غزو الروبوتات.. كيف يسيطر المؤثرون الرقميون على الإنترنت؟

رعاية من شركات رفيعة المستوى مثل سامسونغ وكالفن كلاين، متابعون على إنستغرام يقترب عددهم من 3 ملايين بعد حصول الحساب على شهرة هائلة في السنة الأولى من إنشائه، جلسات التصوير والتعاون مع المشاهير والمؤثرين عبر الإنترنت، بالإضافة إلى صفقات قياسية وألبومات غنائية جمعت عدة ملايين، وموضع في قائمة المؤثرين الـ25 الأبرز على الإنترنت حسب مجلة تايمز (1). عند قراءة هذه الإنجازات، قد يفترض المرء أنها تنتمي إلى أحد المغنين المشهورين أو لفنان صاعد، لكن المفاجأة أننا نتحدَّث هنا عن شخصية خيالية أُنشِئت بواسطة الحاسوب.

 

صورة للروبوت ميكيلا على إنستغرام 

حسنا، إذا كنت مستخدما نشطا لتطبيق إنستغرام، فعلى الأغلب صادفت إعلانا لحساب الشخصية التي سنتكلَّم عنها اليوم، شابة ذات ملامح أفريقية أو ربما أميركية جنوبية لا تبدو طبيعية بالكامل، يمكنك أن تعزو ذلك للفلتر الذي تستخدمه ويجعل ملامحها تبدو غير بشرية بسبب اتساقها الكامل، لكن هذا ليس أحد الفلاتر، إنه وجهها الحقيقي. ظهرت ليل ميكيلا أو ميكيلا سوزا (اسمها الكامل) على إنستغرام في عام 2016، ولم تبطئ في صعودها إلى النجومية منذ ذلك الحين.

 

ميكيلا هي شخصية أُنشِئت بواسطة تريفور ماكفيدريز، الذي كان يعمل سابقا لاعبا للموسيقى المسجلة "DJ" للعديد من الفنانين مثل المغنية الأميركية "كيشا"، بجانب سارا ديكو، اللذين أسَّسا معا شركة "برود" (Brud)، وهي شركة تقنية ناشئة تُقدِّم العديد من الشخصيات الافتراضية المُنشأة بالذكاء الاصطناعي (2). بدأ المشروع في عام 2016 ملفا شخصيا على إنستغرام (3) يُقدِّم سردا خياليا لميكيلا بوصفها شخصية افتراضية (computer generated image) لديها القدرة على إنشاء محتوى مرئي ثابت أو متحرك باستخدام برامج الحاسوب، والتفاعل مع الجمهور والمعجبين (4).

غالبا ما يختار مُصمِّمو هذه الشخصيات "الروبوتات" الطريقة التي يلبسون ويتصرَّفون بها، كما أنهم يُقرِّرون مع مَن تتسكَّع تلك الروبوتات ومع مَن تتواعد أو تتعاون، والأفضل من ذلك كله أنهم يحصلون على الأموال التي يكسبها هؤلاء المؤثرون الآليون من الإعلانات والنمو الذي تُحقِّقه علاماتهم التجارية.

 

يمكن للروبوت بالطبع أن ينشر على إنستغرام أو تويتر، رغم أنها تظل تجربة عجيبة، لكن عندما يبدأ الروبوت بالنشر على يوتيوب يتخذ الأمر منحى مختلفا، لأن هناك رابطا ينشأ ما بين مشاهدي يوتيوب وبين الشخص المؤثر (الإنفلونسر)، رابط يشبه الصداقة أو ربما أعمق، تظهر ميكيلا الروبوت في أحد الفيديوهات على قناتها على يوتيوب قائلة: "أريد أن أشعر بالحميمية مع أشخاص ليسوا من عائلتي". لعلك بدأت بالإحساس أنك في حلقة جديدة من مسلسل بلاك ميرور.

 

أهلا بك في الوادي العجيب

ظهرت ميكيلا في دعايات المنتجات لأزياء العلامات التجارية الفاخرة مثل كالفن كلاين وبرادا. بحلول إبريل/نيسان 2018، كان الحساب قد جمع أكثر من مليون متابع، واعتبارا من مارس/آذار 2021، أصبح لديه أكثر من 3 ملايين متابع. في التعليقات على منشوراتها في إنستغرام في الفترة من 2016 إلى 2020 ظهرت الاستفسارات المستمرة حول هويتها، قد ترى على سبيل المثال: "أنتِ روبوت؟"، أو"هل أنت حقا روبوت أم ماذا؟ أنا في حيرة من أمري"، وهي تعبيرات ترد عليها ميكيلا كثيرا برمز تعبيري (إيموجي) لروبوت وقلب 🤖❤️.

هذه الحيرة لها اسم ويُدعى "الوادي الغريب" أو الوادي العجيب، وهو يصف التحوُّل النفسي الحاصل للبشر عند رؤيتهم الروبوتات التي تشبه الإنسان، إذ يكون شعور البشر حيال الروبوتات التي تحاكي تصرفاتنا مفعما بالقبول، إلى أن يصل الشبه إلى عتبة معينة، ومن بعدها ينقلب التعاطف إلى نفور واشمئزاز لدرجة الخوف والبكاء، خصوصا عند صغار السن. ظهر المصطلح لأول مرة عقب تمثيل هذه المشاعر بمنحنى بياني على يد عالِم الروبوتية الياباني "ماساهيرو موري"، الذي أرجع تفسير هذه الظاهرة إلى أن البشر لا ينسجمون مع الروبوتات التي تبدو بشرية وتنبض فيها الحياة لأنهم يرون فيها غزوا يُهدِّد تميُّزهم وتفرُّدهم (5).

 

ميكيلا باعتبارها "روبوتا يبحث عن التغيير" تضع الرسائل بطريقة مقنعة، وتبني علاقات لها وللعلامة التجارية التي تُمثِّلها من خلال الضغط على النقاط المشتركة للفئة العمرية التي تنتمي إليها (تعتبر من الجيل "Gen Z"، وهو الجيل الذي يلي جيل الألفية من مواليد منتصف عقد التسعينيات إلى منتصف عقد الألفين)، تُقدِّم ميكيلا صورا للخوف والانبهار وتجارب غير مألوفة، لكنها تصبح قريبة من خلال السرد القصصي. نجحت القصص في إرضاء وتشييد قاعدتها الجماهيرية نوعا ما، وهي ممارسة يصعب تحقيقها من قِبَل المؤثرين البشريين في سعيهم المستمر للحصول على الدعم والاندماج مع الجماهير.

سر نجاح ميكيلا وخروجها من نفق "الوادي العجيب" الضيق هو تركيز مؤسسيها على أن تستخدم هوية الروبوت ثم هويتها البشرية بالتناوب، مانعين أنفسهم من الانزلاق إلى منحدر قد يؤدي إلى خوف الجماهير ونفورهم منها. قالت ميكيلا في مقابلة إنها "بُرمجت من قِبَل مبدعيها الذين لديهم كل المعرفة بثقافة البوب ​​لتكون فنانة موسيقية"، ولم تُعرِّف نفسها بوصفها فنانة موسيقية، بل صرَّحت أن "مبدعيها" هم مَن برمجوها لتصبح كذلك.

 

يبدو إذن أن شركة "برود" حريصة على ترك بعض السمات واللغة الشبيهة بالروبوت لشخصيتها لتجنُّب التأثيرات السلبية. على جانب آخر، تُدرِك الشركة أن المتابعين والجمهور غالبا ما ينظرون إلى الشخصيات الإعلامية باعتبارهم أصدقاء، على الرغم من عدم وجود تفاعل أو التفاعل معهم بشكل محدود. نحن إذن في حالة تتبادل فيها ميكيلا الإنسان موضعها مع ميكيلا الروبوت بحرفية شديدة.

 

المزيفون الناجحون

جرت العادة أن تُردِّد الأمهات عبارات مثل "جيل آخر زمن" كلما جدَّ جديد على سلوكيات أطفالهن، وبالأخص فيما يتعلَّق بالكلمات المستجدة على اللغة، ويُثار قلقهن خاصة إذا كانت هذه العبارات ذات طابع جنسي. في هذا السياق، تتميز أغلب سرديات المؤثرين الافتراضيين بهذا النوع من عبارات "جيل آخر الزمن" التي تخشاها الأمهات، هذه السرديات ينساق وراءها أجيال ما بعد جيل الألفية (Gen Z)، تستخدم ميكيلا ألفاظا جنسية تتداخل مع لهجة "ما بعد ألفية" جذابة، في كلمات أغانيها وفي منشوراتها على إنستغرام، وقد سمح لها أسلوبها العجيب في عالم الموضة وقصّ القصص عبر وسائل التواصل ببناء قاعدة جماهيرية قوية وعلاقات عملاء نافذين (6).

 

إستراتيجيات التواصل التي تستخدمها ميكيلا ورفاقها الروبوتيون هي إستراتيجيات محسوبة وتعتمد على الحقائق، ورغم ذلك فإنهم ليسوا أشخاصا حقيقيين تماما ولا مزيفين بشكل كامل، إنهم مثال حي للتعبير المتداول حديثا: "الزيف الصادق" الذي يمكن أن يُعَدَّ المفهوم البديل للأصالة في القرن الحادي والعشرين. فسَّرت أستاذة الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة لندن، سارة بانيت وايزر، هذا الأمر بأنه في الثقافة الاستهلاكية المعاصرة يكاد ينعدم الفصل بين الذات الأصيلة (حيث توجد المعتقدات الداخلية والإبداع) وبين الذات المُصنَّعة أو المبنية. هذا الخط الضبابي الفاصل بين الحقيقي والظاهر بات "متوقَّعا ومسموحا به" (7).

أغنية للروبوت ميكيلا

على المنوال نفسه، جادل تاما ليفر، أستاذ علوم الإنترنت بجامعة كيرتن في بيرث، أستراليا الغربية، بأن الأصالة أصبحت "ممارسة مرحلية"، خاصة على إنستغرام، حيث اختفت العفوية لدى المحترفين ومنتجي المحتوى الذين لم يعودوا حقيقيين (8). في تعريفه لـ "المؤثرين الافتراضيين"، أشار ليفر إلى أنهم تلك الشخصيات التي "ليس لها شكل مادي على الإطلاق، ولكن يتم إنشاؤها وصنعها وخلق سرديات لها وإدارتها بهدف الترويج لعلامة تجارية معينة وتمرير رسائل بعينها".

 

لذلك فإن المؤثرين الافتراضيين، مثل ميكيلا، لديهم غالبا شخصية مزدوجة؛ ففي حين أنهم وكلاء تسويق "يبيعون" المنتجات بشكل مباشر أو غير مباشر، فهم أيضا ممارسون للعلاقات العامة ويروجون ويدعون ويديرون الرسائل والعلاقات. أشار تقرير الإنفلونسر لعام 2019 (9) إلى أن 72% من الجيل (Z) وجيل الألفية يتابعون المؤثرين، مدفوعين أساسا بالإلهام والطموح والتلصُّص والاتجاهات الجديدة والمحتوى الممتع المثير للاهتمام، ورغم الاحتكاك الكبير والمبكر لهذه الأجيال بالإنترنت، تُشير دراسة إلى أن 42% من هذه الفئة الشابة "لم يتمكَّنوا من تحديد المؤثرين المزيفين" (10).

 

هل سيحلون محل البشر؟

يُمكِّن الذكاء الاصطناعي الشركات من صنع "شخصيات دقيقة" للترويج لمنتجاتها، لأنها تعرَّفت سابقا على اهتمامات جمهورها، ولأن المستهلك الرئيسي في المستقبل (11) ربما يكون من الجيل (Z) أو الأجيال التي تتبعه (أقل من 12 عاما)، لذا، يوفر استخدام المؤثرين الرقميين قدرا من الجاذبية والإشباع المُستمدين من الانغماس في عوالمهم السردية المبتكرة، والباعثة على الحيوية، التي عادة ما تؤثر في هذه الفئة العمرية. هذه هي أكبر ميزة لاستخدام المؤثرين الافتراضيين عوضا عن البشريين.

 

يوفر المؤثرون الافتراضيون أيضا ميزة أخرى للشركات التي تستخدمهم: لا يمكن مقاضاة الشركة بسبب حقوق ملكية أو استخدام وجوه المؤثرين الافتراضيين، كما أن الأشخاص الذين يتحكَّمون بهم ليسوا مطالبين بالكشف عن وجودهم. الأمر يبدو مريبا، أليس كذلك؟ لكنه لم يُترك للعبث، أقرَّت لجنة التجارة الفيدرالية في بيان بأنها "لم تتناول بعد استخدام المؤثرين الافتراضيين على وجه التحديد"، لكنها قالت إن الشركات التي تستخدم الشخصيات للإعلان يجب أن تضمن أن "أي ادعاءات يُبلَّغ عنها حول المنتج صحيحة وليست مُضلِّلة". (12)

 

الميزة الأخرى التي تبدو فوق قدرات البشر بالفعل هي أن المؤثر الافتراضي لا يشيخ، إلا إذا أراد صانعوه ذلك. لامت ميكيلا في "قصة" (ستوري) عبر إنستغرام مبدعيها على جعلها عالقة في سن التاسعة عشرة، قد تكون روبوتا، لكن ميكيلا متطورة بما يكفي لتعرف ما تريد، ولا تريد أن تظل كائنا ساكنا لا يكبر أبدا.

يبني مشاهير الوسائط الرقمية عالمهم بحرفية، يختزلون أنفسهم في صورهم المفعمة بالحيوية وتعليقاتهم التوضيحية والأغاني ومقاطع الفيديو التي يصنعونها أو يحبونها، ويُقدِّمون تصورات منسقة ومثالية عن أنفسهم، من ثم يستهلك المتابعون هذه التجارب المدروسة باعتبارها مصادر للإلهام الحقيقي، لكن يمكن لهذا كله الآن أن يحدث بدون أية حاجة إلى هؤلاء المؤثرين البشريين.

 

ينمو الخوف من الأتمتة والذكاء الاصطناعي والروبوتات التي تأخذ الوظائف جنبا إلى جنب مع التحديث السريع لمجموعة متنوعة من الصناعات. ومع ظهور صناعة المؤثر الافتراضي ونموها، يواجه المؤثرون والفنانون والممثلون وعارضو الأزياء خوفا جديدا، في مرحلة ما سيتخطى الأمر حاجز وسائل التواصل إلى التلفزيون. في السنوات القليلة المقبلة قد تبدأ هوليوود في تجربة اختيار المؤثرين الافتراضيين في أدوار رئيسية، والاستفادة من الإستراتيجيات الفعالة والجاهزة للاستخدام في شخصيات خيالية مثل "سبايدرمان" و"أفينجزر" وغيرها. بمرور الوقت، ومع نجاح التجربة، قد يمتلك بعض الأفراد أشباها رقميين بوصفهم مؤثرين افتراضيين، كأن يكون توم كروز الحقيقي موجودا في الواقع لكن النسخة الروبوتية منه تؤدي أفلاما جديدة، أو لربما تكمل سلسلة "مهمة مستحيلة" (mission impossible) بما أنها لا تشيخ، إنها مسألة وقت فحسب.

———————————————————————–

المصادر

  1. The 25 Most Influential People on the Internet
  2. Miquela Sousa has over 1 million followers on Instagram and was recently hacked by a Trump troll. But she isn’t real.
  3. The Making of a Computer-Generated Influencer
  4. Lil Miquela: Instagram’s Latest ‘It’ Model Who’s Confusing The Hell Out Of Everyone
  5. The Uncanny Valley [From the Field]
  6. Discordant storytelling, ‘honest fakery’, identity peddling: How uncanny CGI characters are jamming public relations and influencer practices
  7. Banet-Weiser S (2012) AuthenticTM: The Politics of Ambivalence in a Brand Culture, vol. 30. New York, NY: New York University Press, page 13
  8. Instagram: Visual Social Media Cultures
  9. The Influencer Report 2019: Survey Findings, Trends, and Forecasts
  10. 42% of Gen Zers and Millennials Couldn’t Spot a CGI Influencer
  11. Meet Lil Miquela, the Instagram star created by CGI
  12. miquela virtual influencer
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

على الرغم من البساطة التي يبدو عليها، يمكن اعتبار موضوع لقطات الشاشة (Screenshots) أقرب ما يكون لكارثة رقمية معاصرة تُسهم بحالة الفوضى الرقمية التي نعيشها الآن.. فهل يمكن للقطات الشاشة أن تدمر حياتنا؟

20/8/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة