الغيمة السوداء.. كيف تساعد صديقك المصاب بالاكتئاب على تجاوز الأعياد؟

الاكتئاب

كثيرًا ما نتحدث عن الإكتئاب، لكن ذلك عادة يحدث من وجهة نظر المرض والمريض، كيف يصيب الناس وما هي العلامات التشخيصية له وما هي الخيارات العلاجية المتاحة للتعامل مع حالة كتلك، لكن في خضم ذلك نتعامل مع أنفسنا -كرفاق أو أصدقاء أو عائلة المصاب بالإكتئاب كطرف محايد، وغير فعال في هذه العملية، وهو خطأ كبير، يتزايد حجمه في الأعياد والمناسبات المبهجة، والتي يقف مكانها بالنسبة للمصاب بالإكتئاب في منطقة معاكسة تماما.

 

الغيمة السوداء

الاكتئاب هو أحد أكثر الأمراض النفسية انتشارًا على مستوى العالم، لا يسبقه في القائمة سوى اضطراب القلق (Anxiety disorder)، الذي يصيب حوالى 14% من سكان العالم (1). ينتمى الاكتئاب إلى قائمة "اضطرابات المزاج" لذا فإن أهم أعراضه تتمثل في الشعور بالحزن بشكل مستمر لمدة تتعدى الأسبوعين، بالإضافة إلى عدة أعراض أخرى تؤثر على جودة الحياة وإنتاجية الفرد وعلاقاته الاجتماعية (2). من ناحية أخرى، فإن اضطرابات القلق تمثل قائمة خاصة بها، ورغم ذلك، تعاني 60% من حالات الاكتئاب من أعراض اضطراب القلق والعكس صحيح، حيث يميل هذان الاضطرابان إلى الحدوث سويًا في نفس الشخص (3).

 

فيما يخص منطقتنا العربية، فإن الاكتئاب ينتشر بنسبة 13-18% تقريبًا بين جميع الفئات، ولكن تحظى النساء بضعف عدد حالات الإصابة مقارنة بالرجال (4). عندما نتحدث عن الاكتئاب، فعلينا أن نضع جميع الفئات العمرية في الاعتبار، بمن فيهم الأطفال والمراهقين، فعلى عكس ما قد يظنه البعض بأن الاكتئاب مرض خاص بالبالغين، إلا أنه وفقًا لمنظمة الصحة العالمية (WHO)، موجود بنسبة 1.1% في الأطفال بين عمري 10-14 عامًا، وتزداد النسبة إلى 2.8% في المراهقين بين عمري 15-19 عامًا (5). لذا لا يجب إهمال الأعراض الاكتئابية التي قد تظهر على الأطفال في أي سن.

الأطفال ايضًا قد يعانون من الاكتئاب
الأطفال ايضًا قد يعانون من الاكتئاب (مواقع التواصل)

على الجانب الآخر، تزداد فرصة الإصابة بالاكتئاب كلما تقدمت في السن، حيث تصل نسبة مرضى الاكتئاب فوق سن ال60 عامًا إلى 13.3%، وفقًا لأحدث مراجعة منهجية، والمنشورة في دورية نيوروساينس أند بيهافيورال ريفيوز – Neuroscience and behavioral reviews" شهر يناير/كانون الثاني 2022 (6). لا يوجد عامل واحد مسئول عن الإصابة بالاكتئاب، بل يحدث الأمر نتيجة تضافر عدة عوامل جينية وبيئية ونفسية، تعمل معًا على ظهور هذا الاضطراب، كما تحدد حدّته وتأثيره على الفرد، لذا أى فرد قد يكون معرضًا للإصابة بالاكتئاب إن اتفق وجود هذه العوامل معًا.

 

أحزان العيد

من المفترض أن تكون الأعياد مناسبات احتفالية، تجتمع فيها العائلات والأصدقاء حول الولائم، ويقضون وقتًا ممتعًا، ويستمتعون بالإجازة الطويلة نسبيًا بعيدًا عن هموم العمل. ولكن تحمل فترة الأعياد همومها الخاصة، والتى قد تصيب أى أحد بما يسمى "باكتئاب الأعياد- Holiday blues" أى الحزن الذي يصيب الفرد خلال فترة العيد، فماذا لو كان الشخص يعاني من الاكتئاب بالفعل؟ وفقًا لتقرير صادر من الاتحاد الوطني للأمراض العقلية (NAMI) عام 2014، فإن 24% ممن يعانون من مرض عقلي ما (مثل الاكتئاب أو القلق) أقرّوا أن الأعياد تجعل أعراضهم أكثر سوءًا (7).

 

لذا، قد تشكل الأعياد عبئًا على مريض الاكتئاب، وتسبب تفاقم الأعراض، بدلا من كونها فرصة للاستمتاع مع العائلة والاستجمام بعيدًا عن العمل. تتنوع أسباب هذا العبء بين العبء المادي الكبير الذي يتحمله رب الأسرة تحديدًا من ملابس جديدة وطعام كثير وهدايا ومعايدات، وبين التوقعات المرتفعة لكل أفراد الأسرة بضرورة "الشعور بالسعادة" في العيد، الأمر الذي لا يتحقق في كثير من الأحيان مما يورث مزيدًا من الإحباط. وربما يكون العيد تذكرة بمن فقدت من أحباء ليسوا هنا اليوم، مما يورث شعورًا بالوحدة رغم صخب التجمعات العائلية (8). (للمزيد اقرأ تقرير ميدان: عيد بدون "خناقة".. دليلك لتخطي اكتئاب الأعياد).

انفوجراف

 

انتبه للعلامات

يتوقف الدور الذي ستلعبه في حياة صديقك على مدى قوة علاقتكما، ومساحة مشاركة الأسرار والمشاعر بينكم. ربما تعلم بالفعل أن صديقك مصاب بالاكتئاب أو القلق، وأنه يزور طبيبًا نفسيًا وربما يتناول نوعًا أو أكثر من الأدوية. وربما كان صديقك نفسه لا يعلم أنه مصاب بأحد هذين الاضطرابيين، ولكنه يعاني أمام ناظريك، لذا يكون من المفيد أن تُلمّ بأعراض الاكتئاب أو القلق وتحاول تمييزها فيمن حولك كخطوة أولى نحو المساعدة.

 

بالطبع لا يمكنك أن تلعب دور الطبيب وتندفع إلى تشخيص صديقك، ولكن ربما تلاحظ بعض الأعراض التي تشير إلى وجود مشكلة، وتستدعي حديثًا وديًا مع صديقك ونصيحته بزيارة الطبيب. يعاني الجميع من إحساس الحزن والرغبة في الانعزال بين فينة وأخرى، وربما فقدان الشهية واضطراب النوم والشعور بالإحباط من ظروف الحياة، ولكنها ليست بالضرورة دليلًا على وجود مشكلة. تبدأ المشكلة عندما تتفاقم هذه الأعراض لدرجة تؤثر على سير الحياة اليومية للفرد، وتعيق اهتمامه بنفسه ونظافته، وتدفعه للغياب عن العمل أو إهمال مسئولياته، أو عندما يبدأ في الحديث عن الموت وإيذاء النفس (9).

يعاني مريض الاكتئاب من الحزن المستمر والرغبة في الانعزال، والشعور بانعدام الأمل في الحياة.
يعاني مريض الاكتئاب من الحزن المستمر والرغبة في الانعزال، والشعور بانعدام الأمل في الحياة. (مواقع التواصل)

بالإضافة إلى الأعراض السابقة، فقد تلاحظ أن صديقك أصبح قليل الكلام عن المعتاد منه، بطيء الحركة، كثير النسيان، يشعر بالذنب والخواء، وفقد اهتمامه بهواياته التى كان يستمتع بها فيما مضى. ربما تلاحظ أيضًا وجود أعراض إحدى اضطرابات القلق، مثل القلق الزائد عن الحد حول المستقبل والأحباء بما لا يتناسب مع مجريات الأمور الحقيقية، العصبية الزائدة والتوتر المستمر، صعوبات النوم وفقدان الشهية، أو حتى الخوف البالغ من شئ بعينه، أو الخوف من الخروج من البيت (10). ضع في اعتبارك أن النساء وكبار السن أكثر عُرضة للإصابة بهذين الاضطرابين، ولكن هذا لا يعني أن الأطفال والبالغين خارج القائمة.

 

يد العون

الآن أنت مدرك أن صديقك في مشكلة حقيقية وبحاجة للمساعدة، ولكن عليك أن تكون حريصًا في حديثك معه حول الأمر، حتى لا ينفر من المساعدة كليًا. ما زال المرض النفسي والعلاج لدى طبيب نفسي يحمل وصمة اجتماعية في جميع أنحاء العالم، وربما بشكل خاص في منطقتنا العربية. في الواقع، قد يكون صديقك مدركًا تمامًا أنه يعاني من مشكلة، ولكنه يرفض اللجوء للطبيب هربًا من الوصم بالجنون وإساءة المعاملة. عليك تعلّم استخدام اللغة الحيادية المناسبة في الحديث عن المرض النفسي، ليس فقط بينك وبين صديقك، بل وخلال التجمعات والمناقشات العامة أيضًا.

 

ربما تكون حسن النية، ولكن إن سمعك صديقك تسخر من المرضى النفسيين، وتصفهم بالجنون في أحد المرات، فكيف تتوقع منه أن يثق بك عندما تحاول اقناعه بزيارة الطبيب؟! هنا يجب الفصل بين الإنسان والمرض، كأن تقول فلان يعاني من الاكتئاب أو القلق، وليس فلان مكتئب وقَلِق، فالمرض النفسي لا يحدد شخصية المصاب به. استخدام اللغة السليمة في الحديث عن المرض النفسي، وتصحيح الآخرين عندما يتحدثون بطريقة تَصِم المريض النفسي، قد يدفع صديقك للوثوق بك واللجوء إليك من تلقاء نفسه، لذا ضع هذا الأمر في اعتبارك في تجمعات العائلة والأصدقاء (11).

 

الأمر الآخر هو الاستهانة بشكوى المريض النفسي، خاصة المصاب بالقلق أو الاكتئاب. كأن يعبّر صديقك عن حزنه أو عجزه عن مغادرة السرير في الصباح، فتخبره أنه أمر عادي ويحدث للجميع، ثم تبدأ في مقارنة حالته بحالتك. يحتاج الإنسان إلى "التصديق – Validation"، تصديق أن معاناته حقيقية، وأن ما يشعر به وما يمر به صعب حقًا، وأنه لا يدّعي الحزن ولا يحاول لفت الانتباه. قد لا تفهم ما يمر به صديقك لأنك لم تمر به من قبل، لكن إعطاء حديثه المصداقية والتعاطف معه يعطيه شعورًا بالأمان للحديث معك، مما يمنحك فرصة حقيقية لمساعدته.

 

اختيار الزمان والمكان المناسب للحديث أيضًا عامل مهم للغاية، من الأفضل أن يكون الحديث من شخص لشخص بدل من مجموعة كبيرة تواجه شخصًا واحدًا، في مكان خاص بحيث لا يسمع حديثكما أحد. من المهم أيضًا انتقاء الفرصة المناسبة، عندما يكون صديقك في حالة جيدة نسبيًا، لا يعاني من الإرهاق أو التوتر الشديد، لأن هذه العوامل قد تؤثر على استقباله لحديثك وعدم إعطائه الأهمية الكافية. من الضروري أن تخفض سقف توقعاتك بخصوص استجابته للنصيحة من المرة الأولى، توقع دومًا أن يُقابل حديثك بالمقاومة والإنكار أو التقليل من حدة المشكلة من صديقك نفسه.

من الأفضل الحديث مع صديقك في مكان خاص وهادئ،  وفي وقت لا يكون فيه مرهقًا أو متوترا.
من الأفضل الحديث مع صديقك في مكان خاص وهادئ،  وفي وقت لا يكون فيه مرهقًا أو متوترا.

في تلك الحالة، يمكنك استخدام بعض استراتيجيات الإقناع، ولكن بلطف وهدوء ودون إجبار. استخدم علاقتكما كدافع لصديقك لكي يطلب المساعدة، أخبره أن مساعدة طبيب مختص ستنعكس إيجابيًا على علاقتكما، وعلاقته بكل من حوله، دون أن تشعره بالضغط أو الذنب تجاهك. في هذه الأثناء، احرص على ذكر محاسن صديقك، وكل الصفات الإيجابية التى تحبها فيه، بحيث تكون رسالتك "أنت شخص جيد، وأتمنى أن أراك أفضل" بدلًا من "أنت شخص سيئ، وعليك أن تحسن من نفسك". المصاب بالاكتئاب قد يشعر أنه غير محبوب وأنه لا أمل له في الحياة، لذا ربما يعطيه كلامك بعض الأمل.

 

أيضًا، يمكنك لفت نظره إلى سلوكيات ومواقف محددة تمثل المشكلة التي تراها، دون هجوم على شخصه. إن أردت إخبار صديقك أنه أصبح أكثر عصبية في الفترة الأخيرة، استخدام عبارات تبدأ ب"أنا" بدلا من "أنت"، بالإضافة إلى التصديق، كأن تقول "أعرف أنك تعاني وأنك لا تقصد إيذاء أحد، ولكنني قلق من زيادة حدة عصبيتك في الآونة الأخيرة وهذا قد يؤذي الآخرين، هل تتفق معي؟". بعد أن تنجح في اكتساب ثقة صديقك، اعرض عليه المساعدة الفعلية، كأن تذهب معه لأول موعد مع الطبيب النفسي، أو أن توفر له بعض عناوين وأرقام الأطباء الموثوقين، أو حتى خدمات العلاج النفسي الموثوقة عبر الانترنت (12).

 

طوارئ نفسية

حسنًا، لقد نجحت بالفعل في إقناع صديقك باللجوء للطبيب، ولكن هذه ليست نهاية المطاف، في الفترات التي تتفاقم فيها أعراض المرض، عليك أن تكون أكثر حرصًا في مراقبة صديقك. في عام 2019، فقد 700 ألف إنسان حول العالم حياتهم بسبب الانتحار، ويمثل الاكتئاب عاملًا كبيرًا في هذا الرقم (13). من الشائع أن يعتقد الناس أن من يتحدث عن الانتحار كثيرًا لا يود الانتحار بالفعل، وأنه من يرغب في إنهاء حياته سيفعل ذلك بهدوء، ولكنه اعتقاد خاطئ تمامًا. انتبه للعلامات التحذيرية للانتحار، مثل أن يكرر صديقك الحديث عن الرغبة في الموت، أو قتل النفس، أو أن يتمنى أن لم يولد من الأساس (14).

انتبه للعلامات التحذيرية للانتحار، مثل أن يكرر صديقك الحديث عن الرغبة في الموت، أو قتل النفس، أو أن يتمنى أن لم يولد من الأساس
انتبه للعلامات التحذيرية للانتحار، مثل أن يكرر صديقك الحديث عن الرغبة في الموت، أو قتل النفس، أو أن يتمنى أن لم يولد من الأساس

ليس هذا فحسب، بل مجرد الانشغال بالحديث عن الموت والعنف، والانسحاب المفاجئ من الحياة الاجتماعية والرغبة في البقاء وحيدًا أيضًا. ربما تفصح أفكار صديقك عن نفسها عندما يودّع من حوله كأنه لن يراهم ثانية، أو يهتم بوصيته في توقيت لا يبدو ملائمًا. احذر أيضًا إذا لاحظت أن صديقك صار متهورًا أثناء قيادة السيارة أو عبور الطريق، أو أنه بدأ أو زاد من تعاطي المخدرات أو الكحوليات. عليك أن تكون مستعدًا بخطة طوارئ محددة، خاصة في الأعياد عندما ينشغل الجميع بالاحتفال، بينما قد لا تستطيع التواصل مع الطبيب المعالج لصديقك في الوقت المناسب. احتفظ بأرقام الطوارئ الخاصة ببلدك، وعنوان أقرب مشفى يمكنه التعامل مع حالات الانتحار تحسبًا لوقوع الأسوأ.

 

في النهاية، فإن المصاب بالإكتئاب بحاجة لشبكة دعم قوية من الأهل والأصدقاء، الذين يستطيعون تفهمه وتقبّله، ولا يَصِمُونَه أو ينبذُوه بعيدًا، لأنه يشعر بانعدام القيمة والأمل في الحياة، والذنب تجاه الجميع، وفقدان الرغبة في كل شئ، حتى مساعدة نفسه. لا تكتفِ بتعلّم مهارات التعامل مع المصاب بالاكتئاب، وإنما تحدث إلى صديقك أيضًا واسأله عما يُفضّله وكيف يمكنك أن تساعده، ولكن لا تَعِدْهُ بما لا تستطيع فعله وإلا فقد ثقته بك. وتذكر في النهاية أنك لست طبيبًا نفسيًا ولا يمكنك مساعدة صديقك وحدك دون مساعدة المختصين، وتقبّل أن هناك حدودًا لما يمكنك فعله من أجل من تحب وأن لا عيب في ذلك.

———————————————————————

المصادر

1- Mental health statistics 2022

2- Depression (major depressive disorder) – Symptoms and causes – Mayo Clinic

3- The Comorbidity of Anxiety and Depression | NAMI: National Alliance on Mental Illness

4- Depression: Prevalence and Associated Risk Factors in the United Arab Emirates – PMC.

5- Adolescent mental health.

6- The global prevalence of major depressive disorder (MDD) among the elderly: A systematic review and meta-analysis – ScienceDirect

7- Mental Health and the Holiday Blues | NAMI: National Alliance on Mental Illness

8- Holiday Depression Triggers What Causes Holiday Blues?

9- Helping Someone with Depression

10- Anxiety disorders – Symptoms and causes – Mayo Clinic

11- How You Can Stop Mental Illness Stigma | NAMI

12- How to Encourage Someone to See a Therapist | NAMI: National Alliance on Mental Illness.

13- Suicide worldwide in 2019.

14- Depression: Supporting a family member or friend – Mayo Clinic

المصدر : الجزيرة