وضعت تحديا للقراءة هذا العام.. كيف يمكنك أن تلتزم به؟

reading challenge

قديما في عصر ما قبل مواقع التواصل، كانت "هناء" تحرص على كتابة أسماء الكتب التي تقرؤها طوال العام على ورقة في دفتر يومياتها، بحيث تستطيع في نهاية العام أن تعرف عدد الكتب التي قرأتها. أما "علي" فيحكي أن أول تحدٍّ للقراءة شارك به كان في مدرسته الابتدائية في الثمانينيات حين نظمت المدرسة مسابقة بين طلابها لقراءة 10 كتب من مكتبة المدرسة وكتابة ملخص بسيط عنها.

 

اليوم يحرص "علي" و"هناء" على تسجيل كل كتاب يقرآنه على حسابيهما في منصة "جود ريدز"، وكذلك تقييم الكتب ومنحها تلك النجوم الصغيرة من نجمة واحدة حتى خمس نجوم تبعا لمقدار الاستفادة منه أو الرضا عنه. وبالطبع في كل عام يشارك كل منهما في تحدي "جود ريدز" السنوي للقراءة.

 

ظهر تحدي منصة "جود ريدز" للقراءة للمرة الأولى عام 2011، وشارك فيه نحو 147,975 مشاركا، بينما يصل عدد المشاركين في العام الحالي 2022 إلى نحو 3,520,560 مشاركا(1)، فهل تحقق هذه التحديات أهدافها حقا وتدفع المشاركين إلى قراءة المزيد، أم أن الأرقام التي لا نتمكن من تحقيقها تظل تعاندنا وتؤرقنا وتضيف أحمالا إضافية على كواهلنا المرهقة بالفعل؟

منصة "جود ريدز" للقراءة
منصة "جود ريدز" للقراءة

لقد بات وضع الأهداف والتحديات ومشاركتها على الملأ على مختلف منصات التواصل الاجتماعي من السلوكيات الشائعة، حيث يعتقد الأشخاص الذين يقومون بهذا أن ذلك الإعلان عن أهدافهم يمنحهم حافزا على تحقيقها، لكن البعض يشعرون بالإحباط إن تخلّفوا عن تحقيق أهدافهم أو قارنوا إنجازاتهم بإنجازات غيرهم من المشاركين.

 

مشاركة أهدافك على الملأ.. هل تفيدك حقا؟

"في نهاية العام أحيانا أجد نفسي مدفوعا لقراءة كتب لا أهتم بها حقا لمجرد صغر حجمها، وأن بإمكاني إنهاءها سريعا كي أسجلها، مجرد عدد يُمكّنني من إنهاء التحدي"

– من تعليق لأحد المشاركين في تحدي القراءة

‘Election Day’ 1948 by Norman Rockwell
‘Election Day’ 1948 by Norman Rockwell

قد لا نعرف متى بدأت تحديات القراءة تحديدا، لكن ربما تكون أول بذورها المعروفة ظهرت في عام 1895 على يد "ليندا إيستمان" التي اختيرت من قبل جمعية المكتبات الأمريكية واحدة ضمن أهم 100 أمين مكتبة في القرن العشرين، بعدما أنشأت دوري مكتبة "كليفلاند" للأطفال لتشجيع الأطفال على القراءة في الصيف(2).

 

ورغم مرور هذا الوقت الطويل على بدء تحديات القراءة المعلنة، لا يزال الجدل مُحتدم حول فوائدها وتأثيرها، مع آراء ونتائج متباينة. على سبيل المثال، في دراسة نُشرت عام 2009 واستندت إلى 4 تجارب لفحص تأثير إعلان النوايا والأهداف الذاتية ومراقبتها من قبل آخرين، وُجد أنه بمجرد إعلانك عن أهدافك أو قراراتك لأشخاص آخرين فسوف تشعر بنوع من الرضا عن نفسك على الرغم من أنك لم تنفذها بعد، أو بعبارة أخرى: يحصل عقلك على المكافأة، وهي الشعور بالرضا قبل أن يقوم ببذل الجهد اللازم، فالعقل في تلك الحالة لا يميز بين السيناريوهات الحقيقية والسيناريوهات المتخيلة(3).

 

لكن على الجانب الآخر، تجد دراسات أخرى أن الإعلان عن أهدافك فكرة جيدة، فمع تكرار الحديث عن أهدافك، تقوى المسارات العصبية في الدماغ وتُسرَّع عملية التعلم. كما أن الالتزام أمام آخرين يدفعك لبذل المزيد لتحقيق هدفك. في دراسة في هذا الصدد نُشرت عام 2019 في "مجلة علم النفس التطبيقي (Journal of applied psychology)"، وجد الباحثون أن الأشخاص موضوع التجربة أظهروا التزاما أكبر بأهدافهم حين أخبروا عنها أشخاصا يعتقدون أنهم يتمتعون بمكانة أو احترام أعلى منهم. وطبقا لـ"هوارد كلاين"، أستاذ الإدارة والموارد البشرية في كلية فيشر للأعمال بجامعة أوهايو، فإن مشاركتك أهدافك مع أشخاص تقدر آراءهم وتحترمهم تعود عليك بنتائج إيجابية، وتحفزك لبذل مزيد من الجهد، سواء خوفا من الإحراج أو من إشعارهم بخيبة الأمل، أو تعزيزا لثقتهم بك(4).

 

لكن سواء اخترت أن تعلن عن أهدافك أو أن تبقيها لنفسك، فالأمر لا يتعلق بالآخرين قدر تعلقه بك وبقدرتك على المتابعة والالتزام. هناك إيجابيات وسلبيات لكلتا الطريقتين، إلا أنهما في النهاية مجرد أدوات كي تستطيع تحفيز دوافعك.

 

لماذا يمكن أن تفيدنا تحديات القراءة؟

COMPARTMENT C, CAR 293 (1938) BY EDWARD HOPPER
COMPARTMENT C, CAR 293 (1938) BY EDWARD HOPPER

حسنا، يمكن أن تكون تحديات القراءة إذن طريقة فعالة لزيادة التزامنا تجاه التعلُّم إذا أحسنّا استغلالها. إحدى المميزات الفريدة التي تقدمها هذه التحديات هي خلق دوافع إضافية للالتزام. يعد الافتقار إلى الدافع أحد أكثر الأسباب شيوعا لعدم الالتزام في القراءة، حتى عندما يدعي الأشخاص أنهم لا يجدون الوقت للقراءة، يكون السبب الحقيقي هو افتقارهم للدافع. ما ينقصنا حقا ليس الوقت، بل الدافع والانضباط، وتحديات القراءة تمنحنا تجربة مشتركة وهدفا مشتركا مع قراء آخرين. سواء على منصة جود ريدز أو في مختلف تحديات القراءة المنتشرة عبر الإنترنت، إن وجودك في تحدٍّ يشارك فيه آخرون يحفز روح المنافسة التي تحتاج إليها للخروج من منطقة الراحة.

 

وبالحديث عن منطقة الراحة، يجد العديد من القراء، حتى الملتزمون منهم، أنفسهم واقعين في أزمة قراءة النوع نفسه من الكتب. البعض لا يقرأ سوى الروايات، والبعض الآخر لا يقرأ سوى الكتب التاريخية. ننصحكم بالمشاركة في تحديات القراءة التي تدور حول أنواع الكتب لا عددها، وهناك أمثلة لا حصر لها من التحديات على الإنترنت، على سبيل المثال القراءة لكاتب من دولة معينة لم تقرأ شيئا من إنتاجها الفكري من قبل، أو القراءة لكاتب من حقبة زمنية بعينها، أو في موضوع لم تقرأ عنه من قبل. هذه النوعية من التحديات ستساعدك في تنويع خياراتك، وتفتح عينيك على مساحات قراءة مختلفة وشاسعة عن تلك المساحة التي حصرت قراءاتك فيها عبر السنوات الماضية(5).

MAN READING (PORTRAIT OF G. DAVIS), 1926by ROY DE MAISTRE
MAN READING (PORTRAIT OF G. DAVIS), 1926by ROY DE MAISTRE

لكن من أجل الاستفادة من هذه الفوائد، ربما عليك الانتباه إلى المشكلات الكامنة التي تنطوي عليها هذه التحديات، وفي مقدمة هذه المشكلات تحديد أهداف غير واقعية، على سبيل المثال، إن كنت قرأت 4 كتب خلال هذا العام فليس من المنطقي أن تضع هدفا لقراءة 50 كتابا في العام المقبل. لتحسين أرقامك أضف أقل من كتاب واحد في الشهر إلى متوسط ما قرأته خلال العام الماضي، على سبيل المثال، إن كنت قرأت 20 كتابا، فتحديد هدف قراءة 30 كتابا لهذا العام يبدو واقعيا أكثر من قراءة 50 كتابا.

