شعار قسم ميدان

"عصر نفاد الصبر".. لِمَ نعجز عن تعلُّم أي شيء رغم وفرة المصادر المتاحة؟

هل تذكر متى كانت آخر مرة جلست تقرأ كتابا أو نصا طويلا دون أن يتسلل إليك الملل أو يتشتت انتباهك أو تنتابك الرغبة في الانتهاء سريعا لعمل شيء آخر "مثير"؟ هل سبق أن سمعت أو طالعت معلومة معينة واكتشف في اليوم التالي أنك لم تستوعبها جيدا أو أنك حتى لا تذكرها؟

أمضت عالِمة الأعصاب ماريان وولف، التي تبلغ من العمر 68 عاما، حياتها في البحث في اضطرابات القراءة، وهي تُدير مركز عسر القراءة والمتعلمين المتنوعين والعدالة الاجتماعية في جامعة كاليفورنيا، والمثير أنها لاحظت في الآونة الأخيرة أنها -هي شخصيا- تواجه صعوبة متزايدة في إنهاء كتاب أو قراءة عدة صفحات، فقررت إعادة قراءة إحدى رواياتها المفضلة "لعبة الكريات الزجاجية" للكاتب هيرمان هسه.

لاحظت ماريان أن أحداث روايتها المفضلة بدت لها "بطيئة بشكل لا يُطاق"، وأنها لم تعد قادرة على القراءة لمجرد المتعة، لقد اكتسبت في السنوات السابقة قدرة على المرور بسرعة على الكلمات، نعم، لكنها في المقابل فقدت القدرة على الاستيعاب العميق للنص، حتى إنها اضطرت إلى إعادة قراءة بعض الجمل في الرواية، مما أصابها بالإحباط، فما الذي حدث لها ولنا أيضا؟ (1)

في غمار المعلومات

هذه قصة جديدة قديمة عن تأثير الأجهزة الإلكترونية التي نحملها بين أيدينا، وما تُقدِّمه لنا من قدر هائل من المعلومات تتنوع وتتغير في فترات قصيرة، بحيث يمكنك تبادل الأحاديث ومتابعة الأخبار أو لعب ألعاب الفيديو واستقبال رسائل البريد الإلكتروني في الوقت نفسه، ما يعني أن عليك أن تُبدِّل انتباهك بين تلك المحفزات المختلفة التي تتنافس على السيطرة على عقلك وانتباهك. لسوء الحظ، تكون النتيجة النهائية لهذا التعرُّض المستمر للبيئات الرقمية وما تُتيحه من معلومات ضخمة هي تغييرات واضحة في الديناميكيات المعرفية، سجَّلها مارك إدموندسون بعدما تعرَّف إليها بين طلابه. (2)

لاحظ أستاذ الأدب في جامعة فيرجينيا تجنُّب عديد من طلاب الجامعة التسجيل في فصول الأدب الكلاسيكي للقرن التاسع عشر والقرن العشرين، التي تتسم بطولها ودسامتها واختلافها عما نقرؤه عادة على الإنترنت. لم يعد الطلاب يجدون القدرة أو الصبر على قراءة هذه الأنواع، ومن هنا صكَّ إدموندسون مصطلح "نفاد الصبر المعرفي" ليُشير إلى هذا العجز عن الاستمرار في الانتباه لشيء واحد فترة طويلة كافية للتعمُّق في فهم جوانب الفكرة أو النقاش حولها، ما يؤدي إلى فقدان القدرة على فهم الأفكار المعقدة وتذكُّر الأفكار البسيطة. يعني هذا الافتقار إلى القدرة على تركيز الانتباه على مهمة واحدة من البداية إلى النهاية وتجاهل عوامل التشتيت الأخرى لحين إتمامها، ويعني مواجهة صعوبات في أداء المهام التي كانت سابقا عادية، مثل قراءة كتاب، وهو في النهاية الطريق الأقصر إلى الغباء. (3)

الانتباه الذي لا يكتمل أبدا

لأننا نوزع انتباهنا على المحفزات المختلفة -مطالعة شبكات التواصل أو الرد على رسالة مثلا-، مما يجعلنا مُشتتين للغاية وعاجزين عن التركيز فيما نقرأ أو نشاهد.

في عالم اليوم أصبح الصمت ترفا، حيث نعيش حالة دائمة من تشتُّت الانتباه بين الرسائل وشبكات التواصل الاجتماعي وغيرها، هذا التواصل المُفرط أصاب كثيرين باضطرابات القلق، ومعه فقدنا الوضع اللازم للتركيز والتأمل، خاصة مع شعورنا في لحظات الهدوء أو الاندماج في عمل مهم بأن ثمة أمرا ما يفوتنا أو أن هناك شيئا أكثر إثارة يمكننا القيام به، مما يزيد صعوبة التركيز. (4)

هذا إلى جانب أن المعلومات المتاحة اليوم -فضلا عن كونها سريعة وضخمة- تتسم بقوة المحفزات البصرية والسمعية، وتفتقر في الوقت ذاته إلى العمق، إذ لا تتسع له الدقائق القليلة التي تُقدَّم لنا فيها هذه المعلومات، وفي اللحظة التي يظهر فيها مفهوم أو فكرة تتطلَّب بعض التركيز لفهمها، يتسلَّل إلينا الملل من معلومة لا تبدو جذابة، فيخبرنا الدماغ أن هناك بدائل متعددة أكثر إثارة، وهي تتسابق لجذب انتباهنا وتدعونا للتخلي عما نقوم به. (5)

نتيجة لذلك، بدأنا جميعا نفقد الصبر المطلوب للاستماع بعناية إلى محاضرة حتى نهايتها، أو لقراءة نص طويل، يقول الطبيب النفسي دانيال جولمان إننا ندفع ثمن ثورة التواصل الحالية من انتباهنا، فنعيش حالة مستمرة من "الانتباه غير الكامل"، يُشبِّهها جولمان بالغيبوبة. فأمام ذلك الوابل من المعلومات في المصادر المختلفة، نفقد القدرة على الاستيعاب الجيد والعميق، ونضطر لأن نوزع انتباهنا على المحفزات المختلفة -مطالعة شبكات التواصل أو الرد على رسالة أو مشاهدة الأخبار في التلفاز مثلا-، وفي الحقيقة لا يحظى أيٌّ منها بانتباهنا، حيث نكون مُشتتين للغاية وعاجزين عن التركيز فيما نقرأ أو نشاهد، حتى إن بدا ظاهريا أننا موجودون ومنتبهون.

في دماغنا مستويان أساسيان للانتباه، يعمل أحدهما لا إراديا فيتولَّى زمام الأمور عندما نؤدي مهمات متكررة، وينبهنا للخطر حين يستدعي الأمر، أما المستوى الثاني فهو المسؤول عن تعزيز الوعي بالذات والقدرة على النقد والنقاش والتخطيط، وهذا هو الأشد تأثُّرا بنفاد الصبر المعرفي. أثناء مطالعة أحد المواقع مثلا، تمر أعيننا على عدة عناوين، وفي الحقيقة فإن ما سيجذب انتباهنا ويدفعنا لقراءته هو ما يمسنا أو يرتبط في عقولنا بصدى عاطفي، هذا ما يُطلق عليه جولمان "الاختراق العاطفي" الذي يعني أن نطاق انتباهنا يضيق بحيث يتشبَّث فقط بما يُثير قلقنا، أو ربما يُجيب عن تساؤلاتنا أو يحمينا من خطر نتصور أنه يحدق بنا، ومن هنا يمكن أن نعتبر الاختراق العاطفي أساس الانتباه. (6)

القراءة تتغير

لكن التعرُّض لكمٍّ ضخم من المعلومات يُفقدنا القدرة على معالجتها بطريقة أبطأ، هذه المعالجة المتأنية هي التي تقوم فيها عقولنا بالنقد والتحليل والتعاطف والابتكار، وأخيرا التذكُّر، والنتيجة أننا لا نُخصِّص وقتا للأفكار المعقدة وتفهُّم مشاعر الآخرين وإدراك الجمال. تقول عالِمة الأعصاب ماريان وولف في كتابها "أيها القارئ عُد إلى موطنك: العقل القارئ في عصر رقمي" إن الدوائر العصبية البشرية استغرقت ما يقرب من 6000 عام لتطوير قدرات القراءة والكتابة، فطوَّر الدماغ البشري شبكات عصبية جديدة لمعالجة النصوص والقدرة على القراءة والتذكُّر، لكننا نفقدها تدريجيا اليوم مثلما نفقد ما لا نستخدمه من شبكات عصبية كما يخبرنا علماء الأعصاب. (7)

كتاب "أيها القارئ عُد إلى موطنك: العقل القارئ في عصر رقمي" لعالمة الأعصاب ماريان وولف

في سياق مُشابه، أجرى زيمينج ليو من جامعة سان خوسيه الحكومية سلسلة من الدراسات أشارت إلى هيمنة "قاعدة جديدة" على عالم القراءة هي القراءة السريعة، حيث يبحث القراء بحثا سريعا عن الكلمات المفتاحية داخل النص، أو اتباع نمطَيْ F أو Z في القراءة، فيقرأون السطر الأول ثم يمرون سريعا على بقية النص باحثين عن الكلمات المفتاحية، وعند اتباع طريقة القراءة السريعة بهذا الشكل، يقل الوقت المخصص لعمليات القراءة العميقة؛ أي يقل الوقت المخصص لاستيعاب تعقُّد الفكرة المطروحة وفهم المشاعر الموجودة في النص وخلق أفكار خاصة. (8) وكشفت دراسة أُجريت في جامعتَيْ أبردين وكولومبيا البريطانية أن في أثناء مدة القراءة، يهيم عقلنا في أمور أخرى 20-40% من الوقت، ما يُفسِّر عدم تذكُّرنا مضمون ما قيل (أو قُرئ) فيما بعد. (9)

تقول ماريان وولف إن نفاد الصبر المعرفي لدى الطلاب يتسبَّب في تزايد أعداد العاجزين عن القراءة والتحليل النقدي الكافي وفهم الأفكار والنقاشات المتشعبة والمعقدة في النصوص الثقيلة، الأدبية منها أو العلمية في الجامعات، ويمتد ذلك للعقود والاستفتاءات العامة التي تُطرح أمام المواطنين في صناديق الاقتراع مثلا، رغم ما تعنيه من تأثير فارق في حياتنا. (10)

لماذا ينفد صبرنا بهذه السرعة؟

يحدث هذا غالبا عندما ندرك أن تحقيق هدف محدد سيُكلِّفنا جهدا أكبر مما توقعنا، فمثلا تُقرِّر الالتحاق بدورة تدريبية لتعلُّم مهارة جديدة، وتلتزم بالجدول الزمني الذي وضعته لها، لكن تأتيك فكرة أخرى ترى أنها أفضل، وعندها تُقرِّر أن الاستمرار في الخطة القديمة ربما يُضيِّع فرصة جديدة أفضل.

مع كثرة الخيارات المتاحة أيضا يسهل أن ينفد صبرنا، عندما ننتهي من جزء من مشروع بدأناه وتأتينا فكرة أخرى أفضل، نضجر وينفد صبرنا، ويتأرجح شعورنا بين التفاؤل والسيطرة على زمام الأمور أحيانا، والشك في جدوى ما نفعله في أحيان أخرى. تعدُّد الخيارات أمر جيد بالطبع، لكن ما أكَّده ألفين توفلر في كتاب "زيادة الحمل الاختياري" (Overchoice) الصادر عام 1970، واتفق معه باري شوارتز في كتاب "معضلة الاختيار" (Paradox of Choice) الصادر عام 2004، هو أن تعدُّد الخيارات يُصعِّب الاختيار في المقام الأول، ويمكن أن يؤدي إلى الشعور بالندم والتراجع عن الاختيار بعد اتخاذه. (11)

يقول دانييل جولمان إننا إزاء ظاهرة يمكن اعتبارها "مفترقا خطرا تواجهه البشرية"، فهي تُهدِّد الإدراك البشري تهديدا مُقلِقا، فالانتباه الذي يتغيَّر اليوم يُمثِّل قيمة عقلية لها تأثير قوي في حياتنا، نفقد بدونه القدرة على التفكير واتخاذ القرارات المستقلة، وهو ما يعني أن نتبع مشاعرنا في قرار الانتباه لأمر ما من عدمه، ويعني أيضا أن تتبدل اهتماماتنا وفق ما يُثير بداخلنا تأثيرا عاطفيا أكبر، فلا نكاد نتم مهمة ما. (12)

خطورة نفاد الصبر المعرفي لا تقتصر على النسيان إذن، فتبعاته أعقد من ذلك بكثير، أقلها المشاريع والخطط غير المنتهية، والأهداف المتروكة لأن تكلفة تحقيقها كانت أكبر مما توقَّعنا، وأعلاها تركز الاهتمام العام على المجالات المثيرة والشائقة، والعزوف عن علوم مهمة وذات فائدة فقط لأنها أقل تشويقا أو تتطلَّب قدرا لا نملكه من الانتباه والمثابرة. (13)

تقول سارة شنيكر، الأستاذ المساعد في علم النفس بجامعة بايلور، في دراستها عن الصبر والرفاهية التي أجرتها عام 2012 إن الأشخاص الذين يتحلون بالصبر يتمتعون بمستوى أعلى من الرفاهية، ويشعرون برضا عام وبالأمل والثقة بالنفس، ويختبرون مشاعر إيجابية عموما، ويبدو هؤلاء أقدر على السعي وراء أهدافهم وبذل جهود أكبر لتحقيقها. (14) الخبر الجيد أن الناس لا ينقسمون بالطبيعة إلى صبورين وغير صبورين، لكنها صفة يمكن اكتسابها بالتدريب، بالتصبُّر، مثلما نكتسب عادة جديدة، إنها عملية مستمرة يمكن تطويرها مع دوام الالتزام والسعي. (15)

___________________________________________

المصادر:

  1. ¿Por qué matan los móviles la lectura?
  2. La impaciencia cognitiva
  3. Cognitive Impatience: The road to stupidity
  4. المصدر السابق
  5. La impaciencia cognitiva
  6. Cognitive Impatience: The road to stupidity
  7. La lectura digital superficial afecta el cerebro
  8. Skim reading is the new normal. The effect on society is profound
  9. Skim reading is the new normal. The effect on society is profound
  10. The 7 Laws of Impatience
  11. Cognitive Impatience: The road to stupidity
  12. How to become more patient with everyday annoyances
  13. An examination of patience and well-being
  14. How to become more patient with everyday annoyances
المصدر : الجزيرة