هل نستخدم 10% فقط من أدمغتنا؟ إليك أشهر 10 خرافات حول علم النفس والعقل البشري

مقدمة الترجمة

علم النفس الشعبي هو الأخطر على الإطلاق لسببين رئيسين؛ الأول أنه أكبر مصدر ممكن للخرافات المُقدَّمة على أنها "علمية" -وبالتالي مقنعة ومقبولة- في حياتنا، والثاني أن تلك الخرافات قد تكون سببا أساسيا في سلوكيات ضارة، لحياتنا أو حياة مَن نحب، خُذ مثلا الخرافة التي تقول إن هناك أنماطا محددة للتعلُّم، ماذا لو طبَّقناها على أطفالنا وفشلوا؟ خُذ الخرافة التي تقول إن طفلك الأول أذكى وأكثر تحمُّلا للمسؤولية، ألا يضر ذلك طفلك الثاني؟ إذا اقتنعت أن هناك خمس مراحل للحزن، ألن تشعر بالقلق وأن هناك شيئا ما "خاطئ" إذا لم يحدث ذلك معك؟ دائما ما نقول إذا أردت أن تتعلَّم عن علم النفس فإن أفضل شيء أن تبدأ بالخرافات الشائعة في علم النفس الشعبي، لأنها بداية ستُعلِّمك أن كل ما تسمع أنه مُتعلِّق بعلم النفس لا علاقة له بعلم النفس من قريب أو بعيد!

 

نص الترجمة

تنتشر الخرافات بأشكال متعددة، والمشكلة أن بعض هذه المفاهيم خاطئ تماما، فلا يوجد دليل مثلا على أن البشر يستخدمون 10% فقط من أدمغتهم، لكن في الوقت نفسه توجد بعض المفاهيم الخاطئة التي تحمل جزءا ضئيلا جدا من الحقيقة منتشرة حتى بين الخبراء على نطاق واسع. تلقى بعض هذه الخرافات رواجا وتجذب الكثير من الانتباه، وهذا لأنها تُقدِّم حلولا مُفصَّلة، وتتحدَّث بتوسُّع في أمور مصيرية، وإحدى أكثر الخرافات شيوعا هي الترويج لعدد ساعات مهول من التدريب يصل إلى 10.000 ساعة باعتبارها وسيلة لا غنى عنها في اكتساب الخبرة.

 

المشكلة أن الكثير من المفاهيم الخاطئة تُقسِّم الناس إلى فئات منفصلة وتمنحهم مزايا مزيفة تتناقض مع تعقيد العقل البشري، ناهيك بالخرافات التي يتخذها البعض دروعا واقية ضد طبيعة العالم غير العادلة، ومنها تساؤلهم حول ما سيحدث لو تمتع الجميع بذكاء متعدد وتفوَّقوا في شيء ما، ألن يصبح العالم أكثر عدلا يا تُرى؟ من أجل ذلك، حان الوقت للتعامل مع هذه الخرافات وحل هذه المشكلات، ورؤية الصورة الحقيقة للعقل البشري والعالم حولنا، لذا إليك أشهر هذه الخرافات:

 

ترتيب الطفل بين إخوته يؤثر على شخصيته

لا تعتمد شخصية الفرد على ترتيبه بين إخوته، لأن ترتيبه بصفته المولود الأول أو الأخير أو حتى الطفل الوحيد لن يُشكِّل فارقا. بالتأكيد سمعت ذات يوم في مدرستك الابتدائية عن هذه الخرافة التي تؤكِّد أن الأطفال الأبكار يصبحون مع الوقت بالغين ذوي إرادة قوية ومسيطرين، نظرا لأن مسؤولية مساعدة الوالدين تُلقَى على عاتقهم عند ولادة الأشقاء الأصغر سِنًّا، يكبر الطفل الأول ليصبح الأكثر وعيا بين إخوته بينما يتمتع الشقيق الأصغر بروح جريئة أكثر لخوض التجارب، بالإضافة إلى كونه أقل امتثالا وإذعانا للأوامر التقليدية. هذه واحدة من أفكار علماء النفس الذين اعتقدوا أن ترتيب الأطفال في الأسرة يؤثر دائما على هُويتهم.

 

إن نظرتْ بدقة إلى هذه الفرضيات، فلن تجد ما يُثبت صحتها، إذ أشار استقصاء نُشر في 2019 إلى عدم وجود أي دليل يدعم فرضية التأثير الناجم عن ترتيب المواليد في الأسرة. في عام 2015، حلَّل علماء النفس الألمان بيانات من آلاف الأشخاص في الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، والمفاجأة أنهم لم يجدوا أي علاقة مثيرة للانتباه تربط بين ترتيب المواليد وتمتُّعهم بصفات مثل التوافق أو الوعي أو الخيال.

 

خلال دراسة أخرى في العام نفسه، توصَّلت الدكتورة روديكا داميان، أستاذة مساعدة في علم النفس الاجتماعي بجامعة هيوستن بالولايات المتحدة، بالتعاون مع برنت روبرتس، وهو أستاذ علم النفس بجامعة إلينوي الأميركية، إلى وجود علاقات طفيفة جدا بين ترتيب المواليد وشخصية الفرد، لكنها تتناقض مع النظريات السابقة (التي تنص على أن المولود الأصغر لا يحظى بالقبول نفسه الذي يتمتع به أخوه الأكبر).

