إغماء وإصابات وملاعب غارقة.. كيف يؤثر الاحتباس الحراري على مستقبل الرياضة؟

BARRANQUILLA, COLOMBIA - MAY 12: Agustín Fontana and Federico Girotti of River Plate drink water after tear gas wafted into the pitch thrown by riot police as part of a protest outside the stadium during a match between Junior and River Plate as part of group D of Copa CONMEBOL Libertadores 2021 at Estadio Olímpico Romelio Martínez on May 12, 2021 in Barranquilla, Colombia. (Photo by Daniel Munoz - Pool/Getty Images)

من ضمن كل اعتراضاتك المحتملة على بطولة يورو 2020، أو 2021 بالأحرى، لا نعتقد أن أطنان الكربون المنبعثة من طائرات المشجعين كانت منها. طبقا للتقديرات الرسمية للاتحاد الأوروبي لكرة القدم يويفا (UEFA)، فإن تنقُّل الجماهير بين 11 مدينة، من أذربيجان شرقا إلى إنجلترا غربا، قد أنتج 405 ألف طن من انبعاثات الكربون. للقياس، هذا يعادل وزن برج إيفل 40 مرة تقريبا. (1) (2)

 

كرات ذهبية

لو كان بلاتيني يُفكِّر في ارتكاب أكبر جريمة ممكنة ضد البيئة عندما أعلن عن نظام البطولة في 2012، لما أتى بفكرة أسوأ من إجبار آلاف المشجعين على التنقل لآلاف الكيلومترات عبر 11 دولة لمجرد الاحتفال بمرور 60 عاما على إنشاء البطولة. (3)

 

في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، قبل انطلاق البطولة بأكثر من عام كامل، قرَّر يويفا معادلة انبعاثات الكربون بالإعلان عن مشروع استثماري بيئي -إن جاز التعبير- بالشراكة مع مؤسسة "ساوث بول" (South Pole)، إحدى المؤسسات الاستشارية في مجال البيئة، لزراعة نحو 600 ألف شجرة في أنحاء القارة العجوز، ربما اعتذارا للأجيال القادمة عما ألحقته البطولة بالبيئة من ضرر دون أسباب واضحة. (1)

A private jet lands in Prestwick Airport, as world leaders gather in Glasgow for the UN Climate Change Conference (COP26), in Prestwick, Scotland, Britain, November 2, 2021. REUTERS/Dylan Martinez

هي خطوة في الاتجاه الصحيح بالطبع، وهي أفضل بكثير من إنتاج وزن 40 برج إيفل من التلوث لمجرد الاحتفال، ولكنها، في الوقت ذاته، تُعبِّر عن ثقافة الاستهتار التي تقود كرة القدم تجاه قضايا عالمية بهذه الخطورة، إذ بدلا من اتخاذ خطوات حقيقية لتقليل التلوث الناجم عن سفر المشجعين كل عام، كان الحل هو استمرار التلوث، وعلى أوسع نطاق ممكن، ثم زراعة الأشجار. (4)

 

هذه هي الثقافة الرسمية في كرة القدم، وإن أضفت إليها ما يحدث على المستوى الفردي، مثل طائرات اللاعبين الخاصة، وسياراتهم الرياضية التي تحرق الوقود بمعدلات قياسية، والكم الهائل من المخلفات البلاستيكية التي تُنتجها مدرجات الملاعب مع كل مباراة، فستكتشف أن كرة القدم قد تكون من أكثر النشاطات المضرة بالبيئة في العالم.

 

إحدى الدراسات الصادرة عن جامعة مانشستر في 2019 قدَّرت الانبعاثات الصادرة عن طائرات اللاعبين الذين حضروا حفل الكرة الذهبية بنحو 500 طن من الكربون. طبقا للدراسة، استهلك روبرتو فيرمينو من الطاقة ما يكفي ستة منازل لمدة عام، وفي حالة الكوري هيونغ مِن سون جناح توتنهام، كان كَمُّ الطاقة كافيا لشحن 6 ملايين هاتف، أما ما حرقه نيمار من وقود فكان يعادل استهلاك 8 سيارات لعام كامل. (3)

 

مشكلات العالم الأول

SINGAPORE - JULY 20: Players drink water during a water break during the 2019 International Champions Cup match between Manchester United and FC Internazionale at the Singapore National Stadium on July 20, 2019 in Singapore. (Photo by Pakawich Damrongkiattisak/Getty Images)

السؤال المنطقي الذي لا نلومك عليه سيكون عن علاقتنا نحن بكل ذلك، ففي النهاية، كلها مشكلات العالم الأول التي لا تعاني منها أفريقيا أو آسيا بالدرجة ذاتها على الأقل، وهذه الفكرة تحديدا -رغم منطقيتها للوهلة الأولى- هي أخطر ما في الموضوع.

 

في النسخة قبل الماضية من كأس الأمم الأفريقية، التي أُقيمت صيفا في مصر، على غير العادة الدائمة بإجرائها في الشتاء، تعرَّض صامويل كالو جناح بوردو الفرنسي ومنتخب نيجيريا للإغماء في التدريب الأخير لمنتخب بلاده قبل المباراة الأولى، وطبقا للتقارير الصحفية كان السبب هو الجفاف الشديد. في البطولة ذاتها، نشب نقاش حاد بين مدرب المغرب، البوسني وحيد خليلوزيتش، وبين الحكام في إحدى مباريات فريقه بسبب مطالبته بالمزيد من التوقُّفات للسماح للاعبيه بشرب الماء وتبريد أجسادهم. مفاجأة: نحن نعيش في الكوكب نفسه. (4) (5)

 

"كل المجتمعات التي تملك منشآت رياضية ستتأثر بالتغير المناخي، سواء كان ملعبا أو حلبة أو ساحة للتدريب، سيكون هناك ارتفاع في عدد وحِدَّة العواصف والأعاصير، وحرائق واسعة، وندرة في الأمطار في بعض الأماكن، ووفرة غير محتملة في أماكن أخرى".. آلين هيرشكويتز، المستشار العلمي لنادي نيويورك يانكيز (6)

 

لا يوجد دليل على تأخُّر إدراك سلطات كرة القدم لهذه المشكلة سوى حقيقة أن توقُّفات المياه التي أقرَّها فيفا في مونديال 2014 لم تكن مبنية على دراسة استباقية لظروف الطقس في البرازيل، بل في الحقيقة أتت نتيجة لحُكم محكمة ألزم فيفا بذلك، وبالطبع لك أن تتخيل مدى سوء الحال في ملاعب أفريقيا وآسيا، حيث لا بيانات حقيقية يمكن الاعتماد عليها لعدد الإصابات والإغماءات الناتجة عن ارتفاع درجات الحرارة، أو حتى عدد الملاعب التي تُغرقها الأمطار الموسمية المتزايدة مع ارتفاع درجة حرارة الكوكب.

Soccer Football - Premier League - Burnley v Watford - Turf Moor, Burnley, Britain - June 25, 2020 Burnley's Josh Brownhill sprays water on Ashley Westwood during the drinks break, as play resumes behind closed doors following the outbreak of the coronavirus disease (COVID-19) Michael Steele/Pool via REUTERS EDITORIAL USE ONLY. No use with unauthorized audio, video, data, fixture lists, club/league logos or "live" services. Online in-match use limited to 75 images, no video emulation. No use in betting, games or single club/league/player publications. Please contact your account representative for further details.

مراجعة سريعة لأسماء كبار الرعاة الرسميين لبطولات فيفا ويويفا ستخبرك عن خطورة الوضع؛ شركات بترول وخطوط طيران ومصانع مياه غازية تنتج مليارات العبوات البلاستيكية كل شهر. إن أضفت إلى ما سبق حقيقة أن كل المسابقات تتوسَّع لضم أندية ومنتخبات جديدة، تصل إلى مضاعفة عدد المشاركين في بعض الحالات، مثل كأس العالم للأندية (من 7 إلى 24 فريقا)، وكأس الأمم الأفريقية (من 16 إلى 24 فريقا)، بل وإنشاء بطولات جديدة من العدم مثل كأس المؤتمر الأوروبي (32 فريقا)، بكل ما يصاحب ذلك من زيادة ضخمة في عدد الرحلات والتنقلات للجماهير والفِرَق، فستكتشف أن كرة القدم ليست متأخرة الإدراك وحسب، بل هي تعيش حالة مستعصية من الإنكار. (7)

 

هذا يظهر في أبجديات تعامل الفيفا مع أي توسُّع في هذه البطولات. على سبيل المثال، عندما درس فيفا تبكير التوسُّع في كأس العالم من نسخة 2026 إلى النسخة القادمة في قطر، ناقش تقريره الرسمي الصعوبات اللوجيستية والمالية لتسكين المنتخبات الإضافية، ولم يتطرَّق إلى حقيقة أن إضافة 16 منتخبا إلى البطولة (بزيادة قدرها 50%) سيتسبَّب في معدلات تلوث قياسية نتيجة لتنقلات المشجعين. في الواقع، حسابات فيفا المعتادة لانبعاثات الكربون في أي بطولة لا تتضمَّن الانبعاثات الناتجة عن طيران الجماهير عموما. الكاتب الصحفي تيم والترز يُشبِّه ذلك بشخص لا يُضمِّن الوجبات السريعة ضمن حساب سعراته الحرارية يوميا. (7)

 

أنا ومن بعدي الفيضان

في تقرير مُخيف صدر في يونيو/حزيران 2020، يشرح الكاتب الصحفي الأكاديمي الشهير ديفيد غولدبلات الآثار المرعبة لتغير المناخ على الرياضة، فطبقا لحساباته التي أجراها بالتعاون مع تحالف التحول السريع (Rapid Transition Alliance) -مجموعة من الأكاديميين الساعين لاستثارة ردة فعل سريعة حول التغير المناخي- بحلول عام 2050، ستفيض ربع ملاعب كرة القدم الإنجليزية بالمياه سنويا، وسيختفي واحد من كل ثلاثة ملاعب للغولف في إنجلترا بسبب ارتفاع منسوب البحر، وستعجز نصف مدن العالم التي استضافت الألعاب الأولمبية الشتوية من قبل عن استضافتها مجددا. (9) (10) (11)

 

إن كنت تعتقد أن تهديد 2050 بعيد، فإن ملاعب تشيلسي وساوثامبتون ونوريتش وويستهام تعاني من التهديد ذاته الآن، وفي 2050، ستفيض ملاعب فيردر بريمن، فيزر شتاديون، وملعب بوردو، وماتمو آتلونتيك، سنويا، وسيكون عدد الملاعب التي ستعاني من الظاهرة نفسها في البريميرليغ 4 على الأقل، إلى جانب 4 في التشامبيونشيب، و8 في ليغ وان، و7 في ليغ تو. (7)

AACHEN, GERMANY - JUNE 05: The players drink water during the Germany Internal Test Match at Tivoli Stadium on June 05, 2019 in Aachen, Germany. (Photo by Christof Koepsel/Bongarts/Getty Images)
بعض الأبحاث العلمية التي ذكرها غولدبلات في تقريره تتحدث عن استحالة ممارسة كرة القدم في درجة حرارة 35 مئوية أو أكثر، إذ تتأثر ذاكرة اللاعبين، وقدرتهم على التنسيق الحركي بين أيديهم وأقدامهم من جهة وبين أعينهم من جهة أخرى

طبقا لحسابات غولدبلات، فإن ما تُنتجه كرة القدم العالمية من انبعاثات كربونية يعادل ما تنتجه دولة صغيرة مثل بوليفيا في حده الأدنى، وإسبانيا في حده الأقصى، بل إن أحد تقارير "بي بي سي" (BBC) يعتقد أن الرجل أخطأ في حساباته، إذ استبعد انبعاثات الكربون الناتجة عن الصناعات المرتبطة باللعبة، مثل الأدوات والملابس الرياضية، والإعلام الرياضي والبث، التي يصعب حساب آثارها لضخامتها. (11)

 

في اللحظة الحالية، فإن حساب أثر ارتفاع درجات الحرارة على اللعبة عملية معقدة. بعض الأبحاث العلمية التي ذكرها غولدبلات في تقريره تتحدث عن استحالة ممارسة كرة القدم في درجة حرارة 35 مئوية أو أكثر، إذ تتأثر ذاكرة اللاعبين، وقدرتهم على التنسيق الحركي بين أيديهم وأقدامهم من جهة وبين أعينهم من جهة أخرى، كذلك تتراجع القدرات الذهنية المتعلقة بسرعة القرار وصحته، بالإضافة إلى الأضرار الجسمانية والعضلية البديهية، مثل زيادة معدلات الإصابة بالشد العضلي والإجهاد.

 

رغم كل ذلك، يعتقد الأكاديمي البريطاني أن كل ما تُنتجه كرة القدم يتضاءل أمام إنتاج العالم من انبعاثات الكربون، ولكنه يعتقد -في الوقت ذاته- أنها القوة الناعمة الأهم، وأن تبنِّيها لقضية المناخ سيرفع أولويتها على الأجندة السياسية الدولية لدرجة غير مسبوقة، لما لكرة القدم من قدرة هائلة على التأثير لا يمكن حسابها بالأطنان أو الأمتار المكعبة.

 

نهائي دوري أبطال 2020 كان سيُنتج 10 آلاف طن من انبعاثات الكربون -ما يعادل وزن برج إيفل- لو كان قد أُقيم بالجمهور، وبدون الجمهور ينخفض هذا الرقم إلى 3 آلاف طن فقط. السؤال هنا ما زال هو السؤال الأزلي ذاته في هذه القضية؛ هل نحن مستعدون للتخلي عن الرفاهيات لكي نتجنَّب مستقبلا بلا رياضات صيفية وبلا ملاعب مفتوحة؟ هل من الضروري أن يسافر المشجعون لآلاف الكيلومترات لتشجيع فريقهم في بطولات الأندية أو المنتخبات؟ بالطبع سيتوقف هذا السؤال عن كونه استفهاميا عند لحظة ما، لأن البديل المؤلم سيكون إقامة المباريات بدون جماهير على الإطلاق.

——————————————————–

المصادر

1- تقرير الاتحاد الأوروبي لكرة القدم يويفا (UEFA) عن الوعي البيئي بخصوص بطولة يورو 2020 – UEFA

2- مَن يستضيف بطولة يورو 2020؟ – The Independent

3- ليس بإمكان كرة القدم أن تتجنَّب تغير المناخ للأبد – The New York Times

4- بينما تزداد حرارة العالم، على كرة القدم التأقلم – Scientific American

5- لاعب منتخب نيجيريا صامويل كالو يدخل المستشفى بعد تعرُّضه للجفاف الشديد – Marca

6- كيف تُهدِّد أزمة المناخ مستقبل الرياضة – Climate Reality Project

7- أزمة المناخ تضرب كرة القدم ولكنها تملك الوقت لتتخذ رد الفعل – The Guardian

8- صناعة كرة القدم يجب أن تستيقظ لمواجهة الحالة الطارئة للمناخ – The Guardian

9- اللعب ضد الزمن – Rapid Transit Alliance

10- مدونة ديفيد غولدبلات

11- تغير المناخ؛ كرة القدم تسقط بينما تصعد درجات الحرارة – BBC

المصدر : الجزيرة