يرتبط بالاكتئاب والوساوس.. لماذا يُعَدُّ إشعار الأطفال بالذنب طريقة غير فعّالة في التربية؟

"هل تفعل معي هذا رغم كل ما أفعله من أجلك؟"، "ألن تسمع كلامي رغم أنني أُحقِّق لك ما تطلب دوما؟". لعلك تستخدم مع طفلك إحدى الجملتين السابقتين أو مثيلاتهما لكي تدفعه لفعل شيء أو ترك شيء، إذا كنت تستخدم النهج السابق في التعامل مع طفلك فأنت تستخدم نهج "إشعار الطفل بالذنب" لدفعه للامتثال وتنفيذ ما ترغب فيه.

من المؤكَّد أنك أثناء التعامل مع طفلك وتربيته تسلك مختلف الطرق وتستخدم العديد من الأساليب كي تجعله يستجيب لك، كذلك من المؤكَّد في معظم الأحيان أن الشيء الذي ترغب أن يفعله طفلك هو أمر لصالحه تماما، مثل تناول الطعام الصحي أو الالتزام في ممارسة الرياضة أو الانتظام في المذاكرة والتحصيل الأكاديمي، ورغم أن كل هذا ضروري وفي صالحه فإنك تعجز عن دفعه للالتزام بأيٍّ مما سبق.

هنا يجب أن تعرف أنه ليست كل الأساليب التي قد تلجأ إليها هي إستراتيجيات أبوة فعّالة، فمثلا إشعار الطفل بالذنب يُعَدُّ من أقل إستراتيجيات الأبوة فعالية. على الرغم من أن هذا التكتيك قد ينجح على المدى القصير، وقد يفعل طفلك ما تريده، فإن الأطفال الذين يُعانون من الشعور بالذنب دائما يمكن أن يُكابدوا عواقب سلبية دائمة مثل تدني احترام الذات.

إشعار الطفل بالذنب شكل من أشكال التلاعب

لعلك تفعل ذلك عن غير عمد، لكن استخدام الشعور بالذنب هو شكل من أشكال التلاعب، إنه طريقة لتوبيخ الطفل أو إلقاء اللوم عليه لإقناعه بفعل شيء ما أو الامتثال لطلب. ومن المهم أن نلاحظ أن الشعور بالذنب ليس هو المشكلة في ذاته، إنما المشكلة في الموقف الذي يشعر خلاله الطفل بالذنب. على سبيل المثال، من الطبيعي أن يشعر الطفل بالذنب عندما يرتكب خطأ مثل الغش في اختبار أو سرقة متعلقات زميل له، يساعد هذا النوع من الشعور بالذنب الأطفال على التعلُّم من الخطأ، ويقودهم إلى أن يصبحوا أصحاء ومتعاطفين إذا تعلَّموا كيفية تحمُّل المسؤولية وإصلاح السلوك السيئ.

في المقابل، يُصبح الشعور بالذنب مشكلة عندما يحاول شخص آخر، حتى وإن كان أحد الوالدين، أن يجعل الطفل يشعر بالذنب أو الخجل من أجل الحصول على شيء أو تحقيق شيء، وهو ما يجعل العلاقة بينهما غير صحية، فيؤدي الإشعار بالذنب في تلك الحالة إلى منع التواصل الصحي. (1)

في بعض الحالات، قد يكون من السهل اكتشاف هذا السلوك، وخلال حالات أخرى قد يكون مُختفيا ويصعب اكتشافه. تتضمَّن بعض العلامات الرئيسية لسلوك الإشعار بالذنب (2) إشارة الوالدين إلى جهودهم الخاصة وعملهم الجاد بهدف جعل الطفل يشعر بأنه مقصر أو مخطئ، وذكر الأخطاء السابقة التي قد يكون الطفل ارتكبها، وكذلك رفض التحدُّث إلى الطفل والاكتفاء بالصمت أو الخصام.

تشمل العلامات كذلك استخدام لغة الجسد ونبرة الصوت وتعبيرات الوجه للتعبير عن عدم رضاك عمّا يفعله الطفل، وإبداء تعليقات ساخرة حول جهود الطفل أو أفعاله، والإسراف في استخدام بعض الجُمل مثل "تذكر عندما فعلت كذا من أجلك؟" أو "ألم أفعل كذا وكذا من أجلك طوال الوقت؟".

لماذا قد يلجأ الآباء إلى إشعار أطفالهم بالذنب؟

هناك العديد من الأسباب المختلفة التي قد تدفع أحد الوالدين إلى إشعار أطفالهم بالذنب. أول هذه الأسباب ببساطة هو أن الوالد لا يُدرك من الأساس أنه يتلاعب بطفله أو أنه يُشعره بالذنب، هو يتحدَّث بتلقائية دون أن يلتفت إلى هذا النوع من التلاعب الذي ينطوي عليه حديثه.

السبب الآخر في ذلك هو أن الوالد الذي يستخدم هذا النهج يكون قد تعرَّض له أثناء طفولته، فلم يعد بالنسبة له أمرا مستهجنا لأنه مُعتاد عليه. ويتمثَّل السبب الثالث، والأكثر شيوعا ربما، في شعور الوالد بالعجز، وعدم قدرته على التحكُّم في سلوك الطفل بأي وسيلة أخرى، مما يجعله يستخدم أحيانا الإشعار بالذنب محاولة لإحداث السلوك المرغوب أو إيقاف السلوك غير المرغوب فيه. بعبارة أخرى، يتورَّط الآباء في إشعار أطفالهم بالذنب لأنهم يعتقدون أن ذلك سينجح، خاصة بعد أن جرَّبوا كل شيء ولم تُفلِح مُحاولاتهم.

بخلاف الأسباب والدوافع السابقة، هناك العديد من الأغراض التي قد يستخدم أحد الوالدين نهج الإشعار بالذنب لأجلها، منها التلاعب، ففي بعض الأحيان، يكون الهدف الأساسي من الإشعار بالذنب هو التلاعب بالطفل لكي يفعل شيئا لا يرغب في فعله عادة، في أحيان كثيرة لا يكون هذا التلاعب واضحا ومحسوبا، فالآباء الذين يستخدمون الإشعار بالذنب لمحاولة إقناع طفلهم بالتغيير أو فعل شيء من أجلهم قد يعتقدون أنهم يضعون مصلحته في صميم قلوبهم.

قد يقول أحد الوالدين بانزعاج مثلا: "نحن نعمل طوال اليوم للتأكُّد من وجود سقف فوق رأسك وطعام على الطاولة، وأنت لا يمكنك غسل بعض الأطباق؟". إذا أدرك الابن أن لدى والديه وجهة نظر مُقنعة، فقد يعقد العزم على إيلاء المزيد من الاهتمام للأعمال المنزلية، وهذا يُخفِّف حملهم ويزيد من إحساسه بالمسؤولية. أحيانا يكون هذا النمط من الإشعار بالذنب عَرَضيا ولا يُستخدم بصورة مُكثَّفة، لكن استخدامه بصورة مُكثَّفة يخلق الكثير من الآثار السلبية التي سيرد ذكرها.

بخلاف التلاعب، قد يستخدم الوالدان الإشعار بالذنب لتجنُّب الحديث المباشر عن قضية ما، مما يسمح لهم بالحصول على ما يريدون دون الحاجة إلى الدخول في صراع مباشر. (3) وقد يسعى الوالد الذي يستخدم نهج الإشعار بالذنب إلى الحصول على تعاطف الطفل، من خلال وضع نفسه في دور شخص تضرَّر من الأفعال التي من المُفترَض أن يشعر الطفل بالذنب تجاهها.

العواقب السلبية لإشعار الطفل بالذنب

تُشير الأبحاث إلى أنه في حين أن الشعور بالذنب بمستوى منخفض يمكن أن يُجبر الناس عموما، وليس الأطفال فقط، على اتخاذ إجراءات معينة، فإن الإشعار بالذنب قد يأتي بنتائج عكسية في بعض الأحيان، خاصة عند استخدامه مُكثَّفا، فغالبا ما تفشل المستويات العالية من الإشعار بالذنب في تحقيق أي نتائج إيجابية.

يوضِّح الباحثان أوريلين جراتون وميلودي مايليز في مقال نُشر عام 2019 في مجلة العلوم السلوكية أن الإشعار بالذنب يمكن أن يأتي بنتائج عكسية تؤدي بالناس إلى التصرُّف بعكس الطريقة التي يريدها الشخص الذي يُمارس هذا النهج. على سبيل المثال، قد يؤدي إشعار شخص ما لك بالذنب مرارا إلى دفعك نحو تقليل الاتصال به. (4)

هذا ناهيك بعدد من النتائج السلبية التي تنجم عن الاستخدام المُستمر لنهج إشعار الطفل بالذنب في التربية، ومنها أن الطفل الذي يُعامَل بهذه الطريقة دوما ما يظل الشعور بالذنب مُلاحِقا له، وقد أُدرِج الشعور بالذنب غير المناسب أو المفرط بوصفه أحد أعراض الاكتئاب من قِبَل الجمعية الأميركية للطب النفسي. (5) كذلك يشعر هذا الطفل بالخجل وعدم الاستحقاق لأنه يحمل شعورا لا مفر منه بالخزي، مما يجعل لديه حاجة ماسة إلى إرضاء الناس. (6)

كذلك قد يجعل الاستخدام المُتكرِّر للإشعار بالذنب الأطفال أكثر عُرضة لتحمُّل مسؤولية الأشياء التي ليست بأيديهم أو التي هي خارج نطاق سيطرتهم، وهو ما يُضيف تدني احترام الذات إلى حقيبة معاناتهم. أما في الحالات الأكثر تطرُّفا فيرتبط الشعور بالذنب المفرط بالعديد من حالات الصحة العقلية، بما في ذلك القلق والاكتئاب واضطراب الوسواس القهري وغيرها. (7)

في هذا السياق، فحصت دراسة نُشرت عام 2008 آثار السيطرة النفسية للأم على الأعراض الاكتئابية لنحو 152 من المراهقين الأميركيين. بعد تحييد تأثير ممارسات الأبوة والأمومة الأخرى، كان للسيطرة النفسية علاقة إيجابية قوية مع أعراض الاكتئاب، خاصة لدى الفتيات. ويرجع ذلك إلى أن الفتيات ربما يكنَّ أكثر تأثُّرا بالرسائل النفسية، وأكثر اهتماما بمشاعر أمهاتهن من الأولاد، وبالتالي فإنهن يصبحن أكثر استعدادا لتجربة المشاعر السلبية المُرتبطة بالسيطرة النفسية والإشعار بالذنب. (8)

نتيجة لذلك، قد يكون هؤلاء الأطفال أيضا أكثر عُرضة لضغط الأقران (التأثير بالسلوكيات السلبية للزملاء والأصدقاء)، وأكثر عُرضة للانخراط في صداقات وعلاقات غير صحية. وبمرور الوقت، يبدأ هؤلاء الأطفال والمراهقون في البحث عن التحقُّق الخارجي بدلا من التحقُّق الداخلي، وينظرون دوما إلى ردود فعل الآخرين لتحديد ما إذا كانوا جيدين ومقبولين أم سيئين ومرفوضين.

لأجل ذلك كله وغيره، لا يُعتبر الإشعار بالذنب نهجا فعّالا في التربية، لأن الطفل قد لا يفهم من الأساس ما الخطأ الذي ارتكبه، خاصة إذا لم يُشرَح له الخطأ بوضوح، وبالتالي فهو قد يُكرِّر السلوك الخاطئ. (9) والأسوأ أن هؤلاء الأطفال يتعلَّمون استخدام الإشعار بالذنب تكتيكا لحل المشكلات التي تواجههم مستقبلا. (10)

الإشعار بالذنب للأبناء الأكبر سِنًّا

ربما يشعر الآباء الذين يستخدمون الإشعار بالذنب للسيطرة على سلوك الأبناء الأكبر سِنًّا، أو الذين يبدؤون للتوّ مرحلة البلوغ، بمزيج من الخوف أو الغضب أو حتى الحب، ربما يخشون المسافة التي يخلقها أبناؤهم لبناء حياتهم الخاصة، وبدئهم في قضاء أوقات أطول بعيدا عنهم والتواصل أكثر مع الآخرين خارج المنزل، ربما يخشى الآباء أن يصبحوا أقل أهمية أو مركزية في حياة أبنائهم. هنا قد يكون مُحرِّكهم في إشعار أبنائهم بالذنب هو الحب، وأنهم يريدون أن يظلوا قريبين منهم، ولكن أحيانا يكون المُحرِّك هو الشعور بالغضب أو السخط لأنهم لا يتلقون الاهتمام الذي يعتقدون أنهم يستحقونه.

عندما لا يعرف الوالدان كيفية مناقشة هذه المشاعر مع أبنائهم، فإنهم قد يلجؤون إلى الإشعار بالذنب لإجبار أطفالهم على التواصل الوثيق معهم مرة أخرى لتهدئة انزعاجهم، ويمكن أن يستخدم أحد الوالدين في هذه الحالة جُملا مثل: "أشعر بالوحدة الشديدة عندما لا تتصل بي"، "أخوك يزورني كل يوم، لماذا لا تفعل مثله؟"، "بما أنك لا تهتم بالمجيء، فقد ذهبت إلى الطبيب وحدي"، "ألا تريدين رؤية والدتك؟"، "لقد فعلت كل شيء من أجلك، الآن أنا أُثير ضيقك وأزعجك".

إذا شعر الابن/الابنة حقا بالذنب وتحمل مسؤولية مشاعر والديه، فقد ينجح هذا في جلبهم إلى منزل العائلة للزيارة والسؤال كثيرا، لكن هذا المكسب مؤقت وضئيل، فالحقيقة أن ما يحدث هو أن العلاقة الصحية تتآكل ويُزرع مكانها الاستياء، وأن الابن الذي يشعر أنه مُجبر على فعل شيء بسيف العاطفة والإشعار بالذنب لا يشعر بالرضا والحماس لرؤية أسرته، وقد يكون حاضرا بجسده لكنه في الواقع غائب عاطفيا. قد يمتثل الابن ظاهريا لكنه غاضب داخليا، وسيحاول لاحقا إيجاد طرق للحفاظ على الخصوصية والشعور بالسيطرة. (11)

ينبغي استبدال الإشعار بالذنب بطرق تواصل أخرى، يُمكنك مثلا التعاطف وإظهار أنك ترى وتتفهَّم جيدا احتياج أبنائك إلى الشعور بأنهم لا يُتَجاهلون.

إذن، ما الذي يُمكنك فعله بصفتك والدا مع ابنك بدلا من إشعاره بالذنب؟ هناك عدد من الخطوات التي يمكن أن تكون مفيدة في التعامل مع الأبناء، سواء كانوا صغارا أو بالغين، بدلا من الإشعار بالذنب. في البداية، اعترِف باستخدامك للإشعار بالذنب في الماضي، وقرِّر أنك لا تود الاستمرار في هذا النهج. كما سبق أن ذكرنا، أحيانا يستخدم بعض الآباء هذا النهج في التربية عفويا وهم غير مُدركين أنهم يفعلون هذا من الأساس، الاعتراف يدل على الإدراك، والخطوة التالية هي القرار بأن هذا يجب أن يتغير.

بعد ذلك، ينبغي استبدال الإشعار بالذنب بطرق تواصل أخرى، يُمكنك مثلا التعاطف وإظهار أنك ترى وتتفهَّم جيدا احتياج أبنائك إلى الشعور بأنهم لا يُتَجاهلون، وأنك تبذل الجهد في سبيل فهم عواطفهم ولا ترغب في إيلامهم، وهو شيء لا يحدث خلال الإشعار بالذنب الذي يحمل في جزء منه الإيلام النفسي. (12)

يُمكنك أيضا أن تُشارك مشاعرك مع أبنائك، اشرح لهم ما الذي يُضايقك أو يُزعجك، ما الذي ترغب أن يفعلوه، ووضِّح لهم إذا كانوا صغارا لماذا هذا في صالحهم، أما إذا كانوا كبارا فيُمكنك شرح وجهة نظرك وترك الخيار النهائي لهم.

في المقابل، إذا كنت أنت مَن تتعرَّض لضغوط الذنب من قِبَل والديك أو المقربين، فيُمكنك أن تشرح لهم أيضا أنك ترى كيف يحاولون جعلك تشعر بالذنب حتى تفعل ما يريدون، ثم أخبرهم أن التفاعل بهذه الطريقة سيؤدي إلى الاستياء، وأن المزيد من التواصل المباشر والتحدُّث بوضوح سيكون أكثر فعالية.

عليك كذلك أن تضع حدودا، تساعد الحدود في وضع قيود على ما ستقبله وما لن تقبله، وستُجنِّبك الكثير من سلبيات التواصل غير الصحي. وتذكَّر دائما أن من خلال التواصل الصادق والانفتاح وحدهما يمكن أن تزدهر العلاقات بين الوالدين والأبناء. ساعتها، يمكن أن يجد الإشعار بالذنب طريقه إلى سلة المهملات، ويُفسح المجال لعلاقة أكثر إرضاء للطرفين.

_____________________________________________________

  1. المصادر:
    A Qualitative Investigation of a Guilt Trip
  2. ?What Is a Guilt Trip
  3. Think Guilt-Tripping Isn’t a Big Deal? Think Again
  4. A Theory of Guilt Appeals: A Review Showing the Importance of Investigating Cognitive Processes as Mediators between Emotion and Behavior
  5. Diagnostic and statistical manual of mental disorders
  6. Shaming, blaming, and maiming: Functional links among the moral emotions, externalization of blame, and aggression
  7. Definition and measurement of guilt: Implications for clinical research and practice
  8. Guilt Trips and Love Withdrawal: Does Mothers’ Use of Psychological Control Predict Depressive Symptoms Among African American Adolescents?
  9. Why Using Guilt Trips Is an Ineffective Parenting Strategy
  10. Think Guilt-Tripping Isn’t a Big Deal? Think Again
  11. The High Price of Parental Guilt Trips
  12. The impact of validation and invalidation on aggression in individuals with emotion regulation difficulties.
المصدر : الجزيرة