يرى روبرتس أنه قد يبدو بديهيا أن يلعب الترتيب دورا في تشكيل شخصية المرء، فيقول: "أعلم أنه من الصعب جدا، بل ومن الغريب التخلي بسهولة عن إيمانك القوي بأن الطفل الثالث مُتمرِّد بطبعه، بينما الطفل الأكبر هو شخص مسؤول يعتني بباقي إخوته". لكنك قد تتفاجأ بأن الأمور لا تسير على هذا النحو، لأن الوصول إلى الحقيقة يتطلَّب أن تنتبه إلى حجم الشبه بينهما وهما في العمر نفسه، بمعنى أن الطفل الأصغر سِنًّا قد يبدو أكثر تمرُّدا اليوم، لكنه قد يهدأ حينما يبلغ عمر أخيه الأكبر نفسه بعد عدة سنوات.

 

تُشير إحدى النتائج المُتعلِّقة بترتيب المواليد وتبدو حقيقية إلى أن الطفل البكر يتمتع بمعدل ذكاء أعلى قليلا، إذ توصَّل الفريق الألماني من علماء النفس إلى أن الطفل الأول يتمتع بزيادة طفيفة في معدل ذكائه بمقدار 1.5 نقطة عن باقي إخوته، واعتمدوا في نتائجهم على ما وصلهم من بلاغات من العائلات تؤكِّد ذلك. لكن السبب في أن هذه النتائج قد تكون غير واضحة إلى الآن، وربما غير مُعترَف بها عالميا، هو أن دراسة إندونيسية حديثة لم تتوصَّل إلى أي علاقة تربط بين ترتيب المواليد ومعدل الذكاء.

 

المراحل الخمسة للحزن

لا يُعبِّر الناس عن الحزن بطريقة يمكن التنبؤ بها، فالمراحل الخمس التي تبدأ بالإنكار، ثم الغضب، ومن بعدها المساومة، ثم الغرق في الاكتئاب، وفي النهاية التقبُّل، هي مجرد خرافة أخرى. ربما يتصوَّر مَن سمع عن هذه المراحل أنها تُمثِّل خارطة طريق للتعامل مع الموت باعتبار أن مفهوم المراحل الخمس يفترض أن أولئك الذين يتعاملون مع الموت يكافِحون في البداية من أجل التعامل مع هذه الفكرة، لكن سرعان ما يسيطر عليهم الغضب في المرحلة التالية، وحينما لا يأتي الغضب بنتيجة، يتوسلون إلى الله لمنع هذا الموت ويغرقون في حزن كامل، وفي النهاية لا يبقى أمامهم سوى التعايش مع الخسارة أو الفقد.

 

لا يخضع الحزن في حقيقة الأمر إلى نظام صارم لهذا الحد، حتى إن طبيبة النفس السويدية إليزابيث كوبلير روس التي استخدمتْ هذا المصطلح لأول مرة في كتابها "عن الحزن والوفاة"، لوصف كيف يترقَّب المرضى الميؤوس من حالتهم والمقرَّبون منهم خبر الموت، أعلنت في كتاب لاحق لها أن الناس أساؤوا فهم هذه المراحل، ولاحظت فيما بعد أنه ليس بالضرورة أن يتتبَّع الأشخاص المصابون بالحزن هذه المراحل بالترتيب نفسه.

 

يرى جورج بونانو، أستاذ علم النفس الإكلينيكي في جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة، أنه لا شك في أن الغضب يتملَّك أولئك المفجوعين على فقدان عزيز عليهم، ثم يغرقون في الاكتئاب جرَّاء الخسارة، ويجدون صعوبة في تصديق أن ما يحدث معهم حقيقة. لكن في النهاية لا بد للناس أن يعملوا على مصالحة ذكرياتهم مع تطلُّعاتهم الحالية أو توقُّعاتهم المرجوة، ولأن عقلك عضو تنبؤي بطبيعته فسيُخيَّل إليه أن هذا الشخص ما زال موجودا، لذا عليك تحديث عالمك، ورغم أن الأمر مؤلم وصعب فإنه ضروري. يرفض جورج بونانو وباحثون آخرون أن مثل هذه التجارب يجب التعامل معها على أنها مراحل، فيقول: "المشكلة أن الناس إذا لم يمروا بهذه المراحل أثناء حزنهم فسرعان ما يساورهم القلق معتقدين أن هناك خطأ ما".

يتخذ الحزن مسارات مختلفة بين الناس، فيمكن للبعض التعافي من الفقد أسرع من الآخرين، وتُشير الأعراض المرتبطة بالحزن، مثل الاضطراب العاطفي الشديد والتوق المؤلم إلى المتوفى، التي تمتد لشهور أو سنوات وتعوق الأداء الطبيعي للشخص في الحياة إلى ضرورة طلب العلاج. يقول بونانو: "إن استمر شعورك بالحزن لعدة أشهر، ولم تصبح الأمور على ما يُرام، وفشلت في أن تُبلي جيدا في حياتك، فأنت تعاني من حالة مَرضية وتحتاج إلى المساعدة، لكن المشكلة أن معظم الناس لا يفعلون ذلك، إذ تصل نسبة مَن يطلب المساعدة إلى 10% فقط".

 

توصَّل بونانو في بحثه حول مسارات التعافي إلى أن غالبية المشاركين في الدراسة ظهرت عليهم أعراض طفيفة بعد عدة أشهر من وفاة أحد أفراد أسرتهم، والبعض الآخر لم تظهر عليه أي أعراض. نتيجة لذلك، كتب يقول: "من الطبيعي حقا أن يُصيبك حزن شديد حينما يموت شخص عزيز عليك، لكن من الطبيعي لمعظمنا أن يتضاءل هذا الحزن تدريجيا بسبب تقبُّل فكرة الموت".

 

النصف الأيمن من الدماغ مسؤول عن الإبداع والأيسر عن التنظيم

الاعتقاد الشائع بأن دماغك يملك نصفين يُسيطران على مهارات معينة ليس سوى خرافة، فالسؤال الشهير حول ما إن كنت مبدعا ومليئا بحس البصيرة، أم أن تفكيرك مُتأنٍّ وأكثر منطقية، يستند في الأصل إلى خرافة شائعة تُروِّج إلى أن النصف الأيمن من المخ يسيطر على أدمغة المفكرين التلقائيين، في حين أن المفكرين التحليليين يسيطر عليهم الجانب الأيسر.

 

لدى نصفا الدماغ -الأيمن والأيسر- وظائف عقلية مختلفة، لكن الفكرة التي تُشير إلى اعتماد الأفراد على أحد النصفين اعتمادا أكبر تدل على مدى الفهم الخاطئ للعلاقة المعقدة بين نصفَيْ الدماغ. يُشير ستيفن كوسلين، عالِم الأعصاب والأستاذ الفخري بجامعة هارفارد، إلى أن "الاختلافات المدعومة بالحقائق دقيقة جدا"، لكن إحدى أشهر الخرافات حول نصفَيْ الدماغ البشري تُشير إلى أن النصف الأيسر يُسهِّل اللغة، بينما يتعامل النصف الأيمن مع فهمها.

 

في هذا السياق يوضِّح كوسلين قائلا: "إن اللغة تُوزَّع عبر نصفَيْ الدماغ، ستجد على الأقل أن الذين يستخدمون اليد اليمنى عادة ما يعمل لديهم النصف الأيسر من الدماغ بطريقة أفضل عند استخدام القواعد لإنتاج اللغة وفهمها، بينما يعمل النصف الأيمن بكفاءة أعلى في تحليل نبرة الصوت لفهم نية المتحدث إن كان يمزح مثلا".

وبالمثل، ستجد أن كلا الجانبين يشمل عملية الإدراك أيضا، لأنه وفقا لكوسلين، فإن أبحاث التصوير العصبي تُظهِر‏ أن هذه العمليات تُجرَى على نصفَيْ الدماغ، كما أن بنية الدماغ ووظيفته تختلف من فرد إلى آخر، وتقسيم العمليات بين النصف الأيسر والأيمن دقيق للغاية لدرجة لا يمكن معها معرفة هذه الاختلافات.

 

الغريب أن الخرافة التي تعود جذورها إلى التجارب التي أُجريت على المرضى المصابين بمتلازمة انقسام الدماغ (وهي حالة مَرضية تُسبِّب مجموعة من التشوُّهات العصبية الناتجة عن اختلال نقل الإشارات العصبية والمعلومات بين نصفَيْ الدماغ) ما زالت مستمرة، لأن هذه الانقسامات يمكن أن يتخيَّلها الناس بسهولة. في هذا السياق يقول كوسلين: "من المنطقي أن يكون لدينا أجزاء يمنى ويسرى من أدمغتنا تتمتع بقدرات مختلفة مثل أيدينا". قد تكون أعسر، لكن هذا لا يعني أن الجانب الأيسر من دماغك هو المسيطر.

 

خرافة أنماط التعلُّم: البصري والسمعي والحسي

قد يُفضِّل بعض الطلاب الدراسة بالرسوم التوضيحية، بينما يُفضِّل الآخرون أن يتلقوا الدروس سمعيا، لكن هذا لا يعني أنهم سيتعلَّمون المادة بطريقة أفضل من خلال اتباعهم أنماطا معينة، المفهوم الذي ينص على أنه لا بد للمعلمين أن يطابقوا طريقة تدريسهم مع أنماط التعلُّم الفردية للطلاب، التي غالبا ما تنقسم إلى فئات بصرية وسمعية وحركية أو لمسية ظلَّت شائعة منذ عقود، رغم أن المراجعات العلمية لم تتوصَّل إلى تبرير كافٍ لها.

 

قد تستند الخرافة المُتعلِّقة بأساليب التعلُّم إلى ملاحظة المعلمين لعدد المرات التي قد ينجح فيها طالب ما في فهم المعلومة من خلال أسلوب معين قد يبدو عديم الفائدة لطالب آخر، وهذا ما اقترحه عالم النفس الأميركي هارولد باشلر بجامعة كاليفورنيا في سان دييغو وزملاؤه في ورقة بحثية عام 2009.

 

تختلف القدرات بالطبع من طالب إلى آخر، كما أن طريقة التدريس نفسها يمكن أن تُحدِث فرقا، فيمكن لبعض الطلاب مثلا الاستفادة من التدريس الأكثر تنظيما، لكن ما أخفقت الدراسة في توضيحه هو أن المعلمين الأكثر نجاحا يتبعون أساليب مميزة ومتنوعة مع الطلاب الذين يميلون إلى الأساليب العملية في الدراسة أو الذين يُفضِّلون الدراسة المرئية أو حتى السمعية بدلا من استخدام نمط التدريس نفسه مع الجميع.

يُحذِّر الباحثون من أن هذه الخرافة يمكن أن تُعرقل عملية التعلُّم، ومن ضمنهم سوزان جيلمان، عالِمة النفس بجامعة ميشيغان الأميركية، التي شاركت في تأليف دراسة حديثة عن معتقدات الناس حول أساليب التعلُّم، فتقول: "قد تتسبَّب هذه الخرافات في زيادة إيمان الناس بأن قدراتهم محدودة، ولن يتمكَّنوا من اتباع طرق معينة في التعلُّم، أو ربما يفقدون الشغف تجاه تعلُّم مهارة معينة لظنهم أنها لا تتوافق مع الطريقة التي تعمل بها عقولهم".

 

يؤكِّد منتقدو نظرية أساليب التعلُّم أن ثمة تقنيات لتعزيز عملية التعلُّم مدعومة بالأدلة ويمكن أن تنطبق على الجميع تقريبا. وفقا لذلك، تقول الدكتورة شايلين نانسكيفيل، عالِمة نفس وأستاذة مساعدة في برنامج علم النفس التنموي، والمؤلفة الرئيسية للدراسة الحديثة عن اعتقاد الناس حول أساليب التعلُّم: "تعمل بعض الإستراتيجيات جيدا على معظم الطلاب، ورغم ذلك فإن العديد من الطلاب يعانون بسبب عدم إدراكهم لضرورة التدرُّب على استرجاع المعلومات، وليس مجرد الاكتفاء بتلقيها".

 

أنا ذكي في الموسيقى وصديقي ذكي في التعليم

الأنواع العديدة من الذكاء المنتشرة مثل الذكاء اللغوي والذكاء الموسيقي أو الإيقاعي وباقي الأنواع لا تعادل في الحقيقة مقاييس اختبار معدل الذكاء (IQ test). بالطبع تُعَدُّ موهبة كتابة النوتة الموسيقية ميزة قيمة، ولا شك أنها تعتمد على القدرة المعرفية، لكن إسناد هذه المهارة إلى نمط معين من الذكاء يُخِل بالبنية الراسخة لمفهوم الذكاء العام الذي تُقيِّمه اختبارات الذكاء المعتمدة على أدلة موثوقة تُفيد بأن نتائج الاختبار تُعتبر مؤشرا قويا للتحصيل الدراسي والنجاح لاحقا.

 

تُمثِّل نظرية الذكاءات المُتعدِّدة التي قدَّمها في الثمانينيات عالم النفس الأميركي هوارد غاردنر، وهو أستاذ الإدراك والتعليم في جامعة هارفارد، تحديا أمام القواعد التي يقوم عليها الذكاء العام. اقترح غاردنر ثمانية أنواع مختلفة من الذكاء، منها: الذكاء اللغوي، والذكاء الفراغي التصوري، والذكاء التفاعلي أو الاجتماعي، والذكاء الحركي، والذكاء الموسيقي، ثم أضاف نوعا آخر من الذكاء وهو المُتعلِّق بالطبيعة وفهمها.

 

يقول ريتشارد هاير، الأستاذ الفخري بجامعة كاليفورنيا ومؤلف كتاب علم أعصاب الذكاء: "لا يوجد تقريبا أي دليل عملي على هذه النظرية، حاول الناس تطوير اختبارات لما يُسمى بالذكاء المتعدِّد أو المستقل، وعندما تُجرَى هذه الاختبارات على مجموعة من الأشخاص، ترتبط نتائجهم في الاختبارات المختلفة ببعضها بعضا، تماما مثل جميع الاختبارات العقلية الأخرى. أما غاردنر فيصف الفئات المتعدِّدة والمختلفة في نظريته بأنها "مستقلة نسبيا"، ويقول إنها تعتمد على "أدلة من أرض الواقع"، وليست "أدلة تجريبية"، لأنه لا يمكن إثبات هذه النظرية أو دحضها بالطرق التجريبية المعتادة".

صحيح أن هناك قدرات معرفية مختلفة -كما يُشير غاردنر- يمكن أن يتفوَّق فيها الفرد أو يُخفِق من خلالها، لكن يوجد ارتباط أساسي بين القدرات العقلية ومفهوم الذكاء العام، أو ما يسميه الباحثون "العامل g"، يصبح "العامل g" واضحا عند تحليل درجات الأفراد في مختلف الاختبارات المعرفية، بمعنى إذا أبلى الفرد بلاء حسنا في مجال ما، فإنه سيُحقِّق على الأغلب نتائج جيدة في مجالات أخرى.

 

يقول هاير: "يُشير العامل g إلى قدرة الفرد على التفكير المجرد، فعندما يتحدَّث معظم الناس عما إذا كان الشخص ذكيا أم لا، فإنهم يقصدون بذلك قدرته على التفكير المجرد، لكن الذكاء ليس الاختلاف الفردي الوحيد الذي يتنبَّأ بمدى نجاح المرء في المدرسة وخارجها، بل هناك سِمات أخرى، مثل الوعي، تلعب أدوارا أخرى مهمة، لكن تُعَدُّ الأدلة والقوة التنبؤية عن الذكاء العام قوية من الناحية التجريبية".

 

يستكمل ريتشارد هاير حديثه: "لا يزال المعلمون يحبون مفهوم الذكاءات المُتعدِّدة، ولا يميلون عموما إلى مفهوم الذكاء العام كثيرا، لأنه يُشير إلى وجود قيود معرفية معينة تقف عقبة أمام الطلاب". مؤكَّد سيبدو العالم أكثر عدلا إن تمتَّع جميع الطلاب بالذكاء المتعدِّد في المجالات كافة، لكن التفكير الأكثر واقعية هو محاولة المعلمين الاستفادة جيدا من التعرُّف على "العامل g" وما يعنيه حقا.

 

الأمر ليس بيدي.. أنا مصاب بالإدمان الجنسي

يستخدم البعض اصطلاح "الإدمان الجنسي" مُبرِّرا للخيانة الزوجية (بمعنى أنه يقول: "الأمر خارج عن إرادتي فأنا مريض")، لكن الإدمان الجنسي نادر الحدوث جدا. ومن وجهة نظر علمية، لن تجد مصطلح "إدمان الجنس" مدرجا في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM)، وهو دليل تُصدره الجمعية الأميركية للأطباء النفسيين، وهو المرجع الأول عالميا في تصنيف الأمراض النفسية، لكن منظمة الصحة العالمية أطلقت على هذا التصرُّف "اضطراب السلوك الجنسي القهري" وأضافته إلى دليلها التشخيصي.

 

يرى مارك غريفيث، عالِم النفس في جامعة نوتنغهام ترنت في بريطانيا، وهو باحث في مجال الإدمان، أن بإمكاننا إدراج عادة معينة تحت اسم إدمان بناء على ستة معايير، وهي استخدام العادة/الشيء -مثل الهيروين أو القمار أو المواد الإباحية أو الجنس- لتحسين الحالة المزاجية، واستحواذها على أفكار الشخص حتى في غيابه، وتسبُّبها في صراعات داخلية أو شخصية واضحة، فضلا عن التحمُّل البيولوجي الذي يعني زيادة استهلاك الشيء أو النشاط نفسه لتحقيق التأثير نفسه بمرور الوقت، ووجود أعراض واضحة نفسية أو فسيولوجية للانسحاب، وأخيرا، غالبا ما يرتبط النشاط الإدماني دوما بوجود خطر الانتكاس.

 

فيما يتعلَّق بالسلوك الجنسي، يقول غريفيث: "إن عدد الأشخاص الذين يُحقِّقون المعايير كافة الخاصة بالإدمان قليل جدا". الفكرة هنا أن الأفراد الذين يسيطر عليهم الإدمان السلوكي، سواء تمحور حول الجنس أو المقامرة أو ممارسة أي نشاط آخر، ينخرطون في المشكلات السلوكية الناتجة عن الإدمان بدلا من السلوك الإدماني نفسه.

بالإضافة إلى هذه المعايير، يرى ألين فرانسيس، أستاذ علم النفس بجامعة ديوك الأميركية، ورئيس فريق العمل الذي وضع الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM)، أن "في حالات الإدمان الحقيقية، نكتشف أن المتعة التي كان يشعر بها الفرد في البداية تتوقَّف بمرور الوقت، ورغم ذلك يفشل في الإقلاع عن هذه العادة".

 

يستكمل الطبيب النفسي فرانسيس حديثه: "ربما يوجد عدد قليل جدا من الأشخاص الذين لا يستطيعون التوقُّف، وهذا يُدمِّر حياتهم وعائلاتهم"، لكنه في الوقت نفسه يُحذِّر من الإفراط في استخدام مصطلح "الإدمان الجنسي"، لأن هذا قد يؤدي إلى "تحويل السلوك السيئ إلى اضطراب عقلي".

 

ابذل 10 آلاف ساعة تدريب وستنجح في النهاية

الحقيقة التي قد تكون مفاجأة هي أن التدريب المُتعمَّد وحده لا يجعل من الشخص خبيرا. بالتأكيد سمعت هذه العبارة تتردَّد على مسامعك كثيرا: كل ما عليك فعله هو أن تتدرَّب على أي شيء، تدرَّب على عزف الناي أو حل المعادلات أو الكتابة بطلاقة وستتحسَّن بالتأكيد. إذا كنت ترغب في الانضمام إلى صفوف النخبة في أي مجال فلا غنى بالطبع عن التدريب، لكن هذا لا يعني أن التدريب المُكثَّف لساعات طويلة يمكن أن يسد الفجوة بين أولئك الذين بالكاد يُجيدون شيئا ما ومَن هم عظماء حقا في مجالاتهم.

 

في عام 1993، أجرى عالم النفس السويدي في جامعة ولاية فلوريدا الأميركية أنديرس إريكسون وزملاؤه دراسة طلبوا فيها من الطلاب المتخصصين في عزف الكمان، المقسمين لثلاثة أقسام منفصلة، تقدير عدد ساعات التدريب التي استغرقوها للوصول إلى هذه المرحلة من البراعة. كان متوسط تقدير المجموعة الأمهر من عازفي الكمان -في سن العشرين- نحو 10.000 ساعة، وهو ما يُعتبر أعلى من متوسطات المجموعتين الأدنى في المستوى. استُشهِد بهذه الدراسة وغيرها باعتبارها دليلا على أهمية التدريب المُتعمَّد لتحقيق الإنجاز، لكن الاستنتاجات تجاهلت الدور الذي تلعبه القدرة الفطرية في الوصول إلى الأداء الاستثنائي.

أعلن القائمون على التجربة أن "السمات التي اعتقد الناس أنها تعكس موهبة فطرية ليست سوى نتاج تدريب مكثَّف يمتد لـ10 سنوات على الأقل". لدعم هذه النظرية، لخَّص الصحفي الإنجليزي مالكولم جلادويل في كتابه الأكثر مبيعا بعنوان "الاستثنائيون" الصادر عام 2008 الدراسة التي أجراها عالِم النفس إريكسون مُعلِنا أن 10.000 ساعة هي "الرقم السحري لتحقيق المجد والعظمة".

 

من المفارقات العجيبة أن إريكسون نفسه تراجع عن هذه النظرية بعدما أصبحت ركيزة ثقافية، وكتب في عام 2013 أن فكرة أن التدريب لعدد ساعات معين يمكن أن يجعل من المرء خبيرا هي "وجهة نظر شائعة ولكنها مبسَّطة للغاية ولا تُقدِّم شرحا كافيا لعملنا الذي لاقى رواجا واسعا على الإنترنت"، بالإضافة إلى أن بحثا حديثا طعن في صحة الادعاء الذي يُشير إلى أن التدريب المستمر لساعات طويلة هو الوسيلة الأبرز لتحقيق أداء رفيع المستوى.

 

في عام 2014، تعاونت بروك ماكنامارا، عالِمة النفس والأستاذة في قسم العلوم النفسية بجامعة كيس ويسترن بالولايات المتحدة، مع زملائها في فحص أكثر من 80 دراسة للأداء في مجالات الرياضة والموسيقى والتعليم، وتوصَّلوا إلى أن التدريبات كانت مسؤولة فقط عن رُبع الفروقات في الأداء، وفي ورقة بحث لاحقة أفادوا بأن التدريب لم يوضِّح سوى نسبة 1% فقط من التباين في الأداء بين الرياضيين المُصنَّفين على أنهم "النخبة".

 

تقول عالِمة النفس ماكنامارا: "إذا نظرنا إلى التباين الواضح في الأداء بين الأفراد فستظهر أهمية التدريب بالتأكيد، لكنه ليس السبب الوحيد في النجاح"، وتُشير إلى أن الدراسة التي أُجريت على لاعبي الشطرنج توصَّلت إلى أن بعضهم تأهَّل للفوز بلقب بطل العالم في الشطرنج بعد نحو 3000 ساعة من التدريب، في حين استغرق الأمر مع الآخرين أكثر من 20.000 ساعة.

ترى ماكنامارا أن التدريب الذي يعتمد على السعي الجاد مهم بالطبع، لكنه ليس العامل الوحيد لتحقيق النجاح، فثمة عوامل أخرى لا تقل أهمية، منها الذكاء على سبيل المثال، وكذلك العمر الذي تبدأ فيه، ونوع التدريب، وإن كان لديك مدرب أم لا، وسعة الذاكرة العاملة لديك (الذاكرة العاملة هي نظام معرفي مسؤول عن تخزين المعلومات المتاحة).

 

ولأن ساعة واحدة من التدريب لن تؤدي إلى تحقيق القدر نفسه من المكاسب لرياضيين أو موسيقيين مختلفين في طبيعتهم، تقول ماكنامارا إن هذه الخرافات تميل إلى الوقوع فريسة لمغالطة السبب الوحيد (تُعرَف أيضا بمغالطة التبسيط المفرط)، وملخَّص هذه المغالطة هو أن الشخص يضع سببا واحدا لمسألة لها أسباب عديدة، بحيث يبدو أن الظاهرة تعتمد فقط على هذا السبب الوحيد، فمثلا يلجأ البعض عند مواجهتهم موقفا معقدا إلى وضع تفسير واحد بسيط وينتهي الأمر، لذا لا بد دائما أن تجد قصورا في وجهات النظر هذه.

 

الاختلافات بين المرأة والرجل ليست كما تتصور

قليلون هم الذين يُنكرون الاختلاف الجسدي بين الرجال والنساء، فرغم زيادة عدد النساء طويلات القامة وتمتُّع بعضهن بالعضلات، فلا يزال الرجال -في المتوسط- أطول من النساء ويتحلون بقبضة أقوى بكثير. رغم ذلك، يعتقد الكثيرون، بمَن فيهم بعض علماء النفس، أن سلوكيات الجنسين لا تعكس في كل الأحيان اختلافات جوهرية كبيرة. بيد أنه بات من الضروري ألا نُقلِّل من أهمية الاختلافات النفسية بين الجنسين مع توافر أدلة علمية جوهرية على وجودها.

 

تميل النساء بطبيعتهن إلى الإيثار والتعاطف، بينما يكون أداء الرجال في المتوسط أفضل خلال المهام التي تعتمد على التفكير، في حين أن المرأة تتمتع بقدرة أكبر على تذكُّر أماكن الأشياء. يفترض مؤسِّسو النظريات التطورية أن الفروق بين الجنسين نشأت جرَّاء مواجهة كلٍّ من النساء والرجال ضغوطا مختلفة بشأن الإنجاب والبقاء، فنرى أن الرجال أكثر عُرضة للإصابة مثلا بالتوحُّد، بينما تظهر معدلات اضطرابات المزاج ومرض الزهايمر بنسبة أعلى بين النساء، قد تُخلِّف هذه الفروقات بين الجنسين آثارا مهمة لفهم الاضطرابات وعلاجها.

 

فحصتْ مراجعة حديثة نتائج الاختلافات بين الجنسين على المستوى السلوكي عند تعرُّض البشر أو الحيوانات إلى الإجهاد، خلال هذه النتائج تلاحظ جورجيا هودز، عالِمة الأعصاب في جامعة فيرجينيا التقنية بالولايات المتحدة، أن الأولاد والبنات -خاصة المراهقين منهم- لديهم استجابات مختلفة لاضطراب ما بعد الصدمة، إذ ظهرت على الفتيات أعراض داخلية مثل لوم الذات، في حين ظهر أثر الصدمة في الأولاد على سلوكهم الخارجي وميلهم إلى تصرفات تخريبية. ترى جورجيا هودز أنه قد يكون مفيدا لو أدرك البالغون أن الاضطرابات نفسها يمكن أن تُظهِر على الجنسين أعراضا مختلفة إلى حدٍّ كبير.

 

كما يمكن أن تساهم الفروقات بين الجنسين أيضا في تطوير الأدوية كما تُشير عالِمة الأعصاب هودز، حيث تُظهِر نتائج الجهود السابقة أن اختبار أحد العقارات على ذكور الحيوانات لا يعني بالضرورة نجاحه على النساء. تستكمل هودز حديثها: "لا يقرّ أحد بأن الرجال والنساء كائنات مختلفة تماما، لأن هناك تداخلا بين نطاقات الملامح العقلية والنفسية الخاصة بكلٍّ منهما، لكننا في الوقت نفسه بحاجة ضرورية إلى فهم هذه الاختلافات لأهميتها في تطوير علاجات أفضل".

 

أنا مصاب بالاكتئاب والأمر مُتعلِّق بجين محدد

قد تصدمك حقيقة أنه لا يوجد جين معين خاص بالاكتئاب أو الفصام أو أي اضطراب نفسي آخر. بالطبع نعرف أن احتمالية تعرُّض المرء للقلق أو نوبة من الاكتئاب الشديد أو التوحُّد مرتبط إلى حدٍّ ما بالوراثة، كما يوضِّح كيفين ميتشل، عالِم في مجال الوراثة العصبية في كلية ترينيتي بجامعة دبلن بأيرلندا: "ستتعرَّض بنسبة أكبر لخطر الإصابة بالاكتئاب إن كان يعاني شقيقك أو والدك منه، وينطبق الشيء نفسه على الفصام وجميع الاضطرابات النفسية".

 

منذ أوائل التسعينيات، اهتم الباحثون في الطب النفسي بمعرفة الجينات التي لها تأثير كبير على خطر إصابة الشخص باضطرابات نفسية، لكن لم يستطع العلماء في النهاية تقديم دليل موثَّق على وجود أي جين مُتغيِّر يُسبِّب مرضا عقليا. في وقت سابق من هذا العام، توصَّل فريق بحثي إلى عدم ظهور أي نوع من الجينات الـ18 التي رشَّحتها الدراسات السابقة وأشارت إلى ارتباطها الوثيق بالاضطرابات النفسية.

 

يعرف علماء الوراثة الآن أنه لا يوجد آلية واحدة معينة، أو حتى مجموعة صغيرة منها، تتسبَّب في إصابة الناس باضطرابات معينة. يوضِّح ميتشل بالقول: "لا يمكن تحديد هذه المتغيرات الجينية بدقة بالغة بحيث يتسبَّب تغيُّر جيني مُحدَّد في مرض مُحدَّد. بالفعل هناك زيادة في خطر إصابتك بمرض الفصام إذا كان شقيقك مصابا به، ولكن كذلك هناك زيادة في خطر إصابتك بالاكتئاب وباضطراب فرط الحركة وبالتوحُّد، وهذا يحدث نتيجة لوجود أساس جيني مشترك لكل هذه الاضطرابات".

 

نظرية التعلُّق

التفاعلات المبكرة مع الوالدين لا تعني بالضرورة نتيجة حاسمة عن كيفية ارتباط الأشخاص بالآخرين عندما يكبرون. قد يكون من السهل بالنسبة للعديد من الناس الاقتراب من شركاء عاطفيين والثقة بهم والاعتماد عليهم بوصفهم مصدرا للدعم، لكن لا ينجح الجميع في فعل ذلك. ستجد أن لدى البعض نفورا قويا من فكرة التعلُّق بشخص ما، والبعض الآخر يتملَّكهم القلق ويتساءلون إلى أي مدى يمكنهم الاعتماد على شخص ما. يستخدم علماء النفس مصطلح "أسلوب التعلُّق" لوصف اختلاف درجات التعلُّق بين الأفراد وتجنُّبهم للعلاقات أو القلق الذي يساورهم بشأنها، وحيرتهم الدائمة عما إذا كانت هذه العلاقات والروابط تُقدِّم لهم أمانا نسبيا أم لا.

 

بدأت نظرية التعلُّق باعتبارها استكشافا لطبيعة العلاقة بين الأطفال ومُقدِّمي الرعاية (الوالدين على الأغلب)، وتوصَّلت الدراسات إلى أن بعض الأطفال يُظهِرون سلوكيات تُشير إلى قلقهم إزاء العلاقات أو محاولة تجنُّبها بدرجة ملحوظة بعد انفصالهم عن والديهم. تظهر هذه الاختلافات في وقت مبكر من الحياة، وهذا هو سبب سوء الفهم الشائع حول أساليب تعلُّق البالغين بالآخرين وعزوه دائما إلى كيفية ارتباط المرء بالوالدين في الصغر، لكن العلاقة بين نشأة المرء وما أصبح عليه فيما بعد ليست بالبساطة التي قد تبدو عليها.

 

يقول جاي بيلسكي، الباحث في مجال تنمية الطفل في جامعة كاليفورنيا ديفيس: "في بعض الأحيان، يتعامل الناس مع مفهوم التعلُّق على أنه تحصين ومصدر أمان لهم، بمعنى أن كل أمور حياتك ستعتمد فيما بعد على ما إذا كانت طفولتك آمنة أم لا، وهذه مجرد وجهة نظر مبالغ فيها". صحيح أن الإهمال المبكر للطفل أو الإساءة له يمكن بالطبع أن يتسبَّب في ضرر على المدى الطويل، لكن في الوقت نفسه، توصَّلت دراسات طويلة المدى إلى أن هذه الأضرار كثيرا ما يكون مبالغا فيها.

يرى بيلسكي أنه يمكن للعلاقات المبكرة أن تُقدِّم "إرثا عميقا ينمو بداخلنا مع الوقت"، فيقول: "تخيَّل أنني طفل لم يحظَ بعلاقة آمنة مع والديه، لكنني التقيت في المدرسة بمعلمين يدعمونني ويهتمون بي ويتحلون بالصبر ويكترثون لأمري، ألن تُعيد هذه العلاقات والتجارب تشكيلي من الداخل؟ ألن تُغيِّر طريقة إدراكي للعالم وتفكيري تجاهه واستجابتي له؟".

 

يدعم وجهة النظر هذه باحثون آخرون في مجال التعلُّق مثل كريس فارالي، أستاذ علم النفس بجامعة إلينوي في إربانا-شامبين بالولايات المتحدة، فيقول موضِّحا: "السبب وراء شعور أي شخص بالغ بعدم الأمان قد يكون شيئا ما حدث معه مؤخرا، مثل تعرُّضه لانفصال مُدمِّر، أو بسبب مجموعة من العلاقات الشخصية التي لم تمنحه شعورا بالأمان".

 

الحقيقة إذن أن ما يُشكِّل علاقة الفرد بوالديه أو بشريك حياته هي عوامل مُتعدِّدة منها جيناته مثلا، بمعنى أن الأمر لا يتعلَّق فقط بمدى حساسية أحد الوالدين ومُراعاته لمشاعر الطفل. لتوضيح ذلك، يشرح جاي بيلسكي، الباحث في مجال تنمية الطفل، هذا الأمر بقوله: "أرى أن العلاقات البشرية تُشبه الأرصاد الجوية، قد ترى الجو رطبا للغاية، فتتوقَّع هطول الأمطار، لكن هطول المطر من عدمه يرجع إلى عوامل أخرى مُتعدِّدة. وبالمثل، فنحن أيضا نملك العديد من العوامل التي تُشكِّل علاقتنا بمَن حولنا".

———————————————————————————————-

هذا المقال مترجم عن Psychology Today ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

ترجمة: سمية زاهر.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة