك الفجوة، إنه لا يوفر لنا الشعور بالرضا بقدر ما يدعم قدرتنا في حل المشكلات.

 

أما النوع الثالث فهو "التسامح مع الإجهاد"، ففي مرحلة أكثر تعقيدا يعني اختبار شيء جديد أن تتحمل بعض المخاطر، وأن تُلقي بنفسك خارج منطقة الراحة التي عهدتها، بينما تتنازع داخلك مشاعر التوتر أو الإجهاد من ناحية وشعور الفضول من ناحية أخرى، إننا نعرف ذلك الشعور عندما نختار طوعا أن ننتقل إلى قسم جديد في العمل، ويحمينا شعور الفضول هنا من مقاومة التغيير.

 

ثم يُفرِّق العلماء بين نوع آخر هو "الفضول الاجتماعي" الذي يدفعنا إلى تتبُّع حياة الآخرين، أفعالهم ودوافعهم وردودهم أحيانا، فنتابع ذلك من خلال الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي وحتى بسؤالهم مباشرة أحيانا. وأخيرا "البحث عن الإثارة" الذي يدفعنا إلى خوض بعض التجارب التي تنطوي على مخاطر ما، لكننا نشعر بإثارة أكبر فنُقبل على التجربة، إنه الفضول الذي يدفعنا إلى ممارسة رياضة جديدة مثل التجديف أو ركوب الدراجات المائية، أو السفر إلى بلد جديد والاستمتاع بالمغامرة.(6)

 

واصل تود كشدان وزملاؤه في دراستهم لأنواع الفضول اكتشاف الفوائد التي ترتبط أكثر من غيرها بكل نوع من أنواع الفضول، ووفق ما كشفت عنه استطلاعاتهم كان للاستكشاف المبهج مثلا علاقة أقوى بالمشاعر الإيجابية الشديدة، بينما كان لتحمُّل الإجهاد صلة أقوى بإشباع الحاجة إلى الشعور بالكفاءة والاستقلالية والانتماء، وارتبط الفضول الاجتماعي بسمات الكرم والطيبة والتواضع.

 

كشفت دراسات عبر مناطق جغرافية متنوعة أن أنواع الفضول مثل الاستكشاف المبهج، وحساسية الحرمان، وتحمل الإجهاد، والفضول الاجتماعي، كانت تدعم قدرات العاملين في الابتكار والإبداع والبحث عن التحديات والموارد والتعبير عن آرائهم، وكان الفضول الاجتماعي لديهم يُحقِّق نتائج أكثر من غيرهم في حل النزاعات مع الزملاء وبناء العلاقات والثقة والالتزام.(7)

 

أيقظ الفضول في عقلك

الفضول

يمكنك استعادة تلك السعادة الطفولية إذا ما أطلقت العنان لشعورك بالفضول، لطالما كان هذا هو شعورنا تجاه كل ما يحيط بنا، إنه شعور فطري لكن يمكن اكتسابه، في كل يوم اختر شيئا جديدا لتفعله: مهما كان بسيطا، جرِّب أن تسلك طريقا جديدا، أو تمشي في شارع جديد، أو تشاهد برنامجا جديدا أو هواية لم تكن تعرفها، اطرح أسئلة مختلفة عما اعتدت عليه، وفي نهاية اليوم فكِّر قبل الذهاب إلى الفراش: هل كنت أكثر فضولا اليوم؟

 

لا تستسلم لذلك الشعور بأنك تعرف ما ينطوي عليه الأمر، دائما فكِّر فيما يمكنك تعلُّمه، وما يمكنك الانتباه إليه، قد تعثر على نقطة بداية لشيء مثير حقا، هناك ما يمكن أن تتعلمه. وأخيرا عندما تحادث أحدهم ركِّز في الاستماع، قُم بتمرين واعٍ للتركيز فيما يقوله، دون أن تنشغل بما تريد قوله -كما يفعل أغلبنا-، إنك تنشط الفضول لديك لتقتنص المزيد من المفاجآت.

 

النصائح التي نتلقاها في مواجهة القلق بأن نلجأ إلى الأعمال اليدوية أو الكتابة أو الطهي أو حتى الخروج في نزهة تشترك فيما بينها في قدرتها على استثارة شعور الفضول لديك، وهذا هو ما نحتاج إليه بالفعل في لحظات القلق؛ الدافع الذي يخلقه بداخلنا الفضول، والمتعة التي يُحقِّقها لنا. (8)

————————————————————

المصادر:

  1. The five-dimensional curiosity scale: Capturing the bandwidth of curiosity and identifying four unique subgroups of curious people
  2. Strengths of character, orientations to happiness, and life satisfaction
  3. Los cinco tipos de curiosidad: ¿cuál es el tuyo y para qué te sirve?
  4. The Business Case for Curiosity
  5. The Five Dimensions of Curiosity
  6. The Five-Dimensional Curiosity Scale: Capturing the bandwidth of curiosity and identifying four unique subgroups of curious people
  7. The Five Dimensions of Curiosity
  8. Despertar la Curiosidad
المصدر : الجزيرة