شعار قسم ميدان

كراهية على الإنترنت واحتفاء في الواقع.. كيف يفسر محمد رمضان علاقتنا بالمشاهير؟

كان علي قد اعتزم قضاء حاجة لوالدته من متجر قريب من المنزل قبل أن يلاقي رفاقه على المقهى كعادة كل خميس، ولكنه بمجرد وصوله فوجئ بوجود أحد مشاهير منصات التواصل، الذي استجاب لدعوة أحد رفقائه بالحضور.

علي كان يمقته بشدة، ويحتقر أفكاره وأسلوبه في التعبير عنها، ويتعمد إهانته بطرق مبطنة، يتفنن في ابتكارها لدرجة تثير إعجابه أحيانا، ولطالما تخيل أن لقاءه به سيكون ملحميا؛ حوار ساخن محتد أشبه بالمعركة يخرج منه منتصرا باكتساح، ويذيع صيته على الإنترنت في الليلة التي سقط فيها خصمه الافتراضي، الذي بالطبع سيضطر لتغيير اسمه والهجرة إلى نيبال.

نصف بشر.. نصف أسطورة

بما أننا نحكي لك تلك الحكاية، فأنت تعلم طبعا أنه لا شيء من هذا قد حدث. في الواقع، كانت النتيجة محبطة لدرجة أن علي تمنى لو لم يُلاقِه أبدا، ليس لأنه خسر المعركة، بل لأنه لم يخضها من الأصل.

يعتقد عدد كبير من الباحثين في علم النفس أننا مهووسون بالمفاجآت لدرجة أنها تسيطر على أفكارنا في كثير من الأحيان، وأن تلك المفاجآت غالبا ما تزيد حِدَّة عواطفنا بأربع مرات تقريبا، ولكن لم يكن هذا هو ما حدث هنا؛ علي صديقنا قد تجمد، وتبخرت من رأسه كل العبارات اللاذعة التي أعدها لهذا الموقف وكررها في رأسه مرارا، بدءا من التحية الساخرة، ومرورا بالحجج المنطقية القاطعة، ونهاية بابتسامة الانتصار بعد أن يعجز خصمه عن الرد. (1) (2) (3)

الأسوأ أن أقصى ما خرج من صديقنا كان همهمات خجولة غير مفهومة، قطعها ترحيب تقليدي من خصمه، وكأنه واحد من العشرات الذين يلاقيهم كل يوم دون أن يعرفهم أو يتذكرهم. كانت تلك الهزيمة المبكرة شديدة القسوة، وما زاد الطين بلة أن عليًّا لم يستطع مقاومة الرغبة في إخبار كل معارفه عن هذا اللقاء لاحقا، وعلى وجهه ابتسامة عريضة كان يصارع لمحوها.

تعتقد سارة سلوت، إحدى الكاتبات المتمرسات في شؤون الصحة النفسية والذهنية، أن لقاءنا بأحد المشاهير غالبا ما يكون مدعاة للتفاخر أمام الآخرين، حتى لو كان لقاء وجيزا بلا تواصل حقيقي، لأن ندرة الحدث تحوله إلى ما يشبه رأس المال الاجتماعي (Social Capital)، فيُشعرنا بأننا مميزون، وأننا من ضمن قلة منتقاة حظيت بهذه الفرصة، حتى لو كانت الشخصية المشهورة كريهة أو مغضوبا عليها من الكثيرين أو محل جدل. (2)

طبعا هذا لا علاقة له بمشاعرنا الأصلية تجاه تلك الشخصية، لذا لم يجد الباحثون (4) وصفا أفضل لهذا الموقف من "كراهية الحب" أو "حب الكراهية" كما تقول الترجمة الحرفية من الإنجليزية "Love Hate".

نحن نحب النجوم والمشاهير والأبطال منذ فجر التاريخ، لأنهم يُشبِعون احتياجنا إلى المرجعية الاجتماعية، ولأنهم، في الثقافة اللاتينية مثلا، كانوا أشبه بحلقة وسطى بين البشر والآلهة. الفارق المهم هنا أننا نستطيع رؤيتهم ونسخ تصرفاتهم والانبهار بمعجزاتهم، على عكس تلك الآلهة في الثقافة اللاتينية. (5)

المجاذيب في جحيم

يعتقد الأطباء في هارفارد أن هذه الدرجة من الهوس، التي تستحق وصفها بـ"العبادة" من وجهة نظرهم، مماثلة لإدمان الكحول والمخدرات، فعموما، يتعرف المخ على الإدمان والمتعة بالطريقة ذاتها. (شترستوك)

تلك الثقافة كانت هي ما صك لفظة "معجب" أو "Fan" بالإنجليزية، التي تنحدر من "Fanaticus" باللاتينية، أي مجذوب أو مهووس. (2)

هذا الهوس له ثلاث درجات رئيسية طبقا لراندي ولوري سانسوني، المدرسين المتخصصين في علم النفس بمدرسة رايت في دايتون بأوهايو، الأولى هي ما سموه بـ"العبادة الدنيا" (Low Worship)، والمقصود بها أن تستمتع بالقراءة وجمع المعلومات عن تلك الشخصية المشهورة، والثانية تقع عندما تبدأ في البحث عمن يشاركونك هذه الاهتمامات في جماعة تتوحد مع هذا النجم أو البطل، أو ما يعرف بـ "Broader Social Character"، والثالثة والأخيرة هي العبادة العليا (High worship)، التي تشهد التوحد التام مع النجم والهوس بكل ما يخصه. (4)

بقليل من الاستدراكات والتخصيصات يمكنك تطبيق الفكرة ذاتها على المشاهير الذين تكرههم. هل تساءلت يوما لماذا يُصِرُّ الكثيرون على تتبع النجوم لمجرد سبِّهم أو تعنيفهم أو توبيخهم؟ بالطبع بعض هؤلاء النجوم يصعب تجاهله لأنه يفرض نفسه بطريقة أو بأخرى، ولكن هذا لا ينطبق على أغلبيتهم، ورغم ذلك، يسعى الكثيرون لإبقائهم في حياتهم ومتابعة أخبارهم، وهو ما يبدو غير منطقي للوهلة الأولى.

المفاجأة أنه منطقي تماما، الباحثون في جامعة ليستر يعتقدون أن هذه الدرجة من الهوس بالمشاهير تدفع أصحابها إلى الاعتقاد أن ثمة علاقة خاصة تجمعهم، علاقة ثنائية مختلفة عن تلك التي يتشاركونها مع غالبية جمهورهم، مثل أن تعتقد أن هذا النجم يقرأ تعليقاتك لأنها مميزة عن غيرها، وتُثير فرحه أو غضبه حتى لو لم يكن هناك دليل على ذلك. أن تتوهم صلة ما غير محسوسة أو مرئية بينك وبينه، ببساطة لأنك تحتاج إليها وتؤمن أنك تستحقها، ولأنها تُشعرك بأن كل هذا الهوس ليس بلا طائل. (6) (7)

من جانبهم، يعتقد الأطباء في هارفارد أن هذه الدرجة من الهوس، التي تستحق وصفها بـ"العبادة" من وجهة نظرهم، مماثلة لإدمان الكحول والمخدرات، فعموما، يتعرف المخ على الإدمان والمتعة بالطريقة ذاتها، وحينما نتواصل مع مشاهيرنا، سواء أحببناهم أو كرهناهم، يفرز الفص الأمامي من المخ جرعة من الدوبامين الذي ينقل الإحساس بالمتعة، وفي الوقت ذاته يحفز نشاط الذاكرة. (6)

هذا هو ما يقودنا لاحقا إلى السلوكيات القهرية، سعيا نحو تكوين المزيد من الذكريات الممتعة، مثل تفقُّد صفحاتهم على منصات التواصل خوفا من أن يفوتنا أي تحديث، أو مناقشتهم بتعليقات طويلة جادة نعلم يقينا ألا أحد سيقرأها سوى موظفي العلاقات العامة الذين يتولون إدارة حساباتهم. تصرفات غير منطقية لو فكَّرنا فيها لثوانٍ لأحجمنا عنها، ولكننا لا نستطيع رغم ذلك. إن كنت ما زلت تتساءل عن التعريف المختصر لكل ذلك فهو الإدمان ببساطة.

آخر الخط

المفارقة المهمة هنا أن موظفي العلاقات العامة الذين يتولون إدارة حسابات المشاهير يعلمون ما سبق. في الواقع، الشركات المتخصصة تستخدم هذه الدراسات بوصفها مرجعية لأدائها على منصات التواصل، لذا تلاحظ أن الكثير منهم ينظمون المسابقات ويختارون بعض الحسابات للحصول على هدايا معينة، أو يشاركون بعض التعليقات المادحة دليلا على نجاحهم، أو يحرصون على لقاء بضعة معجبين كل فترة ونشر صور اللقاء، لأن مصلحتهم تقتضي أن يظل الأمل قائما في الأفق، الأمل في أن تكون أحد المحظوظين الذين اقتربوا من النجوم.

في هذه الصور، عادة ما تلاحظ النظرة المتجمدة ذاتها على وجوه المحظوظين بلقاء النجم المشهور، تلك النظرة التي توحي بأنهم قد مروا بالصدمة ذاتها التي مرَّ بها صاحبنا على المقهى، فنسوا كل ما استعدوا لقوله وفعله في هذه المناسبة.

هذه الصدمة تنشأ من حقيقة بسيطة للغاية؛ حقيقة أننا غالبا ما نتفاجأ عند ملاقاة النجوم والمشاهير، حتى لو كان لقاء مُعَدًّا سابقا، لأن المواجهة غالبا ما تكون محبطة جدا، أو مثيرة جدا، لا وسط في الأمر.

نتفاجأ أن بشرة هذه الممثلة ليست بالنعومة التي تدَّعيها صور إنستغرام، وأن هذا المطرب يختار الفتيات القصيرات في أغانيه ليبدو أطول من الحقيقة، وأن تعبيرات وجه هذا الفنان ليست بملحمية أغلفة الأفلام، وأن تصفيفة شعره تتأثر بالرطوبة والحرارة، وأن عضلاته لا تتدرب إلا قبل جلسات التصوير، وأن كلهم، للمفاجأة الصاعقة، بشر.

هذه المفاجأة تصبح مفاجأة لسبب وحيد فقط لا غير؛ أننا ننزع عنهم تلك الصفة أثناء تطوير مشاعرنا نحوهم. يُطلَق على تلك العملية "Dehumanization"، وليس لها ترجمة حرفية في العربية سوى "نزع الإنسانية". جزء من كون النجم نجما، سواء أحببناه أو مقتناه، هو حقيقة أنه مختلف عنا في كل شيء. هذا ما جعله يستحق هذه المكانة ابتداء، لهذا يصبح اللقاء الفعلي إما محبطا لأقصى درجة، وإما مثيرا لأقصى درجة، كما أسلفنا. (8)

(شترستوك)

في تلك اللحظة، نختبر قناعاتنا سابقة التكوين عنه، ويتضاعف تأثير كل تصرفاته، ببساطة لأن حجم العينة شديد الضآلة، ولأن عقولنا تسابق الزمن لتكوين انطباعات مرضية في هذه الثواني البسيطة. أبسط التفاصيل قد تُغيِّر هذه الانطباعات كليا، لأنك عندما تتخيل لقاءك مع أحد المشاهير، لا تتصور مثلا أنه سيكون غزير العرق، أو ثقيل الظل، أو ذا رائحة نَفَس كريهة. (9)

جزء من نجوميته يقوم على إخفاء بشريته، لذا تقع الصدمة ونتجمد عندما نُفاجأ بتفاصيل كتلك، ولذلك غالبا ما تسمع الانطباعات المتسرعة التي تصف هذا المطرب بالتهذيب لأنه استجاب لإشارة أحد معجبيه في الشارع، أو تصف هذا اللاعب بأنه متواضع لأنه وافق على التقاط صورة مع آخر، والعكس بالعكس طبعا، وكأننا نحاول تفسير نشأة الكون بعد أول درس في الفيزياء.

المعارك التي لا نخوضها

هذا كله ينزع السحر من الأمر أو يضاعفه، لا يوجد احتمال ثالث هنا. الأمر يشبه أن تهبط على القمر لتكتشف أنه مجرد كرة صخرية مليئة بالحفرات، أو ذلك الإحباط الذي أصابك عندما اكتشفت طريقة صناعة المياه الغازية لأول مرة، أو الصدمة التي تصيب المدمن عندما يدرك أن فقراء الأطفال اللاتينيين هم مَن حصدوا مخدراته من الحقول.

الأمر معقد للغاية، لأن هناك الكثير من الاحتمالات المفتوحة في مثل هذه المواقف، ولكن في الوقت ذاته كلها احتمالات شديدة التطرف؛ إما الهيام بأي تفصيلة بشرية أصيلة في مظهر النجم أو تصرفاته، واعتبارها سببا إضافيا للهوس بكل ما يخصه، وإما خيبة الأمل بعد إدراك حجم المؤثرات الإخراجية التي تظهره في تألقه المعتاد، أو التجمد الذهني والعجز عن التعاطي مع الحدث من الأصل.

يمكنك التقاط ردود الأفعال الثلاثة بسهولة خلال زيارة محمد رمضان الأخيرة إلى الإسكندرية، ردا على دعم محافظ المدينة السابق لحملة "إسكندرية لا ترحب بمحمد رمضان"، التي نشطت على وسائل التواصل وخلال بعض التجمعات الأهلية بعد الإعلان عن حفلته الغنائية هناك. (10)

في خلال بضع ساعات فقط، كان محمد رمضان قد حظي باحتفاء هائل، خاصة من قائدي الدراجات النارية الذين تسابقوا للحاق بموكبه، ثم تسبَّب الموكب ذاته في إثارة غضب رواد وأصحاب أحد المقاهي التي قصدها، وبين هذا وذاك كان هناك الآلاف من المتجمدين المتسمرين الذين تعطلت عقولهم ولم يقدروا على تحديد مشاعرهم تجاه الحدث بالسرعة الكافية. (11).

نعتقد صدقا أن رمضان كان ذكيا بما يكفي ليدرك أن أسوأ الاحتمالات لن يضره. بالطبع لا يمكننا أن نقول إن كان أهل الإسكندرية يرحبون أو لا يرحبون بمحمد رمضان، وفي الواقع، حتى بعض هؤلاء الذين ساروا في موكبه قد يندمون لاحقا بعدما يكتشفون أنه قد استغلهم لصناعة صورة خادعة عن شعبيته، وربما يكون احتفاؤهم به معبرا عن شعبيته فعلا، ولكن ما نعلمه يقينا أن خبث النجم قد منحه انتصارا مدويا في معركة لم يخضها من الأصل، على عكس صاحبنا علي.

_________________________________________________

المصادر:

المصدر : الجزيرة