شعار قسم ميدان

حروب خبيثة بلا دماء.. كيف يغير الإنترنت طبيعة الحرب؟

مقدمة للترجمة:

لا شك أنك سمعت مرة واحدة على الأقل عن الحرب السيبرانية في الأيام الأخيرة، فبينما تجتاح القوات الروسية الأراضي الأوكرانية، تقوم فرق خاصة جدا بعمليات لا تقل في أثرها الكارثي عن العمليات العسكرية، جنودها لا يمتلكون بنادق أو يركبون دبابات، بل يُنفّذون كل ضرباتهم المنسقة عبر أزرار الحواسيب، لكن هجمة واحدة من تلك الهجمات، إذا نجحت، قد تمنع سرب طائرات كاملا من تأدية مهماته، وتوقف سير الدبابات ببث أوامر كاذبة، أو ربما تُفعّل سلاحا نوويا. "إيان بوجوس"، الكاتب في ذا أتلانتك، يُعرّفك بهذا النوع من الحروب.

 

نص الترجمة:

تنبّأت مجلة "نيو ساينتست (New Scientist)" بالصراع بين روسيا وأوكرانيا الذي قد يُشعل حربا سيبرانية ضخمة، كما حذر عضو مجلس الشيوخ الأميركي "ماركو روبيو" من احتمال اندلاع حرب سيبرانية غير مسبوقة. وانتشرت الأخبار حول مجموعة القراصنة الإلكترونيين المعروفين بـ"أنونيموس (Anonymous)" الذين أعلنوا حربا إلكترونية ضد الحكومة الروسية.

 

كشّرت الحرب السيبرانية عن أنيابها، واعتبرها العالم كله تهديدا عالميا، والذي يزيد من شراستها هو قدرتها على تحديد نقاط ضعف العدو واختراقها بغموض وخفية. هي تهدف مثلا إلى مهاجمة شبكات الكهرباء ومحطات معالجة المياه وشبكات الاتصالات والبنوك، وقد تتسع خطورتها لتشمل كل شيء تقريبا، بما في ذلك عمليات التجسس، ونشر معلومات مضللة، وشن هجمات على البنية التحتية للمعلومات. فإذا كان العالم كله يترقب هذه الحرب الآن بقلق شديد، فالسؤال هنا: ما الذي علينا أن نقلق بشأنه بالضبط؟

 

ظهر مصطلح "الحرب السيبرانية" لأول مرة عام 1993، وانتشر حينها انتشارا واسعا، وكان أكثر تداولا منه اليوم، ونشرت عنه مؤسسة "راند الأميركية للأبحاث والتطوير (RAND Corporation)" كُتيّبا بعنوان "الحرب السيبرانية قادمة"، وكانت فرضيتهم بسيطة، وهي أن ثورة المعلومات ستغيّر من طبيعة النزاع المسلح، وسنحتاج إلى لغة جديدة لوصفها.

 

الفرق بين الحرب السيبرانية و الإلكترونية

الحرب السيبرانية و الإلكترونية

لتوضيح المخاطر المستقبلية، وضع الخبراء سيناريوهين لهذه الحرب، أطلقوا على السيناريو الأول اسم "الحرب السيبرانية"، والثاني "الحرب الإلكترونية". قد يبدو مصطلح الحرب الإلكترونية أو الشبكية باليا أو عفا عليه الزمن مقارنة بمصطلح "سيبراني"، إلا أن ذلك ليس صحيحا على الإطلاق، لأن مصطلح "إلكتروني" لا يزال معاصرا حتى وقتنا هذا. ويرى خبيرَا الدفاع الأميركيان "جون أركيلا" و"ديفيد رونفلدت" أن الحرب الإلكترونية هي ظاهرة اجتماعية وتجارية تنطوي على صراعات تُشَن عبر وسائط اتصال شبكية، وهي الأقرب إلى ما يسميه الناس بـ"المعلومات المضللة" اليوم. عندما تحاول إحدى المجموعات أو الدول استخدام نظم المعلومات لتشويه الخصم، فضلا عن نشر دعايات أو معلومات خاطئة لإحباط العدو أو شعبه، فهذه هي الحرب الإلكترونية. ‏

 

في ذلك الوقت، تخيل كلّ من أركيلا ورونفلدت أن الحرب الإلكترونية عبارة عن نشاط يُدَار غالبا تحت رعاية الدولة، وقد يحدث عبر أي شبكة اتصالات، وليس ضروريا أن تكون هذه الشبكة متصلة بالإنترنت. فمثلا، شنت الولايات المتحدة حربا إلكترونية على كوبا عبر إحدى محطات إذاعة الراديو التي تمولها الحكومة الأميركية لكي تبث الأخبار إلى كوبا باللغة الإسبانية، وكان الغرض الوحيد من وجودها هو بث دعاية كاذبة موجهة ضد كوبا لزعزعة الاستقرار. وهناك أيضا أنظمة المراقبة التي تعترض أو تحظر بعض الرسائل الهاتفية أو الإلكترونية.

 

بجانب هذه التصورات، كان هناك تصور آخر عن الحرب الإلكترونية، تلك التي تخوضها جهات غير حكومية متنافسة، مع وجود الحكومات على الهامش وممارستها لبعض المناورات لمنع الأضرار الجانبية التي قد تلحق بمصالح البلاد، وربما لدعم إحدى هذه الجهات. رأى خبيرَا الدفاع الأميركي أركيلا ورونفلدت أن هذا النوع من الحرب الإلكترونية هو "الأسهل" مقارنة بما كان العالم على وشك أن يعرفه في المستقبل.

 

شرارة الحرب السيبرانية

الحرب السيبرانية و الإلكترونية

عندما بدأت وسائل التواصل الاجتماعي -مثل فيسبوك- وشركات التكنولوجيا الكبيرة -مثل جوجل- في تخزين المعلومات وعرضها على نطاقات واسعة، تحولت هذه المنصات إلى ركائز أساسية دشّنت الصراع الأيديولوجي لتصبح بذلك الشرارة التي أشعلت فتيل الحرب. في مواقف كهذه، يحلو لبعض الحكومات مثل روسيا بقيادة فلاديمير بوتين أن تتلاعب عمدا بهذه الآليات من أجل زعزعة الاستقرار والتسبب في حدوث اضطرابات. كافحت الجهات الحكومية الأخرى لوقف هذه الإجراءات أو حتى محاولة كشفها، لا سيما أنها لا تملك سيطرة على الشركات العالمية الكبرى.

 

أصبحت الحرب الإلكترونية اليوم معروفة باسم المعلومات المضللة، ورغم ذلك ما زال هناك فرق بين المصطلحين. كان أول ظهور لمصطلح "المعلومات المضللة" مع بداية الحرب الباردة، ويعود أصل هذا المصطلح إلى كلمة "dezinformatsiya" في اللغة الروسية، والتي تعني الدعاية الموجهة، أو الرسائل التي هدفها الوحيد هو الخداع ونشر الأكاذيب. أما مصطلح الحرب الإلكترونية فيشير إلى التلاعب بشبكات الاتصالات نفسها.

 

في عالم الشبكات الاجتماعية، أصبح من السهل للغاية إنشاء هذه الرسائل ونشرها بسرعة فائقة، ويرجع الفضل في ذلك إلى الغزو العالمي لشركات التكنولوجيا التي تعزز وتشجع تدفق هذه المعلومات وانتشارها بهدف الربح، فنجد مثلا خبراء الحرب الإلكترونية يركزون على كيفية استخدام هذه المنصات استخداما فعالا وقويا لتحقيق أهدافهم. قد تتضمن الحرب الإلكترونية حملات تضليل ذكية، بمعنى أن محتوى الرسائل التي تنشرها قد يبدو غير ضار، لكن سرعة تواترها وانتشارها وتسليمها توحي بغير ذلك. أما أجهزة الحاسوب فلا تقتصر مهمتها اليوم على تقديم المعلومات للبشر فحسب، بل تذهب أهميتها إلى أبعد من ذلك بكثير، مثل إدارتها لأنظمة الدفع المالية والتحكم في السدود، وعند اختراق هذه الأنظمة عمدا، فهذا ما يُسمى بالحرب السيبرانية.

 

لطالما تضمنت العمليات العسكرية خططا لتدمير الطرق والكباري والمطارات والمصانع، لكن الأمور اختلفت كثيرا الآن نتيجة اتصال كل شيء تقريبا بأجهزة الحاسوب، ولا نقصد هنا أنظمة الاتصالات الهاتفية أو وسائل الإعلام الإخبارية فحسب، بل هناك أيضا وسائل النقل ومحطات الطاقة والأنظمة المصرفية. والأسوأ من ذلك كله أن العديد من هذه الأنظمة متصلة بالإنترنت، ما يجعلها أكثر عرضة للاختراق مقارنة بما كانت عليه قبل جيل مضى.

 

فمثلا سيارتك، التي تديرها أجهزة الحاسوب، قد تكون قادرة على تنزيل تحديثات لبعض البرامج، ما يجعلها عرضة للاختراق والتحكم بها عن بعد. وربما يكون جرس الباب أيضا جهازا غير آمن يمكن اختراقه واستغلاله بوصفه وسيطا يمكن من خلاله نشر برامج خبيثة لتنفيذ هجمات على أجهزة أخرى أكثر أهمية. وعلى النقيض من الحرب الإلكترونية، رأى أركيلا ورونفلدت أن الحرب السيبرانية تشكل نشاطا تابعا في الأصل للدولة، هذا لا يعني أن الحكومات هي الكيانات الوحيدة القادرة على شن هجمات إلكترونية، بقدر ما يعني أن الصراعات القائمة بين الدول قد تستفيد من إستراتيجيات الحرب السيبرانية.

 

وهذا ما يوضحه أحد سطور الورقة البحثية التي نشرتها مؤسسة راند، التي تلخص الفكرة كلها بدرجة من الوضوح قادرة على أن تبعث في نفوسنا الرعب: "على سبيل الابتكار في الحروب، فإننا نتوقع أن تكون الحرب السيبرانية في القرن الحادي والعشرين بديل عن الحرب الخاطفة في القرن العشرين" (الحرب الخاطفة هي مفهوم عسكري يُستخدم في العمليات الهجومية، ويعتمد على عنصر المفاجأة والهجوم بسرعة لمنع العدو من الصمود دفاعيا).

 

أشهر الحروب السيبرانية

DDoS

تتمتع الحروب السيبرانية بتاريخ طويل، ويُعد أشهرها هجوم "DDoS" على مواقع الويب الإستونية عام 2007 (يعرف هذا الهجوم بـ"حجب الخدمة"، ويتم عبر إغراق المواقع المستهدَفة بسيل من حركة المرور الوهمية، فيُحدِث ذلك بُطئا في الخدمات أو ضغطا على الخوادم، وينتج عنه صعوبة وصول المستخدمين إليها بسبب هذا الاكتظاظ المعلوماتي). حدث هذا الهجوم حينما قررت إستونيا نقل نصب تذكاري لجندي سوفيتي، فثار الغضب الروسي، وأعقبه هجوم سيبراني شلّ الحركة الإلكترونية في البلاد.

 

في العام التالي، شنت روسيا هجوما مماثلا على جورجيا عام 2008، ويُعد هذا أكبر دليل على أن الحرب السيبرانية يمكن اعتبارها حربا خاطفة في مجال تكنولوجيا المعلومات. لم تتوقف الأمور عند هذا الحد، ففي عام 2010، تعاونت كلّ من أميركا وإسرائيل في إطلاق دودة حاسوبية خبيثة تُعرَف باسم "ستوكسنت (Stuxnet)"، والتي تُعَد أكثر البرامج الخبيثة تطورا في العالم، وكان الهدف منها تدمير المنشآت النووية الإيرانية.

 

لكن المثال الأشهر على الحرب السيبرانية والذي أحدث ضجة فريدة من نوعها كان الهجوم الخبيث الذي شنته روسيا على مرافق الطاقة الأوكرانية عام 2015 بعد استيلائها على شبه جزيرة القرم في العام الذي يسبقه، تسبب هذا الهجوم في قطع الكهرباء عن مئات الآلاف من الأشخاص لفترة وجيزة، واستمر هذا الغزو الإلكتروني في التوغل إلى أن طال البنوك الأوكرانية والبنية التحتية للنقل والموانئ. والواقع أن تلك الهجمات كانت إعلانا صريحا عن دخول النطاق السيبراني رسميا إلى ساحة الحرب.

 

على حد علمنا، فإن الغزو الروسي لأوكرانيا هذا الأسبوع لم يتضمن هجوما سيبرانيا ضخما، لكن الهجوم السابق الذي حدث عقب الاستيلاء الروسي على شبه جزيرة القرم بالتوازي مع تهديدات بوتين المستمرة، يحولان الحرب السيبرانية إلى قضية عالمية. وبذلك لم يعد القرب أو البعد المكاني يهم في شيء، لأن حساباتك المصرفية، ومصادر الطاقة، ومحطات المياه، وكل شيء آخر تقريبا قد يكون مُعرَّضا للاختراق في أي لحظة مسبّبا نتائج كارثية.

من المفارقات العجيبة أنه حينما تنبأ كلّ من أركيلا ورونفلدت بحدوث "تحول في طبيعة الحرب" في عام 1993، بدا حديثهما وقتها أمرا مبالغا فيه، لكن مع الوقت بدأ التحول في طبيعة الحرب يأخذ مجراه فعلا بسبب التكدس المتعمد من قبل عدد قليل من القوى العظمى للأسلحة النووية: أي حشدهم للترسانات النووية والإستراتيجية. على النقيض من ذلك، سنجد أن خطر الحرب السيبرانية مرتبط أكثر بنقاط الضعف التي تراكمت بالصدفة بوصفها نتاجا ثانويا للابتكارات المستمرة في مجال الاتصال. في النهاية، أسهمت كل هذه الاحتمالات في زيادة شعورنا بالخطر الوشيك.

 

في مواجهة الحرب الإلكترونية أو السيبرانية، قدّم "مايك كولفيلد"، الباحث في مجال المعلومات المُضللة، بعض النصائح في الآونة الأخيرة، منها ضرورة إبطاء مشاركة الأخبار، والتوقف فورا بمجرد أن يساورنا القلق بشأنها، بعد ذلك علينا التحقق من مصدرها، ثم البحث عن تغطية أفضل من مصادر موثوقة، وتتبُّع الادعاءات ووسائل الإعلام للتعرف إلى السياق الأصلي. في الوقت ذاته، تذكّرنا أقسام تكنولوجيا المعلومات بضرورة تحديث أجهزتنا، والاحتراس من رسائل التصيّد الإلكترونية. لكن في النهاية، تُعَد هذه الجهود الفردية والمحلية أقصى ما يمكن الوصول إليه، إذ لا يملك مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي الكثير ليفعلوه للإبطاء من انتشار الأكاذيب، وحتى الخبراء لا يمكنهم سد الثغرات الأمنية التي أحدثتها جميع الأجهزة المتصلة ببعضها.

 

إن مخاطر الحرب الإلكترونية والسيبرانية هي تبعات للخطوات التي اتخذتها الأنظمة لتحقيق مصالحها. وفي حين قررت دوائر الأعمال والحكومات اليوم أن تتحمل المسؤولية وتواجه نقاط الضعف الموجودة في البنية التحتية لمركز البيانات الخاصة بها، فإن تلك الجهود تبدو اليوم قليلة الجدوى بعد أن أصبحت الحروب السيبرانية إحدى الحقائق الجديدة لعالم اليوم.

——————————————————————

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

ترجمة: سمية زاهر.

المصدر : مواقع إلكترونية