شعار قسم ميدان

أمسك هاتفك الذكي وانسَ مستقبل هذه العائلة!

مقدمة للترجمة

حينما نتحدَّث عن إدمان الهاتف الذكي، فإننا نتصوَّر على الفور طفلا يجلس أمام شاشته لفترات طويلة، يهمل الدراسة والتمرين، وقد ينخرط في علاقات مسيئة، ربما يُبتز بسببها. هذا يحدث بالفعل، بل يحدث ما هو أسوأ، لكن على الرغم من ذلك فإننا عادة ما نتجاهل أزمة أهم وأكبر تتعلَّق بالآباء أنفسهم، وتأثير انشغالهم بالهواتف الذكية على أطفالهم، الأمر الذي تبيَّن أنه قد يؤثر جذريا على مستقبل الأطفال.

نص الترجمة

أدَّى انغماسنا التام في استخدام الهواتف الذكية في هذه الأيام إلى العديد من الكوارث والنتائج الوخيمة. ألم نسمع جميعنا من قبل عن الوفيات الناجمة عن حوادث السيارات بسبب استخدام الهاتف؟ ماذا عن اضطرابات النوم، والافتقار إلى التعاطف إزاء الآخرين، والمشكلات التي تملأ علاقاتنا الاجتماعية بالفجوات، والتشتت لدرجة أنه لم يعد هناك شيء يجذب انتباهنا؟ يبدو أنه بات من الأسهل ذكر الأشياء التي لم تُفسدها الهواتف الذكية عوضا عن سرد الأشياء التي أفسدتها.

ومع ذلك، فإن المشكلة الأخطر تتعلَّق بتربية الأطفال وفقا لما تُفيد به الأبحاث الحديثة، لكن الأمر لا يتعلَّق بما قفز إلى ذهنك الآن حيال انكباب الأطفال في هذه الأيام على الشاشات، وإنما الأخطر من ذلك هو سلب تلك الشاشات الانتباه الكامل للوالدين. صحيح أن الآباء الآن يقضون وقتا أطول مع أطفالهم من أي وقت سابق في التاريخ، وصحيح أن الزيادة الهائلة في نسبة النساء العاملات حاليا لم تُثنِ معظم الأمهات عن قضاء الكثير من الوقت في رعاية أطفالهن أكثر مما كانت تقضيه الأمهات في فترة الستينيات، لكن التفاعل بين الآباء والأطفال أضحى في وقتنا الحالي باهتا وهشا للغاية إلى حد الاصطناع أو الابتذال.

المشكلة التي نواجهها حاليا هي أنه رغم وجود الآباء باستمرار في حياة أطفالهم، فإن هذا الحضور ليس أكثر من وجود "جسدي" شاحب لا يربطه انسجام أو تعاطف. بالطبع لست متحاملة على آباء هذه الأيام، بل أُبدي تعاطفي الكامل تجاههم، فطالما مازحني أولادي بأنهم ربما ما كانوا لينعموا بطفولة سليمة وسوية لو امتلكت هاتفا ذكيا قبل 25 عاما.

إن تسليطنا الضوء على مدى كارثية انغماس الوالدين أمام الشاشات لا يعني أننا نتغاضى عن المخاطر المباشرة التي تُشكِّلها الشاشات على الأطفال، إذ تُشير الكثير من الأدلة إلى أن الأوقات التي نقضيها أمام الشاشات (خاصة عند التعرُّض إلى مشاهد سريعة الإيقاع أو عنيفة) تضر بأدمغة أولادنا، وتوصَّلت بعض الأدلة أيضا إلى أن أطفال اليوم في سن ما قبل المدرسة يقضون أكثر من أربع ساعات يوميا أمام الشاشات، ومنذ عام 1970، انخفض متوسط عمر الأطفال الذين يستخدمون الشاشات بانتظام من عمر 4 سنوات إلى عمر 4 أشهر فقط!

ربما تكون بعض الألعاب التفاعلية الحديثة التي يلعبها الأطفال على الهواتف الذكية اليوم أفضل من مشاهدة التلفاز أو اليوتيوب، وهذا لأنها ببساطة تُقدِّم محاكاة أفضل للسلوك الطبيعي للأطفال، ورغم الضرر الناجم عن التعرُّض للشاشات، فإن العديد من البالغين الذين يعملون بكفاءة عالية اليوم نجوا من تبعات طفولة مُغيِّبة لعقولهم تعرَّضوا فيها للكثير من التلوث والهراء المعرفي. ومع ذلك، فإننا لسنا واعين حقا للثمن الذي قد يدفعه الأطفال مقابل التصاقهم الدائم بالشاشات، فالوقت الذي يقضيه الطفل على الأجهزة الإلكترونية هو ببساطة الوقت الذي يتخلى فيه عن استكشاف العالم الحقيقي والتواصل مع الآخرين.

هوس الآباء يتفوق

لكن على الرغم من كل الأحاديث التي تتضمَّن المخاطر التي يواجهها الأطفال أمام الشاشات، فإن الأكثر إثارة للدهشة هو عدم تسليط الضوء على مخاطر استخدام الآباء لهذه الشاشات، وهذا ما وصفته خبيرة التكنولوجيا ليندا ستون منذ أكثر من 20 عاما مُطلِقة على هذه الحالة "الاهتمام الجزئي المستمر" (continuous partial attention). المشكلة أن الأضرار الناجمة عن هذا التشتت لا تضر الآباء فحسب، وإنما تشق طريقها إلى أطفالنا أيضا.

بخلاف ذلك، فإن هذا الأسلوب الجديد الذي ينتهجه الآباء في التفاعل مع أطفالهم يمكن أن يُفسد نظام الإشارات العاطفية أو "التلقين العاطفي" المعروف منذ الأزل، وتَتمثَّل سِمَته الأساسية والمميزة في "التواصل المتجاوب والمثمر"، وهو اللبنة الأساسية لبناء جسر تفاعلي مع الآخرين، وبفقدانه نكون كمَن فقد بوصلته بأرض مجهولة لا يعرف لها اتجاهات.

يُطلِق خبراء التنمية أسماء مختلفة على نظام الإشارات الثنائي الذي يجمع بين البالغين والأطفال، ويُعَدُّ هذا النظام هو البنية الأساسية في خلق التراكيب اللغوية في الدماغ، ويصف طبيب الأطفال ومدير مركز هارفارد لتنمية الطفل "جاك شونكوف" هذا النظام بأنه "تقديم خدمة مقابل تلقي أخرى"، بينما تصفه أستاذة علم النفس بجامعة تمبل بالولايات المتحدة كاثي هيرش باسيك، بالاتفاق مع وروبرتا ميتشنيك غولينكوف، وهي أستاذة علم النفس بجامعة ديلاوير، بأنه نظام "محادثات ثنائية".

تتميز الأصوات التي يميل الآباء إلى استخدامها أثناء حديثهم مع أطفالهم الرضع والصغار بنبرة صوت مرتفعة قليلا (منفعلة)، واستخدام قواعد لغوية مبسطة بجانب بعض الحماس الذي ربما يبدو مبالغا فيه، وعلى الرغم من أن هذا الأسلوب في الحديث قد ينفر منه بعض المراقبين لهؤلاء الآباء، فإن الأطفال لا يكتفون منه، ويرغبون دائما في تلقي المزيد. في هذا الصدد، اكتشفت إحدى الدراسات أن الأطفال الذين تعرَّضوا لهذا الأسلوب التفاعلي العاطفي في عمر 11 شهرا و14 شهرا، أصبح لديهم بعمر السنتين مخزون من الكلمات يصل إلى ضِعْف ما يتمتع به الأطفال الآخرون الذين لم يتعرَّضوا لمثل هذا النمط في الحديث.

حضور جسدي وغياب عاطفي

إن نمو الطفل عملية ذات طبيعة ترابطية (معتمدة على العلاقات)، وهذا ما توصَّلت إليه إحدى التجارب التي أُجريت على مجموعتين من الأطفال يبلغون من العمر تسعة أشهر. خلال التجربة، تمكَّنت المجموعة الأولى التي تلقَّت تعليما للغة الماندرين (اللغة الرسمية في الصين) لبضع ساعات على يد إنسان حي من فصل بعض العناصر الصوتية في اللغة، في حين فشلت المجموعة الثانية من تحقيق النتائج نفسها على الرغم من تلقيها التعليمات نفسها ولكن عن طريق فيديو مسجل.

ترى هيرش باسيك، أستاذ علم النفس بجامعة تمبل بالولايات المتحدة والأستاذة القديرة والأقدم في معهد بروكينجر، أن المزيد من الدراسات تؤكد مدى أهمية المحادثات في نمو الأطفال، وتُضيف قائلة: "اللغة هي المؤشر الوحيد والأفضل على التقدُّم في الدراسة، ولا تنسَ أن المفتاح الأساسي لاكتساب مهارات لغوية قوية هو إتاحة فرص لسجالات حرة ومحادثات طَلِقة بين الصغار والبالغين".

لذا سرعان ما تظهر مشكلة حينما يحدث انقطاع مفاجئ لنظام الإشارات العاطفية بين البالغين والأطفال، وهو نظام ضروري للغاية لنمو الطفل خاصة في المراحل المبكرة، وهذا الانقطاع قد يحدث بسبب تشتت انتباه الآباء بتلقيهم رسائل نصية أو التصفح السريع على إنستغرام، وقد لاحظ أحد خبراء الاقتصاد نتائج هذا التشتت حينما تتبَّع الارتفاع في إصابات الأطفال المنزلية بالتزامن مع انتشار الهواتف الذكية.

تقول هيرش باسيك: "قد نعترض طريق صغارنا في التعلُّم الجيد حينما نقطع تدفق المحادثات بيننا وبينهم مُفضِّلين التقاط هواتفنا ومطالعة الرسائل على استكمال الحديث معهم".

أطلقت شركة "إيه تي آند تي" (AT&T)، وهي شركة أميركية مُصنَّفة باعتبارها أكبر شركات الاتصال في العالم، خدمة الهاتف الذكي في أوقات مختلفة وأماكن مختلفة، وأدى ذلك إلى خلق تجربة مثيرة للاهتمام، إذ كشفت التجربة عن علاقة الهواتف بحوادث الأطفال، فكلما انتشرت الهواتف الذكية في منطقة ما، زادت إصابات الأطفال بقسم الطوارئ.

لحُسن الحظ أن هذه النتائج لاقت رواجا كبيرا بين وسائل الإعلام للحث على تجنُّب الكوارث الجسدية التي قد يُسبِّبها تشتت الأهل عن أطفالهم، لكننا مع الأسف لم ننتبه كفاية ولم نُقدِّر إلى أي مدى يمكن لهذا التشتت أن يؤثر على النمو الإدراكي للطفل. ردا على ذلك، تقول هيرش باسيك: "قد نعترض طريق صغارنا في التعلُّم الجيد حينما نقطع تدفق المحادثات بيننا وبينهم مُفضِّلين التقاط هواتفنا ومطالعة الرسائل على استكمال الحديث معهم".

محاولات جذب الانتباه يحبطها التجاهل التام

في أوائل عام 2010، راقب الباحثون في بوسطن خلسة 55 من مُقدِّمي الرعاية وهم يتناولون الطعام مع طفل واحد أو أكثر في مطاعم الوجبات السريعة. خلال التجربة، رصد الباحثون 40 شخصا ظلوا منهمكين في استخدام هواتفهم بدرجات متفاوتة، وتجاهلوا الأطفال تماما (كما توصَّلوا إلى أن الكتابة والتصفح السريع كانا أكثر كارثية من تلقي مكالمة). ولم يكن مفاجئا أن يبذل العديد من الأطفال محاولات لجذب انتباه آبائهم، بلا أي نتيجة تُذكَر سوى التجاهل التام مرة أخرى.

وفي دراسة مماثلة جمعت 225 أُمًّا مع أطفالهن البالغين من العمر ستة أعوام تقريبا، قُدِّم إليهم طعام في بيئة ودية، ثم تابع الباحثون تفاعلات الأمهات مع أطفالهن بتسجيل فيديو لهم. خلال فترة المراقبة، استخدمت ربع الأمهات هواتفهن عفويا، وكُنَّ أقل تفاعلا مع الأطفال سواء بالحديث معهم أو بأي شكل آخر من أشكال التواصل.

وفي تجربة أخرى أجرتها بدقة أستاذتا علم النفس هيرش باسيك وجولينكوف، بالتعاون مع الباحثة بجامعة تمبل جايسا ريد في منطقة فيلادلفيا، لاختبار تأثير استخدام الوالدين للهواتف على تعلُّم أطفالهم اللغة، أحضر الباحثون 38 أُمًّا بصحبة أطفالهن البالغين من العمر عامين، تلقَّت الأمهات تعليمات بمحاولة تعليم أطفالهن كلمتين جديدتين وهما الارتداد (blicking) والاهتزاز (frepping)، ومنحهم القائمون على التجربة هاتفا ليتمكَّنوا من الاتصال بهن من الغرفة الأخرى.

حينما قاطع الباحثون الأمهات أثناء الشرح بالاتصال بهن، تشتَّت انتباه الأطفال، ولم يتمكَّنوا من تعلُّم الكلمات، على عكس الأطفال الآخرين الذين لم تتلقَّ أمهاتهن اتصالا ونجحوا في التعلُّم. من المفارقات الساخرة أنه تعيَّن على الباحثين استبعاد سبع أمهات من التحليل لرفضهن الإجابة على الهاتف واتباع التعليمات، لكنهن في النهاية أحسنَّ صنعا!

هدنة قصيرة متعمدة أفضل من تشتت كامل

ليس من السهل أبدا تحقيق التوازن بين احتياجات البالغين والأطفال، ناهيك برغباتهم، كما أن من السذاجة تخيل أن الأطفال يحظون باهتمام والديهم طوال الوقت. إن أمعنا النظر قليلا فسنجد أن الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات في وقتنا الحالي لا يختلف كثيرا عن الجليسات اللاتي استعانت بهن الأمهات في الأجيال السابقة لإبقاء الأطفال مشغولين معظم الوقت، والمشكلة الحقيقية التي قد يواجهها الآباء في حالة عدم توافر مكان للعب هي حلول الفوضى بلا شك!

كتاب "منزل صغير في البراري"

تصف الكاتبة الأميركية كارولين فرايز في كتابها الذي يتناول السيرة الذاتية لـ"لورا إينغالز وايلدر"، الكاتبة الأميركية صاحبة كتاب "منزل صغير في البراري" (Little House on the Prairie)، تبعات هذه الفوضى، وتُسلِّط الضوء على أسلوب التربية المتهور الذي تبنَّاه آباء القرن التاسع عشر حينما تركوا أطفالهم أمام الأفران في البيوت بهدف التدفئة، وترتَّب على ذلك تعرُّضهم لأخطر الحوداث، في الوقت الذي انشغلت فيه الأمهات مع المسؤوليات الأخرى. حتى إن وايلدر نفسها ذكرت مجموعة من الحوادث التي كادت تقع بالقُرب من ابنتها الصغيرة روز، ففي إحدى المرات وبينما كانت منهمكة في إنهاء بعض الأعمال المنزلية، إذ فجأة لمحت زوجا من الخيول يقفزان فوق رأس طفلتها.

إن عدم انتباه الوالدين لأطفالهم من حين إلى آخر ليس أمرا كارثيا في حقيقة الأمر ‏(بل قد يخلق قدرة على التحمل والمرونة داخل الطفل)، لكن هذا التشتت المستمر أمام أطفالنا يُعَدُّ قضية أخرى. نرى اليوم أن استخدام الهواتف الذكية ارتقى إلى درجة تُشبه أعراض الإدمان، فسرعان ما ينزعج البالغون المشتتون بهواتفهم ويجتاحهم التوتر بمجرد حرمانهم من استخدامها، وبذلك فهم لا يفقدون الإشارات العاطفية التي تربطهم بأطفالهم فحسب، بل ويُسيئون فهمها أيضا.

قد يكون الوالد الأقل انتباها لطفله أسرع غضبا من الآخر الأكثر تفاعلا مع ابنه، هذا بافتراض أن الطفل يحاول العبث والتلاعب، في حين أنه في الواقع لا يحتاج إلا إلى بعض الاهتمام. يمكن لعمليات الهدنة القصيرة والمقصودة ألا تكون مؤذية، بل ربما تكون صحية لكلا الوالدين والطفل (خاصة عندما يكبر الأطفال ويحتاجون إلى مزيد من الاستقلالية). لكن هذا النوع من الهدنة يختلف عن التشتت الذي يحدث عندما لا ينخرط الوالد بالكامل مع طفله في الحديث، فيظهر للطفل حينها أنه أقل قيمة من البريد الإلكتروني.

أن تطلب الأم من أطفالها الخروج للعب قليلا، ويطلب الأب منهم أن يمنحوه نصف ساعة لأنه يحتاج إلى التركيز على عمله، هي استجابات طبيعية للغاية للمتطلبات التي تفرضها عليهم حياة البالغين، لكن ما يحدث اليوم هو نوع من التربية الغريبة التي تحكمها أصوات إشعارات الهواتف طوال الوقت. نحن نشهد الآن على أسوأ نموذج تربوي يمكن تخيله، هذا الذي يوجد فيه الآباء جسديا فقط دون أي حضور عاطفي.

رقصة التانغو لا تتحقق بشريك واحد!

لن يكون حل هذه المشكلة سهلا، خاصة مع تفاقمها جرّاء التغيرات الجذرية في عملية التعليم. في وقتنا الحالي، يوجد نحو ثلثي الأطفال بعمر أربع سنوات في مؤسسات لرعاية الأطفال، وتُعَدُّ هذه نسبة أعلى من أي وقت مضى، كل هذا بجانب الاتجاهات الحديثة التي فُرضت على التعليم في مراحل الطفولة المبكرة، التي تملأ فصول الأطفال بمناهج دراسية مُملة للغاية ومقتصرة على جانب واحد فقط وهو المعلم الذي يتحدَّث وحده. في مثل هذه البيئات، يفقد الطفل حرية التمتع بالمحادثات التفاعلية والعفوية.

لكن الجانب المشرق في هذه القضية هو أن الأطفال معتادون على أخذ ما يريدونه من ذويهم، وبهذا يصبح بمقدورهم التغلب على انتباهنا المشتَّت والنجاح في جذب اهتمامنا إليهم من جديد بالمحاولات المتكررة والإصرار على ذلك، وإن لم نغير من سلوكياتنا، فسيجبروننا على تغييرها ببذل أقصى ما في وسعهم. لكن عند نقطة ما، قد يستسلم أطفالك حينما لا يجدون عائدا لما يبذلونه. يشبه الأمر رقصة التانغو التي تتطلَّب شخصين لتأديتها ولا تتحقق بشريك واحد، لذا من المهم أن تدرك إلى أي مدى يمكن أن يعاني أطفالك إن لم يجدوا شريكا للانسجام والتفاعل معه.

إن تَمكَّنَّا من السيطرة على "التشتت التكنولوجي" كما سمَّاه بعض علماء النفس، فعلى الأرجح سيتوفر لنا الكثير لنبذله من أجل أطفالنا.

بالطبع يعاني الكبار أيضا من وتيرة الحياة الحالية التي تجعلهم يعتقدون أنهم قادرون على تأدية كل المهام المطلوبة منهم في آنٍ واحد، فتجدهم متاحين دائما للعمل، ولتربية الأولاد، وللاهتمام بالأزواج، وبالوالدين، ولأي شخص آخر قد يحتاج إليهم، وتشغلهم طلبات المنزل ومشترياته، بجانب مجاراة الأحداث والاطلاع الدائم على المستجدات، قبل أن يدركوا في النهاية إلى أي مدى هم عالقون في دوامة الحياة الرقمية.

في ظل هذه الظروف، يبدو من الأسهل تركيز مخاوفنا على الوقت الذي يقضيه أطفالنا أمام الشاشات، بدلا من التخلي عن أجهزتنا نحن. يُصنِّف علماء النفس هذه الحالة على أنها حالة كلاسيكية من الإسقاط النفسي؛ وتعني تملُّص المرء من إخفاقاته وإسقاطها على الآخرين الذين لا ذنب لهم، لذا عندما يتعلق الأمر بالوقت الذي نقضيه أمام الشاشات، فلا بد أن نُخفِّف من ذلك الإسقاط. وإن تَمكَّنَّا من السيطرة على "التشتت التكنولوجي" كما سمَّاه بعض علماء النفس، فعلى الأرجح سيتوفر لنا الكثير لنبذله من أجل أطفالنا، وبأفعال بسيطة للغاية سنسعدهم، بصرف النظر عن جودة تعليمهم وعدد الساعات التي نُخصِّصها لهم.

في النهاية، على الآباء أن يتحرَّروا من هذا الضغط الخانق الذي يُجبرهم على أن يكونوا متاحين طوال الوقت لخدمة متطلبات الآخرين. الأمر بسيط للغاية، كل ما عليك فعله هو اتباع حدسك، إن أردت أن يلتحق طفلك بروضة أطفال فلتفعل ذلك، وإن لم ترغب بحضور مباراة كرة القدم لابنك فلا تذهب. صدقني لا بأس في ذلك، سيتفهَّم ابنك الوضع وسيكون على ما يُرام. لكن في اللحظة التي تجمعكما معا ضع هاتفك البغيض جانبا وامنحه كل اهتمامك وتركيزك، فهذا كل ما يحتاج إليه.

________________________________________________________

ترجمة: سمية زاهر

هذا التقرير مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة