شعار قسم ميدان

من كذبة أبريل إلى لطمة كريس روك.. لماذا يعشق البشر المقالب والنكات؟

The men put a sticker on another man's back. This is his business colleagues. They joked with him on April 1st.

يعشق البشر المقالب، ويجدون متعة خاصة في إلقاء النِّكات وسماعها، ويقهقهون طربا لرؤية المواقف الطريفة، كل حسب ذوقه في الدعابة. وفي كل عام، في الأول من أبريل/نيسان، يترقب الكثيرون "كذبة أبريل"، سواء من الأصدقاء أو حتى من الهيئات والمؤسسات العامة، ويشكّون في كل خبر يتلقونه، وكل إعلان يشاهدونه. ولكن، هل تساءلت يوما عن سر هذا العشق؟ إن أردنا أن نصل لحقيقة الأمر، فلا بد أن نبحث بشكل أعمق قليلا، فالمقالب والنكات تهدف في النهاية لإضحاكنا، فلماذا نحب الضحك من الأساس؟

 

الضحك لغة عالمية بلا اتفاق مسبق، وليست باللغة التي نتعلمها، وإنما نولد قادرين وراغبين في الضحك والابتسام والقهقهة. أما عن لماذا نضحك، فهو سؤال ما زال يحير العلماء حتى يومنا هذا على الرغم من تلقائية فعل الضحك وتأصّله في وعينا منذ شهورنا الأولى في الدنيا. نحن نضحك عندما نشعر بالسعادة الغامرة، ونضحك عندما نشعر بالحرج أحيانا، وحتما نضحك من نكتة جيدة أو مشاهدة مقلب ظريف يحدث لشخص آخر، ولكن عندما يتعلق الأمر بنا، فإن التعرض لمقلب قد لا يكون مضحكا في كل الأوقات.

 

الشعور بالتفوق

كل هذا لا يفسر فسيولوجية الضحك، أين ينشأ الضحك في المخ؟ ولماذا قد نضحك لبعض المواقف التي يراها الآخرون سخيفة أو حتى مؤذية؟ وما علاقة الضحك بالمقالب؟ هل تساءلت يوما ما المضحك في مشهد شخص يتعثر أثناء صعود المسرح ويسقط على وجهه؟! وما الذي يجعل برامج الكاميرا الخفية تنال هذه الشهرة الساحقة، وتُنتج منها نسخ جديدة بمقالب مبتكرة كل عام، بداية من المقالب الخفيفة وحتى أكثرها عنفا وجنونا مثل برامج رامز جلال التي تذاع في الموسم الرمضاني كل عام؟

رامز مجنون رسمي

لا توجد نظرية واحدة تفسر السبب الذي يدفعنا للضحك، ولكن هناك نظرية تفسر بشكل ما سبب عشقنا لتنفيذ المقالب في الآخرين، ونفورنا من العكس (أي التعرض للمقالب)، وهي نظرية "الفوقية (Superiority)". عندما تدبّر مقلبا لصديق أو زميل في العمل، تكون أنت الطرف العالم بوجود فخ ما، بينما صديقك جاهل تماما بما يجري حتى يقع في فخ مقلبك. قد يعطيك هذا إحساسا بالتفوق على صديقك. تعود جذور هذه النظرية إلى أكثر من ألفي عام، تحديدا منذ عهد أرسطو، حيث اعتُبر أن الضحك والمزاح والمقالب وسائل الفرد للتعبير عن تفوقه على الآخرين من حوله. يبدو أن البشر يجدون تسلية ما في مراقبة مصائب الآخرين(1).

 

ليس هذا فحسب، بل إن سخريتك من نسخة سابقة منك -عندما كنت مراهقا مثلا- ما هو إلا نوع من التعالي على ذاتك السابقة. بل ويستمتع البعض على وجه الخصوص بالضحك على من يعتبرونهم أقل شأنا أو ذكاء أو حتى من يتحدثون بطريقة مختلفة عنهم، أفضل مثال على ذلك هو نِكات "الصعايدة" الشهيرة، التي تبدأ دائما بجملة "مرة واحد صعيدي…"، وتنتهي بفعل أو قول يبدو غبيا ولكنه ينجح دائما في إثارة الضحك.

 

بالمثل، ستجد أنك لا تجرؤ على تنفيذ مقلب في من تعتبره أكبر منك شأنا، كوالدك ومديرك، إلا إن كانت العلاقة بينكما عفوية وأخوية تسمح بذلك. لا بد أن تكون في موقف قوة ومركز أعلى حتى تكون نكاتك ومقالبك مُرضية لك، وتمنحك شعور التفوق الذي تطمح إليه، حتى لو لم تدرك ذلك في عقلك الواعي.

 

نِكات متعارضة

حسنا، كيف تعمل النكتة إذن؟ لا بد للنكتة حتى تصبح نكتة من أن تحتوي على تعارض لتوقعات المستمع، ثم تقدم حلا لهذا التعارض بشكل غير متوقع؛ ما يعطي التأثير المضحك للكلام. يسمى هذا بـ"نموذج حل التعارض (Incongruity-resolution model)"، وهو نموذج شهير مقترح لتفسير ظاهرة الضحك على النكات.

 

على سبيل المثال، رجل بخيل أراد دخول الحمام، وعندما قرأ لافتة "ادفع" على الباب انصرف. هنا يمكننا تقسيم النكتة إلى قسمين: رجل بخيل أراد دخول الحمام، جملة عادية لا تحمل أي تعارض، ومن ثم تأتي "اللكمة (Punch Line)"، وهي الجزء المفاجئ من النكتة والذي يخلق حالة التعارض. فأنت تعلم أن كلمة ادفع معناها ادفع الباب لا النقود، لذا للوهلة الأولى يرى مخك تعارضا في المعنى، ثم يقوم بحل هذا التعارض عندما يُدرك المعنى الآخر لكلمة ادفع ويربطه بكلمة بخيل، ونتيجة لهذا الحل، تبدأ في الضحك.

عندما يستقبل المخ معلومة غير متوقعة، يسعى سريعا لحل هذا التعارض، ومن ثم ينشأ الضحك من النكتة
عندما يستقبل المخ معلومة غير متوقعة، يسعى سريعا لحل هذا التعارض، ومن ثم ينشأ الضحك من النكتة

نموذج آخر للنكتة هو الإجابة غير المتوقعة. المخ يعشق الطرق المختصرة لتوفير الطاقة، بمعنى أنه يتوقع ما سيقال تاليا بناء على خبراته السابقة، لذا تعتمد النكات على كسر هذه التوقعات عبر المفاجأة. مثال: "لماذا تطير الطيور جنوبا في فصل الشتاء؟"، الإجابة النموذجية التي يتوقعها مخك فورا هي: لأنه موسم الهجرة أو للهرب من برودة الجو مثلا. الإجابة غير المتوقعة والتي تثير اضطرابا لحظيا في المخ هي: لأنها لا تستطيع أن تسير (على قدميها) كل هذه المسافة. الإجابة هنا خلقت مفاجأة وتعارضا مع ما يجول في مخك، ولكن بعد فهم المعنى يُحَلّ هذا التعارض ونضحك، فالطيور تطير لأن هذا أسهل من السير، وهي إجابة صحيحة رغم أنها ليست متوقعة(2).

 

بالطبع يحدث كل هذا سريعا لدى معظم الأشخاص، ولكن بعض النكات قد تزداد صعوبة أو تخصصا، وقد لا يفهم معناها الخفي سوى فئة معينة، مثل النكات الخاصة بالأطباء أو المهندسين أو غيرهم. ولكن كل هذا لا يفسر سبب تفاعل المخ بالضحك عند تلقّي هذا التعارض ثم حلّه، وهذا ما تفشل فيه معظم الفرضيات المفسرة لسبب الضحك، إذ إنها تشرح تسلسل العملية دون أن تفسر السبب الفعلي للضحك في هذه المواقف أو غيرها(3).

 

التجاوز بالضحك

في هذا السياق، ترى إحدى النظريات أن المخ يستخدم الضحك وسيلة للتنفيس وتقليل الضغط والتوتر. يحدث هذا بشكل خاص في المواقف المحرجة، مثل تعثرك عند صعود المسرح، سقوطك من على الكرسي في العمل، أو حتى كاستجابة لمقلب دُبّر لك أمام جمع من الناس. يحدث هذا أيضا عند سماع النكات غير اللائقة أو ذات المحتوى غير المقبول اجتماعيا. في معظم الأحيان، مراعاة لقواعد المجتمع الذي نعيش فيه، نضطر لكبت خواطرنا وتعليقاتنا غير اللائقة، ولكن عندما يُلقي أحد ما نكتة في ذلك السياق، نجدها فرصة مناسبة للتنفيس عن هذا الكبت بالضحك، يمكننا التصرف على طبيعتنا في هذه اللحظة فحسب(4).

يعد الضحك على النكات وسيلة للتنفيس عن الخواطر المكبوتة
يعد الضحك على النكات وسيلة للتنفيس عن الخواطر المكبوتة

بالطبع يمكن للأمر أن يتطور إلى حد التنمر أو العنصرية ضد فئة ما، وقد يتطور الأمر بحيث لا يصبح مضحكا على الإطلاق. ينطبق الأمر ذاته على المقالب التي تتخذ طابعا عنيفا، أو تؤدي إلى إصابات جسدية أو أذى نفسي عنيف. يتضح ذلك في حفل الأوسكار الفائت بلا شك، "كريس روك" يلقي بنكتة، فيضحك الجمهور، ثم يلقي بأخرى، فيضحكون، هنا يتمادى في الأمر ويلقي بنكتة تسخر بوضوح من سيدة مصابة بمرض لا يد لها فيه، هنا كانت النتيجة عكسية تماما، وانقلب الحفل إلى كارثة بعد لطمة "ويل سميث" (زوج هذه السيدة) لروك.

 

شاهدنا من قبل التطور العنيف والمرعب لمقالب رامز جلال كل عام عن العام السابق له، بداية من مفاجأة ضيوفه بأسد حقيقي أمام المصعد، مرورا بسمكة قرش في البحر، وسحلية عملاقة في الصحراء، ثم ربط ضيوفه في كرسي أشبه بكراسي التعذيب. من المفهوم هنا أن صاحب المقلب يشعر بالسعادة والفوقية على ضيوفه، وهذا مصدر متعته من هذا البرنامج، الغريب هو رد فعل المشاهدين للبرنامج واستمتاعهم بردود أفعال الضيوف التي تنم عن الرعب والفزع أكثر مما تعبر عن الاستمتاع بالمقلب.

فرد من القطيع

حسنا، ليست كل النكات والمقالب سيئة بالضرورة، وإلا ما نالت هذا الانتشار وهذه الشهرة عبر مئات السنين، فبعض المقالب الخفيفة أو النكات قد تجعل علاقاتك بمن حولك أقوى. المشاركة في الضحك بين مجموعة من الأفراد تكسر الحواجز بينهم وتعزز إحساس الانتماء للمجموعة. لهذا السبب، تشتهر بعض الأماكن بطقوس استقبال للوافدين الجدد، في هيئة مقلب ما، وعلى عكس المتوقع، يُشعر هذا المقلب الفرد الجديد بأنه جزء من المجتمع الذي انضم إليه حديثا، ويسمح له بالتحدث والتعرف على أفراد المجموعة بأريحية أكثر بعد كسر حاجز الخجل، ما دام أن المقلب لم يكن مؤذيا(5).

 

وما يزيد الترابط أكثر هو "النكات الداخلية (Inside jokes)" والتي لا يفهمها ولا يضحك لها سوى المجموعة المقربة من الأصدقاء أو العائلة على سبيل المثال، وتلك يمكن استخدامها بين فردين من المجموعة في مكان ما لتأكيد الفهم المشترك لما لا يدركه الآخرون. مجددا يعود بنا هذا الأمر إلى الإحساس بالفوقية، ولو بشكل طفيف. وفي كل مجموعة لا بد من وجود ذلك الشخص الساخر، الذي يستفز الجميع بشكل خفيف لنزع الضحكات ممن حوله، ودائما ما يُضفي جوا مرحا لمكان العمل، ويعد الصمغ الذي يربط أفراد المكان ببعضهم وبمكان عملهم.

 

في كتاب "النكات الداخلية: استخدام الدعابة لإعادة برمجة العقل"، يقدم المؤلفون نظرية جامعة وشارحة، تمزج ما بين النظريات السابقة، وتضيف إليها تفسيرا لاستجابة المخ بالضحك. يعمل المخ طوال الوقت لوضع تصورات لما سوف يحدث تاليا، وتوقعات لما سيقوله أو يفعله من حولك وما هي نواياهم من وراء هذا الفعل. هذه العملية غريزية ولا تحكُّم لنا بها، ولكن على الرغم من أنها قد تسهل علينا مهمة فهم العالم من حولنا بجعلنا نسبق الأحداث بخطوة دائما، فإن هذه التوقعات لا تكون صحيحة بالضرورة. يخلق هذا مهمة عبثية للمخ، وهي التصحيح المستمر لهذه التوقعات بعد اكتشاف خطئها في كل موقف. والمكافأة التي نحصل عليها بعد تصحيح الخطأ هي إحساس "البهجة" أو "الضحك".

كتاب "النكات الداخلية: استخدام الدعابة لإعادة برمجة العقل"
كتاب "النكات الداخلية: استخدام الدعابة لإعادة برمجة العقل"

يفترض مؤلفو الكتاب، "ماثيو هيرلي" و"دانييل دينيت" و"ريجنالد آدامز"، أن الضحك تطور من الأساس لضمان استمرارية عملية التصحيح، فبدون وجود مكافأة لن يوجد دافع للمخ للمثابرة على تصحيح هذه الأخطاء. هنا تأتى النكتة أو المقلب، بوصفه محفزا خارقا للطبيعة، يدفع هذا النظام للعمل بقوة أكبر لتصحيح التوقعات الخاطئة (كما في نكتة "لماذا تطير الطيور")؛ ما ينتج عنه قدر أكبر من "المرح" والضحك. لذا، فالنكتة جاءت لتنشط نظام تطوّر في المخ بالفعل، هدفه الأسمى هو تصحيح الأخطاء في توقعات المخ باستمرار.

 

في برنامج المقالب المصري الأشهر "زكية زكريا" الذي قدّمه الراحل "إبراهيم نصر"، كانت كل حلقة تتخذ طابعا مختلفا، ولكن العامل المشترك بين جميع الحلقات هو المفاجأة. يعتقد الضيوف (وهم أناس عشوائيون ألقى بهم الحظ في البرنامج) أنهم يتحدثون إلى سيدة، وبعد عدة مواقف طريفة أحيانا ومثيرة للغضب أحيانا، وعندما يصل الضيف إلى قمة عصبيته، يقوم إبراهيم نصر بكشف هويته الحقيقية؛ ما يكسر كل توقعات الضيف عما يحدث حوله. السيدة اتضح أنها رجل، والموقف كله اتضح أنه برنامج الكاميرا الخفية، وكل ما حدث خلال الحلقة لم يكن حقيقيا، هنا يعيد المخ سريعا تصحيح كل توقعاته، ويبدأ الضيف في الضحك، وتنزاح كل مشاعر الغضب السابقة. ويسأل إبراهيم نصر: نذيع؟ فيرد الضيف ضاحكا: "ذيع!" (أذع).

 

بالتأكيد لا يمكننا العيش دون الضحك والدعابة، للتنفيس عن همومنا، وتفريغ طاقتنا، وزيادة الروابط داخل الأسرة وبين الأصدقاء وفي محل العمل، وقطعا كوسيلة لكسب المال بالنسبة إلى البعض من خلال برامج الكاميرا الخفية المتنوعة، وعروض "الكوميديا الواقفة (Stand-up comedy)"، وربما لتجاوز موقف محرج، إذ إن "الدعابة (Humor)" تعد من وسائل الدفاع النفسية الأكثر نضجا، وتعبّر عن شخصية متّزنة وواثقة من نفسها. لذا، استمتع بكذبة أبريل، واستقبلها بصدر رحب، وكن لطيفا وأنت تدبر مقلبا في أحد أصدقائك؛ حتى لا ينقلب الأمر إلى مأساة أو خصومة.

——————————————————————

المصادر

1- What’s So Funny? The Science of Why We Laugh – Scientific American

2- Developing the Incongruity-Resolution Theory

3- How many psychologists does it take… to explain a joke?

4- المصدر الأول

5- April Fools’ Day! Why People Love Pranks | Live Science

المصدر : الجزيرة