 

وعلى العكس، قد ترغب في قراءة عدد أقل من الكتب هذا العام، إذ ربما قضيت العام الماضي في قراءة 150 كتابا خفيفا، وترغب هذا العام في التفرغ لقراءة 10 كتب متخصصة وصعبة الهضم. ألق نظرة سريعة على نوعية الكتب التي قرأتها خلال العام الماضي، وفكر في هدفك، هل تريد قراءة المزيد من الشعر على سبيل المثال؟ بناء على ما سبق ابدأ في تحديد هدفك(6).

 

مُعينات على الطريق

ربما عليك أن تولي عناية خاصة أيضا للموضوعات التي تقرأ حولها. احرص على اختيار موضوع يثير اهتمامك، خاصة إذا كنت قارئا مبتدئا. واختر كتابك بحرص، فمع آلاف العناوين التي تصدر سنويا احرص على بذل جهد في اختيار الكتب التي تنوي قراءتها. كذلك لا تجعل العنوان والغلاف دليلك الوحيد عند اختيار الكتب، ولا تعتمد حصرا على آراء الآخرين الذين ربما يختلف ذوقك وتفضيلاتك عنهم. تصفح الكتاب، وطالع فهرس الفصول لتتأكد من مناسبته لك. ابحث عن الاقتباسات المنشورة من الكتاب، والآراء النقدية الجادة التي تناولته.

 

إذا بدأت في قراءة كتاب فاصطحبه معك في كل مكان، سواء كنت في منزلك أو في الخارج، اجعله دائما قريبا من يدك، سيحفزك هذا على القراءة بدلا من التقليب في هاتفك على سبيل المثال. اقرأ في المنزل، وفي المواصلات العامة، وفي أوقات الانتظار الطويلة المملة في البنك أو في عيادة الطبيب. ربما تفكر أيضا في تجربة صور مختلفة من الكتب، مثل الكتب الصوتية التي يمكنك الاستفادة منها خلال القيادة، أو إبان القيام بأعمال المنزل، أو خلال ممارسة التمارين الرياضية، أو أي أعمال يدوية لا تحتاج إلى تركيز عقلي كامل.

القراءة في المواصلات

ومن أجل تجنب الانقطاعات المعتادة بسبب الملل أو الانشغال، عليك أن تُدمج القراءة بعاداتك اليومية. طبقا لدراسة أجريت في كلية لندن الجامعية ونشرت عام 2009 في "الدورية الأوروبية لعلم النفس الاجتماعي (European Journal of Social Psychology)"، يحتاج الفرد إلى ما بين 18 إلى 254 يوما لتثبيت عادة جديدة(7).

 

ابدأ بتخصيص 30 دقيقة للقراءة يوميا، ولتثبيت هذه العادة اربط القراءة بعادة أو وقت يومي متكرر، بحيث تتحول إلى روتين يومي. بعض الأشخاص يربطون القراءة بوقت ما قبل النوم، لكنهم يقعون في فخ الإرهاق والتعب في نهاية اليوم ويُفوّتون القراءة اليومية. إذا كنت من هؤلاء بإمكانك تحويل القراءة إلى عادة صباحية تقوم بها مع إفطارك مثلا، وهكذا تتحول القراءة من أمر تقوم به في الفائض من يومك قبل النوم إلى أولوية تبدأ بها يومك.

 

على أي حال، يُنصَح بالمرونة في خطتك. في بعض الأوقات تكون مرهقا ويكون اليوم مزدحما بالمهام. هناك قاعدة واحدة ننصحك بها: ألا تدع اليوم يمر دون قراءة صفحة واحدة يوميا. ولضمان ألا يسرقك الوقت بعيدا عن هدفك، ربما عليك أن تقسم هدفك النهائي إلى أهداف أصغر، فمثلا إن قررت أن تقرأ هذا العام 50 كتابا، فهذا يعني أن عليك أن تقرأ أكثر بقليل من 4 كتب في الشهر.

 

وأخيرا، تذكر دائما أن الهدف من التحدي هو أن تقرأ المزيد، وأن تستمتع بما تقرأ وتستفيد منه، وأنك في مضمار القراءة في سباق مع نفسك فقط لا مع الآخرين.

————————————————————–

المصادر

  1. 2022 reading challenge
  2. reading challenge what is it? And how it works?
  3. When Intentions Go Public: Does Social Reality Widen the Intention-Behavior Gap?
  4. Share your goals – but be careful whom you tell
  5. reading challenge what is it? And how it works?
  6. Six Steps for Building a Reading Challenge that Works for You
  7. How are habits formed: Modelling habit formation in the real worldy 
المصدر : الجزيرة