معركة كوفيد الأخيرة.. هل يمكن إنتاج لقاح مُوحَّد لكل المتحورات؟

SAN RAFAEL, CALIFORNIA - APRIL 06: Jatniel Hernandez fills syringes with COID-19 vaccine booster shots at a COVID-19 vaccination clinic on April 06, 2022 in San Rafael, California. The U.S. Food and Drug Administration has authorized a second COVID-19 booster of Pfizer-BioNTech and Moderna vaccines for people over 50 years old four months after their first booster. Justin Sullivan/Getty Images/AFP== FOR NEWSPAPERS, INTERNET, TELCOS & TELEVISION USE ONLY ==

مقدمة للترجمة:

حسنا، كوفيد-19 لم يذهب بعيدا، كل ما حدث هو أن أجواء الحرب الأوكرانية غطت على أخبار الصفحة الرئيسية خاصتك، إلا أن العالم يشهد حاليا تصاعدا في أعداد الإصابات والوفيات، يُرجَّح أنها راجعة إلى المتحور الجديد "أوميكرون"، في هذا السياق حينما نتساءل عن مصيرنا مع الفيروس، يجب أيضا أن نتساءل عن مصيرنا مع لقاحاته، هل ستنتج سنويا؟ كيف ستتعامل مع المتحورات؟ وإلى أي مآل ستنطلق كل تلك الفوضى الوبائية؟ هذه المادة من "ذا أتلانتيك" تعطيك إجابة مبسطة مفصلة عن هذه الأسئلة.

 

نص الترجمة:

في يونيو/حزيران من العام الماضي، الوقت الذي كان يستعد فيه متغير دلتا لإقحام العالم في خضم موجة جديدة، خرج الرئيس التنفيذي لشركة فايزر "ألبرت بورلا" ليطمئن الجميع بأن الأمور تحت السيطرة، وأن شركته قادرة على التحرك سريعا، وحتى إن زادت الأمور تعقيدا بظهور سلالة جديدة شديدة التحور من فيروس كورونا-سارس-2 المسبب لكوفيد-19، فستتمكن شركته من تصنيع جرعات مضادة لهذه المتحورات في أقل من 100 يوم، وهو تعهد أخذه على نفسه في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي عندما بدأ أوميكرون يُكَشِّر عن أنيابه معلنا عن خطر جديد.

مع انتهاء المئة يوم في لمح البصر، لم تَلُح أي إشارة في الأفق توحي بجهودات الشركة في إلزام نفسها بالبدء بإجراء ما يتطلبه الأمر من تجارب سريرية والحصول على البيانات المناسبة. ومع هذه الحقيقة، أصبح من الصعب على الشركة أن تفي بوعودها (عند سؤال الشركة إن كان إنتاج اللقاح على صعوبته يقتضى منها 100 يوم فقط فما الذي يعرقلها إلى الآن، لم تصرِّح بشيء سوى أنها ستوافينا بالمستجدات فور الانتهاء من تحليل البيانات). وفي خضم هذا السباق، كانت شركة موديرنا على الجانب الآخر تتجهز هي الأخرى لتلحق بالركب لإنتاج لقاح مضاد لمتحور أوميكرون لكن في أواخر الصيف.

SAN RAFAEL, CALIFORNIA - APRIL 06: Vials of Moderna COVID-19 vaccine sit on a table at a COVID-19 vaccination clinic on April 06, 2022 in San Rafael, California. The U.S. Food and Drug Administration has authorized a second COVID-19 booster of Pfizer-BioNTech and Moderna vaccines for people over 50 years old four months after their first booster. Justin Sullivan/Getty Images/AFP== FOR NEWSPAPERS, INTERNET, TELCOS & TELEVISION USE ONLY ==

حتى لو استطاعت شركة فايزر إحراز نتائج جيدة، فذلك لا يعني أن اللقاح الذي ستنتجه ضد متحور أوميكرون سَيُحدِث بالضرورة فرقا هائلا، إذ سرعان ما تتراجع شدة الموجة من تلقاء نفسها في أغلب أنحاء العالم بمجرد بلوغها الذروة، لكن لو تمكنت الشركة فعلا من إنتاج لقاح مخصص خلال مئة يوم فقط، لاعتُبر ذلك إنجازا غير مسبوق في تاريخها. ومن جانبها، تقول "سوميا سواميناثان"، كبيرة العلماء في منظمة الصحة العالمية: "إن الوتيرة التي يُطوِّر بها الفيروس طفراته الجديدة أسرع من قدرة الشركات المُنتِجة للقاحات على ملاحقة هذه الطفرات في هذه المدة القصيرة".

 

إن فكرنا قليلا فيما آلت إليه الأمور، فسنكتشف أننا كنا محظوظين بما يكفي لأن مجهودات المتخصصين في صناعة اللقاحات الأولى ضد فيروس كورونا لم تذهب سُدى، إذ ما زالت تقف بالمرصاد أمام المتغيرات الجديدة. كما أكد المتخصصون أن تلقِّي جرعتين من اللقاح إضافة إلى جرعة ثالثة مُعزِّزة لا يزال الخيار الأفضل في مكافحة انتشار كورونا. لكننا لا نفطن إلى كثرة الأردية التي يمكن للمتحور الواحد أن يتلفع بها، ما يعني أن أوميكرون لن يكون آخر متغير من سلالة سارس-كوف-2، وهذا يجبر الشركات على الاستمرار في إنتاج اللقاحات.

 

ملك الطفرات الأكبر

قد نكون في المستقبل القريب بصدد مواجهة قرارات صعبة لا مناص منها بشأن المحفزات التي قد تشجع متحورات أخرى على الظهور، فنضطر من جديد إلى الانغماس في خضم حملة لقاحات جديدة خاصة بهذه المتغيرات، ومن الطبيعي أن يخامرنا شعور بالقلق إزاء كيفية التصرف معها. ومع ذلك لا يجب علينا الاستسلام لمستقبل قاتم يفرض علينا اللحاق بآخر المستجدات المتعلقة بالمتحورات الجديدة. أحيانا ننغمس في تتبع آخر المستجدات التي توصلتْ إليها اللقاحات ونسهو عن حقيقة أن الأمر لم يعد بهذا القدر من الأهمية، ولو افترضنا أنه يمثل كل هذه الأهمية، فلا يجب أن ننسى على الأقل أننا نملك ما يكفي من الخبرة للتعامل مع أي مشكلة جديدة متعلقة بهذا المجال.

COVID-19 testing center in Hong Kong- - HONG KONG, CHINA - FEBRUARY 08: A health worker assist residents as they queue in line at a Covid testing center to receive PCR tests as Hong Kong confirms a daily record of 625 new coronavirus infections in Hong Kong on February 8, 2022. On efforts to control the spread of the virus, Hong Kong government has imposed the toughest social-distancing rules as well as vaccine pass extended to shopping centres, department stores, supermarkets, wet markets, religious places and salons, the latter two to be closed until February 24.
يساعد عامل صحي السكان أثناء وقوفهم في طابور في مركز اختبار Covid لتلقي اختبارات PCR (وكالة الأناضول)

‏‏فبدلا من أن نستسلم للذعر الذي يتملّكنا إزاء ظهور أي متحور جديد على الساحة، لا بد من أن نعطي لأنفسنا فرصة لمراقبة الفيروس عن كثب واستغلال المعلومات التي بحوزتنا لاتخاذ إجراءات مدروسة والتصرف بتروٍّ أكبر. إن الطريقة الأفضل لتحصين أنفسنا ضد أي متغير هي محاولة استكشافه بتتبع خطواته إلى أن نصل إلى الأماكن التي تجذبه للاختباء والتحور فيها، ومن ثَم استئصالها. تُعَد الإنفلونزا مثالا ممتازا يوضح هذا النوع من تتبع رحلة الفيروسات، إذ إن الفيروسات التي تسبب مرض الإنفلونزا دائمة التغير بصورة متكررة تجعلها قادرة على مراوغة الجهاز المناعي و التملص من قبضته.

 

لقد تعقَّب العلماء الأوبئة على مدار عقود عن طريق شبكة مراقبة عالمية ضخمة تضم نحو 150 مختبرا يجمع بين طياته كل عام ملايين العينات من المرضى بهدف استكشاف التسلسل الجيني للفيروسات الرابضة بداخلها، ثم تنتقل هذه البيانات فيما بعد إلى منظمة الصحة العالمية التي تعقد بدورها مؤتمرين سنويين لتحديد السلالات التي يجب إضافتها إلى لقاحات الشتاء القادم.

 

ومن جانبه، يرى "ريتشارد ويبي"، مدير المركز التعاوني التابع لمنظمة الصحة العالمية للدراسات حول بيئة الإنفلونزا في الحيوانات والطيور، أنه يمكننا الاستعانة بنظام مراقبة الفيروسات لتعقب فيروس كورونا-سارس-2، إذ تتداخل أعراض المرضين معا، وقد جمعت المستشفيات بالفعل هذه العينات لاختبارها من خلال البحث في جينومات فيروس كورونا عن إشارات حمراء صغيرة (طفرات) ناجمة عن تغييرات كبيرة في بروتين الحسكة (الذي يعتمد عليه الفيروس للالتصاق بالخلايا البشرية)، ثم نقل المتحورات الأكثر إثارة للقلق إلى مختبر شديد الأمان، حيث يمكن تحريضها مباشرة ضد الجزيئات والخلايا المناعية.

Aisha Abdi Mohamed, a laboratory technician, holds a blood sample inside the Medipark Diagnostics lab that runs tests for the coronavirus disease (COVID-19), in Mogadishu, Somalia October 14, 2020. Picture taken October 14, 2020. REUTERS/Feisal Omar

وفقا لنموذج الإنفلونزا الذي نعتمد عليه في تعقب كورونا، فإن الفيروسات المرشحة التي يمكن إضافتها إلى اللقاح لا بد من أن تستوفي ثلاثة شروط: أولها، لا بد من امتلاء سطحها بطفرات غير مألوفة. ثانيها، تمتعها بدهاء كاف يصعِّب على الأجسام المضادة تتبعها. وأخيرا، ضرورة انتشارها بسرعة من شخص إلى آخر. في السياق ذاته، ترى الدكتورة "سواميناثان" أن بديل الفيروس الذي أُجريت عليه الكثير من التعديلات الكافية للتغلب على مناعة الأصحاء وحتى المُلَقحين هو أفضل نموذج يمكن الرجوع إليه للتعديل على اللقاحات.

 

في سبتمبر/أيلول الماضي، شكّلت منظمة الصحة العالمية فريقا استشاريا جديدا كُلِّف بإجراء التعديلات المناسبة على لقاحات كورونا، وتأمل الدكتورة "سواميناثان" أن يتعاون هذا الفريق مع الفريق المختص بلقاحات الإنفلونزا. قد تسير الأمور جيدا دون تعقيد فلا نحتاج حينها إلى اتخاذ إجراءات سريعة تجاه لقاحات كورونا، إذ يعتقد العلماء أن فيروسات كورونا بمجرد وصولها إلى مرحلة التوطن تتحور بصورة أبطأ وأقل حدة من الفيروسات المسببة للإنفلونزا؛ ما يعنى أن الحِمل سيكون أخف وطأة مقارنة بما اختبرناه سابقا.

 

ولأننا نستطيع أن نجد في أقسى صور الشقاء أسبابا للتفاؤل، يأمل بعض الخبراء أن يكون استمرار انتشار العدوى وظهور لقاحات جديدة فرصة جيدة لتحصين مناعتنا ضد المتحورات الجديدة، وذلك كما يحدث في حالة الإنفلونزا، فاللقاحات لا تبدأ قوية أساسا، فضلا عن سرعة تراجعها واضمحلالها ومن ثَم تلاشيها شيئا فشيئا بصورة سريعة. فإن باتت مناعتنا أقوى ضد هجمات كورونا-سارس-2، وكان الفيروس أقل عدوانية، فقد لا نحتاج إلى إجراء تعديلات كثيرة على لقاحات كورونا كما نفعل مع لقاحات الإنفلونزا.

A doctor prepares operating materials for samples before analysing them to ensure they are not infected with the coronavirus disease (COVID-19), inside Benghazi Medical Center in Benghazi, Libya April 22, 2020 REUTERS/Esam Omran Al-Fetori

حتى أوميكرون الذي يُعتَبر أشد أنواع المتحورات مدعاة للقلق، تبدو اللقاحات المخصصة ضده فعالة وقوية للغاية، لذا ترى الدكتورة "سواميناثان" أن جميع السكان لن يكونوا بحاجة إلى تلقي لقاحات سنوية، باستثناء أصحاب المناعات الضعيفة وكبار السن. غير أننا أصبحنا قادرين الآن على إجراء تعديلات جديدة بسرعة فائقة على اللقاحات المعتمدة على الحمض النووي الريبي المرسال "mRNA" (أمثال فايزر وموديرنا).

 

يستغرق إنتاج دفعات جديدة من لقاحات الإنفلونزا حوالي ستة أشهر على الأقل، بداية من اختيار سلالات اللقاح، مرورا بإنتاجها، وصولا إلى حقن الناس بها. تحدث هذه العملية من نهاية الشتاء إلى بداية الخريف الذي يليه، وتُعَد هذه مدة كافية ليترعرع خلالها الفيروس ويظفر بفرصة للتحور، في الوقت الذي تحتاج اللقاحات المُعتمِدة على الحمض النووي الريبوزي أمثال فايزر وموديرنا إلى نصف الوقت فقط لتتحول من كونها مجرد فكرة إلى حقيقة يمكن إنتاجها وتوزيعها؛ ما يعفينا من حمى التشتت والتخمين التي قد تستحوذ على عقولنا.

 

مشكلات كبيرة

لكن، في الوقت ذاته، علينا الانتقال من شرنقة الهيام الغامض بالمستقبل الوردي إلى أرض الواقع قليلا والرضوخ إلى حقيقة أن بعض هذه الأهداف قد تكون بعيد المنال. إن أطرقنا نفكر قليلا، فسنكتشف أن عدم قدرتنا على تعقب خط سير فيروس كورونا-سارس-2 أمرٌ له ما يسوِّغه، بعكس فيروسات الإنفلونزا مثلا التي يسهل تعقبها بدءا من ميلها إلى الانتشار في فصل الشتاء، وصولا إلى تراجعها في الفصول الأدفأ؛ ما يبعث فينا شعورا بأن هذا هو الوقت الأمثل لتوزيع اللقاحات.

SOFIA, BULGARIA - JANUARY 13: Nurse Tinka Bacheva, (L) administers a COVID-19 vaccination at Bar for health on January 13, 2022 in Sofia, Bulgaria. Bar for health is a place where people can get vaccinated and drink some tea or coffee. Bulgaria, the EU bloc's nation with lowest vaccination rates at less than 30% of the population having received two doses, has recorded an outbreak of contaminations in recent days. More than 31,000 people have died since the start of the pandemic in this country of 6.5 million people, one of the highest death rates in the world. (Photo by Hristo Rusev/Getty Images)

تَتبع مراحل تطور فيروسات الإنفلونزا نمطا خطيا في اتجاه واحد بصورة لا يتطرق إليها التردد، فمثلا تميل السلالات الرئيسية من العام الماضي إلى إنجاب سلالات رئيسية جديدة هذا العام لتحل محلها وتتسلم الراية من بعدها، لذا ترى الدكتورة "إيما هودكروفت"، عالمة الأوبئة الجزيئية بجامعة برن السويسرية، أن ذلك يسهِّل علينا -إلى حدٍ ما- التنبؤ بالاتجاه الذي تسلكه هذه الفيروسات، وتصميم لقاحات ملائمة لها، على عكس فيروس كورونا مثلا.

 

ومن جانبه، يحذر "ريتشارد ويبي" من أن فيروس كورونا لا يكتفي بتبني نهج عشوائي في تطوره فحسب، وإنما يفاجئنا أيضا بظهور متحورات جديدة منشقة من سلالات قديمة، فبدلا من أن نوجّه جل تركيزنا إلى السلالات السائدة حاليا، نواجه تشتتا إزاء أزمة ظهور متحورات جديدة منشقة من سلالات قديمة. ولعل أقرب مثال على ذلك هو أوميكرون الذي لا يندرج أصلا تحت سلالة دلتا.

 

في السياق ذاته، يقول "فلوريان كرامر"، عالم الفيروسات في كلية ماونت سيناي للطب: "إن كنا شهدنا على تطور فيروس كورونا في اتجاه خطي (أو في صورة تدريجية) مثلا، فأحرى بنا أن نلجأ إلى اللقاحات الخاصة بأوميكرون، أليس كذلك؟ لكن هذا ما لم يَتَراءَ إلى أعيننا قط". إذ لا يزال يفاجئنا فيروس كورونا بصورة مُربكة للغاية فاقت توقعات علماء الفيروسات الذين لا يزالون إلى الآن في حَيرة من أمرهم بشأن انتهاء أزمة كورونا وما تبعها من إرباك احتل موضعا عميقا في نفوسنا ولعب بأعصابنا أيما لعب.

 

من يعلم؟! لربما ينتهي المطاف بفيروس كورونا متتبعا نهجا شبيها بالإنفلونزا، فيتدرج في مراحل تطوره بدلا من تبني خط سير عشوائي يظهر نِتاجا لانفجار نجمي، وقد يقع اختياره على فصل الشتاء، الوقت الذي يتمتع فيه السكان بمستويات عالية من المناعة، فيصبح الأمر أشبه بخطة لإرضاء الطرفين والتعايش معا. حينما تكون آليات الدفاع المناعي لجسم المضيف قوية بما يكفي، فإنها تغدو قادرة على الحد من المسارات التي يمكن للفيروس أن يسلكها، وذلك بإبطاء سرعة ظهور المتحورات الجديدة والسيطرة على الوضع بتوليها زمام الأمور.

SOFIA, BULGARIA - JANUARY 13: Nurse Tinka Bacheva, (L) prepares a syringe of COVID-19 Pfizer-BioNTech Comirnaty vaccine at Bar for health vaccination centre on January 13, 2022 in Sofia, Bulgaria. Bar for health is a place where people can get vaccinated and drink some tea or coffee. Bulgaria, the EU bloc's nation with lowest vaccination rates at less than 30% of the population having received two doses, has recorded an outbreak of contaminations in recent days. More than 31,000 people have died since the start of the pandemic in this country of 6.5 million people, one of the highest death rates in the world. (Photo by Hristo Rusev/Getty Images)

وعن هذا تقول "هيلين تشو"، الباحثة في لقاحات الإنفلونزا بجامعة واشنطن: "إن غايتنا الآن وجل آمالنا أن يبلغ الفيروس مرحلة توطن تجعله فيروسا موسميا مستقرا"، لكن لا يلوح في الأفق ما يشير إلى المدة التي قد يستغرقها الفيروس ليصل إلى مرحلة التوطن هذه، أو مدى صعوبة الأمر، أو ما إذا كان سيحدث من الأساس. من الطبيعي أن تثير كل هذه الشكوك في أنفسنا قلقا إزاء المستقبل، وهذا ما أكدته "هيلين تشو" حينما أعربت عن قلقها أيضا من عدم امتلاكنا الأسس التي يمكن من خلالها تحديد المتحورات أو الأماكن التي تجذبها باعتبارها بيئة آمنة ومناسبة للتحور فيها بسرعة فائقة.

 

ما هو قادم

غالبا ما تستهدف هذه المتحورات أصحاب المناعة الضعيفة، أو الحيوانات التي تُعَد هي الأخرى بيئة ممتازة للتحور بداخلها ومن ثَم نقل العدوى إلى باقي الكائنات الأخرى (يتبنى فيروس الإنفلونزا السيناريو نفسه، باستهدافه للفصائل الأخرى من الحيوانات باعتبارها بيئة مناسبة للتحور فيها، ونقل هذه العدوى إلينا؛ متسببا في جائحة وبائية).

 

من الصعب أن يفضّل فيروس كورونا الأماكن نفسها التي تستهوي فيروسات الإنفلونزا، لذا يتعين علينا تبني أنظمة مراقبة مختلفة. حتى إستراتيجيات مراقبة الإنفلونزا لم تسلم بالمناسبة من وجود ثغرات ملموسة مثل تلك التي ظهرت في أنظمة الدول النامية، لذا وفقا للدكتورة "سواميناثان" من الضروري أن نملك أجهزة مراقبة في كل مكان لرصد خطوات الفيروسات التي تعرف جيدا أين ترسِّخ مواطئ أقدامها.

 

خلال الفترة القادمة على الأقل، غالبا ما ستستمر عمليات تحديث اللقاحات ببطئها المعتاد، بداية بظهور متحورات جديدة، وصولا إلى سعينا في مطاردتها بإنتاج اللقاحات. ومن جانبها، ترى "إيما هودكروفت"، عالمة الأوبئة الجزيئية بجامعة برن، أن تصنيع اللقاحات الأصلية المضادة لمجموعة أوسع من المُتحوِّرات -حتى وإن جاء متأخرا- سيكون أفضل من الاهتمام بتصنيع لقاحات نوعية ضد كل متحور جديد. فإن افترضنا مثلا أن هذا الأخير سيكون منشقا من سلالة أوميكرون، فسيتمكن لقاح أوميكرون من تحضير الجسم لما قد يواجهه مع المتحور الجديد حتى وإن لم يكن بكفاءة عالية.

FRANKFURT AM MAIN, GERMANY - DECEMBER 30: Syringes and the Moderna vaccine against Covid-19 pictured in a mobile vaccination station in a street tram during the novel coronavirus pandemic on December 30, 2021 in Frankfurt, Germany. Approximately 71% of people in Germany are now fully vaccinated and 36.6% have received a booster shot. Meanwhile Germany has confirmed over 10,000 infections with the Omicron variant, a number health experts predict will rise rapidly in coming weeks. (Photo by Thomas Lohnes/Getty Images)

يحذر العلماء مؤخرا من أن ينصب اهتمام الجميع على تصنيع اللقاحات الخاصة بأوميكرون فقط و التخلص تماما من اللقاحات الأصلية. ومن جانبها، تقول "شيريل كوهين"، عالمة الأوبئة من المعهد الوطني للأمراض المعدية في جنوب إفريقيا: "إن مضينا قُدُما نحو تصنيع لقاحات ضد أوميكرون وأوقفنا اللقاحات الأخرى، فقد يفتح ذلك الباب أمام سلالاتٍ قديمة للتحور من جديد أمام تراجع الأجيال الجديدة".

 

كما تحذِّر "راينا ماكنتاير" -أستاذة الأمن البيولوجي بجامعة "نيو ساوث ويلز" في أستراليا، وأحد أعضاء الفريق الاستشاري التقني بمنظمة الصحة العالمية- من مخاطر التحور السريع للفيروسات وانتقالها من نسخة إلى أخرى، ويُعد ذلك سببا كافيا ليتوقف لهاث الشركات وراء تصنيع لقاحات نوعية جديدة للمتحورات. لذا فإن النهج الأفضل هو تصنيع لقاح واحد شامل مضاد لمجموعة أوسع من المُتحوِّرات باستخدام شذرات صغيرة من البروتينات المأخوذة من أوميكرون ودلتا معا، فيصبح لدينا لقاح عالمي قادر على حمايتنا من جميع المتغيرات، بما في ذلك تلك التي "لا نعرف عنها شيئا بعد" على حد قول إيما هودكروفت، عالمة الأوبئة الجينية.

في النهاية، نحن لم نصل إلى جرعة شاملة مضادة لجميع فيروسات الإنفلونزا إلا بعد سنوات طويلة من الدراسة والكفاح، وربما ما زلنا نحاول حتى الآن مع المتغيرات التي تظهر كل عام. وعلى نحو مماثل، يتطلب فيروس كورونا-سارس-2 جهدا مماثلا. إذ ما زلنا نفتقر إلى الخبرة الكافية للتنبؤ بجميع المسارات التي يمكن للفيروس أن يسلكها، وما دمنا لم نفهم طبيعة العدو بعد، فمن الطبيعي ألا نتمكن من تصنيع لقاح شامل مضاد له، ومع ذلك لا يزال الأمل يلوح في الأفق. ومن جانبها، صرَّحت الدكتورة "سواميناثان" قائلة: "ما دمنا نرى جهودا مبذولة كل يوم في سبيل إنتاج اللقاحات، فأنا على ثقة بأن هذه المجهودات لن تذهب سُدى، وأظن أن الوقت قد حان لنتخلى عن شكوكنا إزاء نجاح هذه المجهودات، ونؤمن بداخلنا بأنها ستنجح فعلا".

————————————————————————

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

ترجمة : سمية زاهر.

المصدر : مواقع إلكترونية