اكتئاب ما بعد الولادة.. القاتل الصامت للأمهات

اكتئاب بعد الولادة

شهدت سنغافورة العام الماضي واقعة غريبة سُلِّطت عليها الأضواء حينها، حيث وُجدت امرأة تبلغ من العمر 35 عاما ميتة إلى جوار ابنتها البالغة من العمر خمسة أسابيع عند سفح مبنى سكني في البلاد، كانت المرأة تُعاني من اكتئاب ما بعد الولادة، ولم تكن قادرة على التعامل مع طفلتها، قضت السلطات أن وفاة المرأة كانت انتحارا مُتعمَّدا، وأن وفاة الطفلة كانت جريمة قتل ارتكبتها والدتها.

 

عملت المرأة المتوفاة مديرة حسابات، وكانت لديها ابنة أخرى، فيما كانت أسرتها تعيش في شقة في الطابق العاشر من إحدى البنايات، ولم يكن قد مرَّ على ولادة المرأة لابنتها الثانية سوى أسابيع فقط. وجدت التحقيقات أن الأم وطفلتها سقطتا من نافذة المطبخ في منزلهما في الطابق العاشر، بعدما استخدمت الأم كرسيا تحت النافذة التي كانت مفتوحة على مصراعيها. لم تكن هناك علامات صراع في المنزل، وعُثِر على تسجيل صوتي على هاتف المرأة لآخر رسالة تركتها لزوجها، قالت خلاله إنها ما كان يجب أن تُنجب طفلتها الثانية، لأنها لا تعرف كيف تعتني بالأطفال أو بأسرتها، وقالت إنها لم تكن أُمًّا وزوجة صالحة وخذلت الأسرة.

 

طلبت المرأة خلال التسجيل من زوجها أن يعتني بابنتهما الكبرى جيدا، وأعربت عن أسفها لأنها لن تكون موجودة لمشاهدتها وهي تكبر، وأعطت زوجها كلمة المرور لحسابها المصرفي، وأنهت رسالتها بأنها لم يكن لديها طريقة أخرى لأن عقلها لم يكن يعمل.(1)

 

ما اكتئاب ما بعد الولادة؟

اكتئاب بعد الولادة

حسنا، يمكن أن يكون الحمل وفترة ما بعد الولادة وقتا سيئا خاصة للنساء، فغالبا ما تُعاني الأمهات من تغيرات بيولوجية وعاطفية ومالية واجتماعية هائلة خلال هذا الوقت تجعلهن أكثر عُرضة للإصابة بمشكلات الصحة العقلية، وخاصة الاكتئاب والقلق.

 

من الشائع أن تُعاني النساء في تلك الفترة من "الكآبة النفاسية"، وهي حالة تعاني منها 70% من الأمهات الجدد تنتج عن التغير المفاجئ في الهرمونات بعد الولادة، لكنها حالة قصيرة الأمد لا تتعارض مع الأنشطة اليومية ولا تتطلَّب عناية طبية. قد تشمل أعراض هذه الحالة العاطفية البكاء بدون سبب والتهيج والأرق والقلق، وتستمر هذه الأعراض لمدة أسبوع أو أسبوعين وتزول عموما من تلقاء نفسها دون علاج.(2)

 

لكن بعض النساء يُعانين من اضطراب مزاجي أكثر خطورة، وهو ما يُطلَق عليه اسم "اكتئاب ما بعد الولادة". يختلف اكتئاب ما قبل الولادة عن "الكآبة النفاسية" من حيث كونه مُنهِكا عاطفيا وجسديا، وقد يستمر لأشهر أو أكثر، ويستدعي الحصول على العلاج لكلٍّ من الأم والطفل، وتُشير التقديرات إلى أن واحدة من كل سبع نساء تعاني من اكتئاب ما بعد الولادة.(3)

 

على عكس الكآبة النفاسية، لا يختفي اكتئاب ما بعد الولادة من تلقاء نفسه، ويمكن أن تظهر أعراض هذا الاكتئاب بعد أيام أو حتى أشهر من ولادة الطفل، وتستمر لفترة طويلة إذا تُركت دون علاج. وعلى عكس الشائع، فإن هذا النوع من الاكتئاب لا يرتبط بسهولة الحمل أو مشقته أو وجود أطفال سابقين، أو حتى عوامل العمر أو العِرق أو الثقافة أو التعليم. في المقابل، قد تختلف أعراض اكتئاب ما بعد الولادة من حالة إلى أخرى.(4)

 

تتضمَّن قائمة هذه الأعراض فقدان المتعة أو عدم الاهتمام بالأشياء التي اعتادت المرأة الاستمتاع بها، والأكل أكثر بكثير أو أقل بكثير من المعتاد، وتوالي الأفكار المخيفة، والشعور بالذنب أو انعدام القيمة ولوم النفس، والتقلبات المزاجية الحادة بما في ذلك التهيج المفرط أو الغضب أو الانفعالات، والحزن والبكاء بلا سبب ظاهري لفترات طويلة جدا، والخوف المُبالغ فيه من الأمومة وترك الطفل وحيدا، وعدم القدرة على النوم أو النوم لفترات طويلة، وعدم الاهتمام بالطفل والأسرة والأصدقاء، وصعوبة التركيز وتذكُّر التفاصيل أو اتخاذ القرارات، وأخيرا والأخطر، أفكار لا يمكن إيقافها حول إيذاء النفس أو الطفل.(5)

 

عادة ما يكون لدى المرأة التي تُعاني من اكتئاب ما بعد الولادة العديد من هذه الأعراض، وقد تتغير الأعراض وشدتها. في النهاية، تتسبَّب هذه الأعراض في شعور الأمهات الجدد بالعزلة أو الذنب أو الخجل. لذلك إذا استمرت هذه العلامات أو الأعراض التحذيرية لأكثر من أسبوعين، أو أصبحت تتطور إلى الأسوأ، فيجب الحصول على مساعدة مُتخصِّصة من طبيب نفسي أو غيره من متخصصي الصحة العقلية. يجب أن يشمل التقييم تقييما نفسيا وتقييما طبيا لاستبعاد المشكلات الجسدية التي قد يكون لها أعراض مشابهة للاكتئاب، مثل مشكلات الغدة الدرقية أو نقص الفيتامينات.

 

آلام لا يلتفت إليها أحد

اكتئاب

تقول نهى.ع، المرأة الثلاثينية لـ "ميدان": "كل ما كُنت أشعر به أنني أكره نفسي، أكره زوجي الذي يُخبرني دوما أن الطفل مسؤوليتي وحدي، ويرفض حتى أن يحمله حتى لا أعتاد على هذا، أشعر بالسوء أيضا تجاه أمي التي كانت تُلِح عليّ لكي أُنجب، وأشعر بسوء بالغ تجاه هذا الطفل الذي لا يكف عن الصراخ ولا يرغب في النوم، كانت المشاعر السلبية تُسيطر عليّ، تشلّ حركتي إلى الحدّ الذي كان يجعلني لا أستطيع إطعام طفلي ولا تنظيفه، كما لا أستطيع حتى أن أنهض لإطعام نفسي، كان زوجي لا يكف عن الصراخ والتطلُّب، البيت غير نظيف، الغداء ليس جاهزا، كنت أتركه لصراخه، وأشعر أنني في مكان أبعد من أن أسمعه".

 

تقول نهى إنها لم تجد الدعم، فاكتفت بالصمت، كبحت مشاعرها التي كانت تصل إلى أعتاب التفكير في الانتحار، تقول عن هذا: "الحقيقة أن هذه الأفكار بدأت منذ نهايات فترة الحمل، كُنت دوما ما أتخيل أنني أُلقي نفسي من النافذة، وكنت أستمتع بتخيُّل شعور الراحة التالي للحظة هذا الفعل، حيث تصمت الأفكار، ويكف تأنيب الضمير، ويتوقف صوت والدة زوجي وإخوته الذين يُخبرونني كلما أتوا لزيارتي ورأوا عدم اهتمامي بنفسي أو بنظافة البيت أن زوجي لن يحتمل هذا كثيرا". لا تدري نهى كيف انتهت هذه الفترة، لكنها تتذكر بوعي شديد كل ما شعرت به خلال هذه الفترة من إحساس بالحزن والألم والوحدة والرغبة في الموت.

 

لا يمكن اعتبار ما تحكي عنه نهى فريدا أو مبالغا فيه، إذ توصلت دراسة جديدة أُجريت في الولايات المُتحدة الأميركية إلى أن محاولات الانتحار أثناء الحمل وبعد الولادة آخذة في الازدياد، حيث تضاعفت ثلاث مرات تقريبا خلال العقد الماضي. يُعتبر الانتحار بالفعل من بين الأسباب الرئيسية للوفيات بين الأمهات الجدد، وتُعتبر أوقات الحمل ومرحلة ما بعد الولادة أوقاتا خطرة تظهر خلالها أعراض الاكتئاب بكثرة.

 

يقول ليندسي أدمون، المؤلف الرئيسي للدراسة، وهو حاصل على درجة الماجستير في الطب، وأخصائي أمراض النساء والتوليد في مستشفى ميشيغان ميديسن فون فويجلاندر، وباحث في معهد جامعة ميشيغان لسياسة الرعاية الصحية والابتكار، إن اكتئاب ما بعد الولادة أزمة صحية عامة تزداد سوءا بسبب الصمت، ويؤكد أن الوفيات الناجمة عن الانتحار هي سبب رئيسي لوفيات الأمهات في الولايات المتحدة. وجد الباحثون أن 2683 من أصل 595,237 أُمًّا تتراوح أعمارهن بين 15-44 عاما في جميع أنحاء الولايات المتحدة لديهن أفكار انتحارية أو أفكار حول إيذاء الذات. وفقا للنتائج، تضاعف انتشار الأفكار الانتحارية أو إيذاء الذات نحو ثلاث مرات لدى النساء أثناء الحمل وبعده بين عامَيْ 2006-2017.(6)

 

صرَّحت كارا زيفين، أستاذة الطب النفسي والتوليد وأمراض النساء بجامعة ميتشيغان، أنها عانت شخصيا من أفكار انتحارية أثناء حملها، وأشارت أيضا إلى أنه قد يكون من الصعب تحديد مُعدلات الانتحار الناتجة عن اكتئاب ما بعد الولادة بدقة، حيث إن إحصاءات وفيات الأمهات التي أبلغت عنها مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) تستبعد الوفيات الناجمة عن الانتحار من خلال إدراجها على أنها عَرَضية.(7)

 

في السياق ذاته، سجَّلت كاتبة على موقع "سي إن إن" حالة انتحار صديقتها في الكلية التي كان الجميع يعلم أنها ستكون أُمًّا عظيمة. كانت الكاتبة تستطيع بسهولة أن ترى مدى شعور صديقتها بالراحة عندما تتفاعل مع الأطفال، كانت لطيفة وواثقة، وتحدَّثت عن مدى حماستها لإنجاب أطفالها، لهذا السبب شعرت الكاتبة بخسارة مدمرة عندما خسرت صديقتها معركتها مع اكتئاب ما بعد الولادة وتوفيت منتحرة.

 

في رسالة كتبتها الصديقة إلى عائلتها قبل وفاتها، قالت إنها حاولت إخبار أحبائها عن صراعها مع اكتئاب ما بعد الولادة لكنها لم تتمكَّن من العثور على الكلمات لشرح عمق معاناتها، وكتبت أن لديها زوجا محبا وداعما، وأنه لا أحد تسبَّب في شعورها بالألم. ذكرت أيضا أنها بعد ولادة ابنها عام 2019، شعرت أنها تغيرت تماما شخصا وزوجة وأختا وابنة وخالة، ولم تفهم كيف لم تستطع حتى ممارسة الطهي أو أي شيء آخر كانت تستمتع بفعله من قبل، لقد طغى عليها قلقها المستمر بشأن المستقبل ولومها الذاتي على أي صعوبات تتعرَّض لها مع ابنها. لقد وصلت إلى حد أنها اعتقدت أنها كانت أُمًّا فاشلة تماما، وكانت خائفة من أن تُسبِّب لطفلها الأذى في المستقبل.(8)

 

بخلاف الانتحار، الذي يُمثِّل أقصى المُضاعفات السيئة لتطور اكتئاب ما بعد الحمل، فيمكن لهذا النوع من الاكتئاب إذا لم يُعالَج أن يؤثر على الرابطة بين الأم ووليدها، وقد يُفضي إلى مشكلات عائلية. بالنسبة إلى الأمهات، قد يستمر اكتئاب ما بعد الولادة لمدة شهور أو أكثر، وأحيانا قد يصير اضطرابا اكتئابيا مزمنا. وحتى بعد الشفاء منه، قد يزيد اكتئاب ما بعد الولادة من احتمالية تعرُّض الأمهات اللائي أُصبن به لنوبات من الاكتئاب الشديد في المستقبل.

 

أما بالنسبة إلى الأطفال، فإن أطفال الأمهات اللائي أُصبن باكتئاب ما بعد الولادة، ولم يُعالَجن، يكونون أكثر عُرضة للمشكلات العاطفية والسلوكية؛ مثل صعوبات النوم والتغذية، والإفراط في البكاء، وتأخُّر نمو اللغة.(9)

 

ضغوط المجتمع

"لم أكن أستطيع حتى النظر إليه، عندما ألقوا به على صدري، كنت أشعر أنه جبل أريد أن أزيحه عنّي كي أستطيع التنفس، أنا لا أكره الأطفال، كُنت أحبهم جدا، وأحب قضاء الوقت معهم، وأجد نفسي سمحة صافية عند التعامل معهم، ماذا أصابني بعد ولادة طفلي الأول؟! لا أدري، كُنت أفكر في تركه في المستشفى، لقد دخلت هنا وحدي، أريد أن أرحل وحدي، وفي الوقت نفسه، كنت أُنكر على نفسي أفكاري هذه، ولا أدري أي تفسير لما يحدث لي"، هكذا بدأت سحر.س، اسم مُستعار، المرأة الثلاثينية، حديثها مع "ميدان".

 

تزوَّجت سحر في السابعة والعشرين من عُمرها، قضت سنوات طويلة في حالة اشتياق دائمة لأطفالها، حتى قبل أن تتزوج، كانت تنتظر الرجل المُناسب ليكون أبا جيدا لأطفالها قبل أن يكون زوجا مناسبا لها، وحينما أوشكت على رؤية طفلها أخيرا شعرت بمشاعر ثقيلة وقاسية، بدأت خلال الحمل، حزن طويل، ورغبة دائمة في البكاء، مع عدم القدرة على فعل شيء.

 

تقول سحر: "بعد الولادة، كنت غائبة تماما في رأسي، لا أستطيع أن أنفض هذه المشاعر الثقيلة عن جسدي لأتمكَّن من النهوض والاعتناء بطفلي، كنت أرغب فقط في النوم، لا أريد التعامل مع أحد وأولهم الطفل، كُنت أستمع إلى تعليقات غاية في الثقل بأنني لا أحمد الله على عطيته. لم أكن أُطيق أو أحتمل أن يُخبرني أحدهم أنني أم سيئة، وقد كان جميع المُحيطين حتى صديقاتي المُقربات يفعلن ذلك بكل إصرار".

 

حينما صارحت سحر زوجها أنها تُفكر في التخلُّص من حياتها شعر بالخطر، خاصة أنه كان يلاحظ تدهور حالتها النفسية خلال الفترة الأخيرة من الحمل وما بعد الولادة، قرَّر اللجوء إلى طبيب نفسي لكي يُساعد زوجته، تقول سحر: "الفهم حقا يصنع فارقا، مُجرد علمي بأنني لست أُمًّا سيئة وأنني لا أكره طفلي أحدث فارقا معي، بالانتظام في حضور جلسات الطبيب وتنفيذ تعليماته تحسَّن الأمر كثيرا".

 

في الأغلب، لا تسير حالات النساء اللاتي يُعانين من اكتئاب ما بعد الحمل بشكل نموذجي، من اللجوء إلى مُتخصص والحصول على علاج، كما سار الأمر مع سحر، أغلب النساء يكتمن ما يشعرن به لإدراكهن ألا أحد سيفهم ما يشعرن به، لأنهن أنفسهن لا يفهمن سببا لمشاعرهن أو تفسيرا لأفكارهن، فيكتفين بالصمت والكتمان قدر المستطاع.

 

قد يصل عدم فهم الحالة التي تمر بها الزوجة إلى حدِّ تخلي الزوج عنها تماما، ففي شهر أغسطس/آب الماضي، أقامت ربة منزل أمام محكمة الأسرة في مصر دعوى ضد طليقها تطلب نفقة لطفليها، بعد أن طلقها زوجها لعدم تحمُّله ظروفها المرضية. قالت ربة المنزل إنها بعد إنجابها طفليها التوأم أُصيبت بحالة نفسية سيئة لمُدّة طويلة، لدرجة أنها لم تستطع تحمُّل مسؤوليتهما، وكانت والدتها مُقيمة لديها لفترة تجاوزت العام، مما جعل زوجها يغضب من ذلك، فترك مسكن الزوجية وأقام عند والدته دون سبب.

 

تابعت المرأة وفقا لما نشرته صحيفة "المصري اليوم": "ظلت والدتي تساندني في محنتي، حتى أتخطى المرحلة المرضية التي أمر بها منذ ولادة طفلي، وحاول الأقارب التدخل لإعادة زوجي إلى المنزل لكنه رفض، ونتج عن ذلك تدهور حالتي النفسية أكثر، التي وصلت إلى الاكتئاب الحاد ومحاولة الانتحار، وعندما علم زوجي بهذه الظروف التي أمر بها زاد غضبه وقال: (أنا ذنبي إيه اتجوزت واحدة مجنونة)، ولم يحاول الوقوف معي في محنتي وفوجئت به يُطلقني غيابيا ويرفض الإنفاق على طفليه".

 

حينما حضر الزوج أمام المحكمة خلال نظرها الدعوى قال إنه تزوج مجددا منذ شهور، وأنفق كل الأموال التي معه على تكاليف الزيجة الثانية، وإن طليقته هي سبب الانفصال، فهي تدَّعي المرض وتستعين بوالدتها للإقامة معهما، وإنه لم يستطع العيش بحرية، مُنهيا حديثه أمام المحكمة بقوله: "أنا اتظلمت في الجوازة الأولى".(10)

 

تعليقا على ذلك، تقول فيفيان.ع، طبيبة نفسية، لـ "ميدان": "كثيرا ما تواجه النساء حالة اكتئاب ما بعد الولادة دون أن تُدرك اسم الحالة أو سببها وكيفية التعامل معها. عدم الوعي يسلبهن القدرة على التعامل الفعّال مع الحالة لحين انتهائها، والأكثر صعوبة هي الاتهامات التي يضعها المجتمع على كاهلهن، مما يُزيد من حِدَّة وثقل ما يشعرن به".

 

تُضيف فيفيان: "رغم أن أهم ما تحتاج إليه المرأة خلال هذه الفترة للتغلُّب على هذه المشاعر هو الدعم غير المشروط، خاصة من الزوج، فأول ما يُطمئنها أن هذا الطفل ليس مسؤوليتها بمفردها، وأن لديه أبا مُشاركا ومُحبا لها وله، تحتاج إلى أن تجد مَن يقوم عنها بمسؤولياتها تجاه طفلها، ورُبما تجاه نفسها، لحين عبور هذه الفترة، لكن ما يحدث في الأغلب أنهن يجدن أنفسهن واقفات على أعتاب التفكير في الانتحار وحيدات، دون حتى أن يملكن إمكانية التحدث مع أحد حول أفكارهن".

 

تُشير الأبحاث إلى أن التغيرات السريعة في هرمونات الجنس والتوتر ومستويات هرمون الغدة الدرقية أثناء الحمل وبعد الولادة لها تأثير قوي على الحالة المزاجية، وقد تُساهم في حدوث اكتئاب ما بعد الولادة، فقد يسهم الانخفاض الكبير في هرمونَيْ الإستروجين والبروجستيرون في الجسم في الإصابة بالاكتئاب، وكذلك يمكن أن تنخفض بعض الهرمونات التي تُفرزها الغدة الدرقية بدرجة كبيرة أيضا، مما يجعل المرأة تشعر بالتعب والكسل والاكتئاب.

 

هذا بالإضافة إلى المشكلات النفسية التي قد تحدث بسبب الحرمان من النوم وكثرة المهام المرهقة للغاية، والتغيرات في الصورة الذاتية، مثل أن تشعر المرأة أنها أصبحت أقل جاذبية أو تشعر أنها فقدت السيطرة على حياتها، هذا بخلاف القلق حول القدرة على رعاية المولود الجديد، ناهيك بالعوامل الخارجية الأخرى التي قد تشمل التغيرات في العلاقات والعمل.

 

تتعرَّض النساء لخطر متزايد من الاكتئاب أثناء الحمل أو بعده إذا سبق لهن المعاناة أو كان لهن تاريخ عائلي من الاكتئاب أو الاضطرابات المزاجية الأخرى، أو إذا كن يُعانين من أحداث حياتية مرهقة خاصة بالإضافة إلى الحمل، أو إذا لم يكن لديهن دعم من العائلة والأصدقاء.(2)

 

تزداد خطورة اكتئاب ما بعد الحمل كذلك إذا عانت المرأة من أحداث مرهقة خلال العام الماضي، مثل مضاعفات الحمل أو المرض أو فقدان العمل، أو إذا كان الطفل يعاني من مشكلات صحية أو احتياجات خاصة أخرى، وكذلك في حالات التوائم، وحال وجود صعوبة في الرضاعة الطبيعية، أو إذا كانت الأم تواجه مشكلة مع شريك حياتها أو نوعا من المشكلات المادية.(9)

 

كيف نتعامل معه؟

اكتئاب بعد الولادةكما سبق الذكر، قد تُعاني العديد من النساء في صمت، ويتجاهلن ألمهن باعتباره جزءا طبيعيا من الحمل والولادة دون التفكير في طلب الرعاية. وهنا يجب أن نذكر أن علاج الاكتئاب أثناء الحمل وبعد الولادة أمر ضروري، حيث يمكن أن يؤدي زيادة الوعي والفهم إلى نتائج أفضل للنساء وأطفالهن.

 

مثل الأنواع الأخرى من الاكتئاب، يمكن السيطرة على اكتئاب ما بعد الولادة من خلال ما يُعرف بالعلاج السلوكي المعرفي، الذي يساعد الأشخاص على إدارة الأفكار السلبية ويدعم السلوكيات الإيجابية، هذا بالإضافة إلى الأدوية المناسبة التي يُحدِّدها الطبيب، وبذل الجهد لتغيير نمط الحياة، والاستعانة ببيئة داعمة أو مزيج من هذه الأشياء.

 

في هذا السياق، توصي إرشادات الجمعية الأميركية لعلم النفس بعلاج النساء المُصابات باضطراب اكتئابي من الحوامل أو المرضعات بدون دواء علاجا أوليا عندما يكون الاكتئاب أو القلق خفيفا، أما بالنسبة للنساء المُصابات باكتئاب أو قلق متوسط ​​أو شديد، فيجب اعتبار الأدوية المضادة للاكتئاب علاجا أوليا.(11)

 

مع الحصول على العلاج المناسب، تجد معظم الأمهات الجدد الراحة من أعراضهن. وعلى النساء اللواتي يُعالَجن من اكتئاب ما بعد الولادة مواصلة العلاج حتى بعد أن يشعرن بالتحسن، لأنه إذا أُوقف العلاج في غير الوقت المُقرر فقد تتكرر الأعراض.

 

أيضا عند التعامل مع اكتئاب ما بعد الولادة يمكن أن يكون دعم العائلة والأصدقاء، والانضمام إلى مجموعة دعم للأم، والتغذية الجيدة وممارسة التمرينات الرياضية بانتظام، أمورا مفيدة في التعامل مع الحالة. تشمل الاقتراحات الأخرى للمساعدة في التعامل مع اكتئاب ما بعد الولادة الراحة قدر المستطاع، والنوم عندما ينام الطفل، بالإضافة إلى تخصيص وقت للخروج والترفيه أو زيارة الأصدقاء.(2) كذلك، يجب تدريب الأم على أن تكون واقعية بشأن توقُّعاتها من نفسها وطفلها، وأن تدرك أن بعض الأيام ستكون جيدة وبعضها الآخر سيكون سيئا.(12)

 

وختاما، نوجِّه هذه الرسالة إلى كل أم: إذا كان لديكِ تاريخ سابق للإصابة بالاكتئاب، لا سيما اكتئاب ما بعد الولادة، فأخبري طبيبكِ عندما تخططين للحمل أو في أقرب وقت تعرفين فيه أنكِ حامل. خلال الحمل، يمكن لطبيبكِ مراقبتكِ من كثب لملاحظة ظهور أي علامات أو أعراض للاكتئاب، وقد يجعلكِ الطبيب تُكملين استبانة فحص الاكتئاب خلال حملكِ أو بعد الولادة.

 

بعد ولادة طفلكِ، قد يُوصي طبيبكِ بإجراء فحص مبكر بعد الولادة للبحث عن أعراض وعلامات الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة، وكلما اكتُشِف مبكرا، أمكن بدء العلاج مبكرا. إذا كان لديكِ تاريخ للإصابة باكتئاب ما بعد الولادة، فقد يوصي طبيبكِ بتناول أدوية مضادة للاكتئاب أو الخضوع للعلاج النفسي فورا بعد الولادة.(9)

————————————————————————-

المصادر

  1. Woman who committed suicide with newborn daughter suffered from postpartum depression: Coroner
  2. What Is Postpartum Depression?
  3. Incidence of maternal and paternal depression in primary care: a cohort study using a primary care database
  4. What is postpartum depression & anxiety?
  5. Onset Timing, Thoughts of Self-harm, and Diagnoses in Postpartum Women With Screen-Positive Depression Findings
  6. Trends in Suicidality 1 Year Before and After Birth Among Commercially Insured Childbearing Individuals in the United States, 2006-2017
  7. Pregnancy and Postpartum Suicide Risk: The New Numbers
  8. Postpartum depression: A family hopes their loss will help others
  9. New Recommendations May Help Prevent Depression in New Mothers
  10. موظف يرفض دفع نفقة لطفليه
  11. Treating Major Depressive
  12. Everything You Need to Know About Postpartum Depression
المصدر : الجزيرة