جاء الخريف ومعه الاكتئاب.. كل ما تريد معرفته عن الاضطرابات العاطفية الموسمية

"هناك شيء ما عن ذلك الوقت من العام يُشعره بالاكتئاب الشديد. السماء الملبدة بالغيوم، والرياح القاطعة، أوراق الشجر المتساقطة، والغسق. الظلام قريب جدا، يأتي الليل قبل أن تستعد. إنه الرعب، لا بد من وجود أغنية أو قصيدة، أو سحر شعبي يمكننا استخدامه لتسكين هذا الخوف".

(دون ديليلو، رواية "الميزان")

مع دخول فصل الخريف واقتراب الشتاء، يعاني الكثير من الأشخاص من هذا الشعور الطاغي بالحزن، تضعف إنتاجيتهم، وتنتابهم التقلبات المزاجية، قد يعانون من مشكلات النوم أو اضطرابات الشهية، والبعض يواجه مخاطر قد تصل إلى الأفكار الانتحارية.

 

هذا الثقب الأسود الذي يُطلِق عليه البعض "أحزان الشتاء" هو في الحقيقة نوع من الاضطراب النفسي يُعرف بـ "الاضطراب العاطفي الموسمي" (seasonal affective disorder)، ويُشار إليه اختصارا باسم (SAD). يشمل هذا الاضطراب مجموعة من الأعراض قد تختلف حِدَّتها وتأثيراتها من شخص إلى آخر، لكنها في الأغلب تتعلَّق بالمزاج والحالة النفسية والقدرة على الإنتاج. وهكذا بينما يختبئ النمل في جحوره، وتستسلم الدببة للسبات الشتوي الطويل، يجد بعض البشر أنفسهم بحاجة إلى الاختباء بين جدران منازلهم بصحبة أشباحهم الخاصة. لكننا لا نملك تلك الرفاهية التي تمتلكها الدببة، هناك أعمال يومية تحتاج منا أن نفتح أعيننا كل يوم ونقوم من الفراش ونواجه العالم. فكيف يمكننا فعل هذا بصحبة ذلك الحزن الثقيل؟

الاكتئاب والحزن

 

ظاهرة قديمة

يصف كتاب "الإمبراطور الأصفر"، وهو أحد أوائل الكتب الكلاسيكية في الطب الباطني يُعتقد أنه كُتب قبل نحو 2300 سنة، كيف تؤثِّر الفصول على جميع الكائنات الحية، ويقترح أن على المرء خلال فصل الشتاء النوم باكرا والاستيقاظ مع شروق الشمس، وأن يُبقي على الرغبات والنشاط العقلي هادئين. (1)

 

لاحقا، بعد أكثر من ألفَيْ عام، وفي مقال بعنوان "مذكرات حول الجنون" نشره فيليب بينيل، الملقَّب بأبي الطب النفسي الحديث عام 1794، لاحظ بينيل تدهورا عقليا لدى بعض مرضاه النفسيين عندما بدأ الطقس البارد في شهرَيْ ديسمبر/كانون الأول ويناير/كانون الثاني. أما مصطلح الاضطراب العاطفي الموسمي (SAD) فقد ظهر في وقت حديث نسبيا في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، على يد عالِم النفس الجنوب الأفريقي الأصل نورمان إي. روزنتال الذي يُعَدُّ صاحب أول محاولة لوصف هذا الاضطراب بدقة. درسhttps://www.artsy.net/article/artsy-editorial-seasonal-affective-disorder-impacts-artists-productivity روزنتال أيضا الارتباط بين الاضطراب العاطفي الموسمي والإبداع، وأعطى أمثلة للعديد من الفنانين والشعراء الذين أدركوا تأثير تغيُّر الضوء على مزاجهم، ومن بينهم إميلي ديكنسون، ووالاس ستيفنز، وفينسنت فان جوخ.

"جاء كل حزن المدينة فجأة مع هطول الأمطار الباردة الأولى في الشتاء".

(أرنست همنغواي)

 

ما الاضطرابات العاطفية الموسمية؟

حسنا، لِنَخُض في تفاصيل الأمر قليلا. تبدأ هذه التغيرات المزاجية مع تغيرات الفصول، وتظهر على وجه التحديد مع نهايات الخريف وبدايات الشتاء، وتتلاشى بحلول الربيع والصيف، وهو ما يُسمى بالنمط الشتائي من الاضطراب العاطفي الموسمي. أو قد يحدث الأمر بالعكس لتُعاني من الاكتئاب خلال الربيع والصيف، وهو ما يُسمى بالاضطراب العاطفي الموسمي الصيفي، لكنه أقل شيوعا. (2)

 

من الممكن أن يعاني أي شخص من الاضطراب العاطفي الموسمي، لكنه أكثر شيوعا لدى الأشخاص الذين شُخِّصوا بالاكتئاب أو الاضطراب ثنائي القطب، خاصة الاضطراب ثنائي القطب من النوع الثاني الذي يرتبط بنوبات الاكتئاب والهوس الخفيف المتكررة (تلك الأقل حِدَّة من نوبات الهوس الكامل في الاضطراب ثنائي القطب من النوع الأول). كما تزيد احتمالية الإصابة بالاضطراب العاطفي الموسمي في الأشخاص الذين لديهم تاريخ وراثي من الأمراض العقلية الأخرى كالاكتئاب أو الفصام. (3)

 

تتنوَّع أعراض الاضطراب العاطفي الموسمي وتتباين درجة شدتها أيضا، وقد تشمل شعورك بالاكتئاب في أغلب ساعات النهار إلى حدٍّ ربما يعوقك عن ممارسة الأنشطة اليومية. قد تلاحظ أيضا تغيرات واضطرابات في نمط النوم، سواء الشعور بالخمول والنعاس، أو الأرق وعدم القدرة على النوم بانتظام.

 

في بعض الأحيان تظهر أيضا اضطرابات الشهية التي تؤثِّر مباشرة على الوزن سواء بالزيادة أو النقصان. وفي بعض الحالات الخطرة قد يتفاقم الأمر ليصل إلى وجود أفكار مُتعلِّقة بالرغبة في الموت أو الانتحار.

 

كل هذه الأعراض قد تنعكس على حياتك سلبا، لتزيد من عُزلتك عن الآخرين، وقد تؤثِّر على أدائك في العمل أو الدراسة. في بعض الأحيان يلجأ البعض إلى الإفراط في تناول الكحول أو المواد المخدرة مما يفاقم من سوء الحالة. (4)

 

حسنا.. ما أسباب الاضطراب الموسمي؟

الاكتئاب والحزن

حتى الآن، لا يفهم العلماء تماما أسباب الإصابة بالاضطراب العاطفي الموسمي، لكن هناك عدد من النظريات المتنوعة التي حاول العلماء من خلالها تفسير هذه الظاهرة.

 

تُشير بعض الأبحاث إلى أن ضوء الشمس يلعب دورا مباشرا في الحفاظ على مستويات هرمون السيروتونين المسؤول عن تنظيم حالتنا المزاجية. في الأشخاص المصابين بهذا الاضطراب لا يعمل هذا التنظيم بشكل صحيح، ما يؤدي إلى انخفاض مستويات السيروتونين مع تناقص الضوء في الشتاء، وهو ما يتسبَّب في النهاية في زيادة الاكتئاب والقلق. بشكل غير مباشر، يُعتقد أيضا أن "فيتامين د" يُعزِّز إنتاج السيروتونين، ونتيجة لانخفاض ضوء النهار في الشتاء يُنتِج الجسم كميات أقل من "فيتامين د"، وهو ما يؤدي إلى تفاقم المشكلة. (5)

 

تُشير نتائج أخرى إلى أن الأشخاص المصابين بهذا الاضطراب تُنتِج أجسامهم كميات أكبر من هرمون الميلاتونين، وهو هرمون أساسي للحفاظ على دورة النوم والاستيقاظ الطبيعية، حيث يمكن أن يؤدي الإفراط في إنتاج الميلاتونين إلى زيادة النعاس والشعور بالخمول. إجمالا، يُساعد هرمونا السيروتونين والميلاتونين على الحفاظ على إيقاع الجسم اليومي المرتبط بدورة الليل والنهار، وفي حال الإصابة بالاضطراب العاطفي الموسمي تؤدي التغيرات في مستويات السيروتونين والميلاتونين إلى تعطيل الإيقاعات اليومية الطبيعية، ما يؤدي إلى تغيرات في نمط النوم والمزاج والسلوك. (6)

الأرق

ومع ذلك، فإن الأفكار الحديثة حول كيفية استجابة الطيور والثدييات الصغيرة للتغيرات في طول النهار تدفعنا إلى تفسيرات بديلة، وهي للمفارقة مرتبطة أيضا بمستويات السيروتونين والميلاتونين. وفقا لدانييل كريبك، الأستاذ الفخري في الطب النفسي بجامعة كاليفورنيا بسان دييغو، عندما يضرب الميلاتونين منطقة من الدماغ تُسمى منطقة ما تحت المهاد (Hypothalamus)، فإنه يتسبَّب في اضطراب هرمون الغدة الدرقية النشط الذي يُنظِّم جميع أنواع السلوكيات والعمليات الجسدية.

 

وطبقا للدراسات التي أُجريت على الثدييات، يبدو أن بقاء مستويات الميلاتونين مرتفعة بعد الوقت الذي يستيقظ فيه الحيوان تُقلِّل بشدة من إنتاج هرمون الغدة الدرقية النشط، وهو ما يؤثِّر بالسلب على مستوى السيروتونين الذي يُنظِّم الحالة المزاجية. أظهرت العديد من الدراسات أن مستويات السيروتونين في الدماغ عند البشر تكون في أدنى مستوياتها في الشتاء وأعلى مستوياتها في الصيف. (7)

 

تلعب العوامل الوراثية دورها في الأمر أيضا، حيث يزيد احتمال إصابتك بالأعراض إذا كان أحد أبويك أو أفراد أسرتك المقربين يُعاني من تقلُّبات مزاجية موسمية، كذلك تزداد احتمالية إصابتك بالاضطرابات العاطفية الموسمية إذا كنت تعيش بعيدا عن خط الاستواء، سواء في أقصى الشمال أو الجنوب. قد يحدث هذا بسبب انخفاض ضوء الشمس خلال الشتاء، وطول ساعات اليوم خلال أشهر الصيف.

 

ضوء في نفق الشتاء

سعادة خريف

لحُسن الحظ، هناك بعض الأخبار الجيدة في النهاية. إذا كنت ممَّن يعانون شتاء صعبا بسبب الاضطرابات العاطفية الموسمية فيمكنك أن تُخطِّط استباقيا لمواجهة الأمر عبر الالتزام ببعض النصائح. بداية، احرص على التعرُّض ﻷكبر قدر ممكن من ضوء النهار، يمكنك الجلوس في نافذة مشمسة، أو الخروج للتمشية خلال نهار الشتاء.

 

لا تستسلم أبدا للحبس بين جدران منزلك، احرص على قضاء الوقت مع أصدقائك وعائلتك ومَن تحب. بإمكانك مشاركة مَن تثق بهم فيما تعانيه كي يتمكَّنوا من فهم وضعك فهما أفضل. وأخيرا، احرص على ممارسة الأنشطة الرياضية خارج المنزل، سواء بالانضمام إلى نادٍ رياضي أو بممارسة المشي أو الركض. (8)

 

قد تُخفِّف هذه النصائح من الحالات البسيطة، لكن في حالة تفاقم الأمر ربما سيكون عليك اللجوء للطبيب الذي سيقترح عليك برامج علاجية دوائية أو سلوكية كي لا تقضي الشتاء مُستسلما للحزن. لكن علينا أن نُذكِّرك ألا تتناول أي دواء دون استشارة طبيبك.

 

  • فيتامين د

فيتامين د

أشارت دراسة منشورة في "Bone Reports" إلى أن دول الشرق الأوسط سجَّلت أعلى معدلات نقص "فيتامين د"، وخاصة في الإناث نتيجة لعوامل مثل التغطية الكاملة للجسم، ونمط الحياة الذي لا يسمح بالتعرُّض لضوء الشمس لفترات طويلة، وهو ما يزداد في الشتاء بالطبع. لذلك ينصح الأطباء بتناول مكملات "فيتامين د"، استشِر طبيبك في الجرعة المناسبة لك.

 

  • العلاج بالضوء

يجلس الشخص أمام صندوق ضوئي شديد السطوع (10000 لوكس) يوميا لمدة تتراوح من 30 إلى 45 دقيقة، في الساعة الأولى بعد الاستيقاظ من النوم، مع فتح العينين دون النظر إلى الضوء مباشرة.

 

تُحاكي الصناديق الضوئية العلاجية أضواء النهار، ويعتقد الباحثون أن هذا النوع من الضوء يُسبِّب تغيُّرا كيميائيا في الدماغ حيث يُعزِّز المزاج ويعالج الأعراض الأخرى للاضطراب العاطفي الموسمي. من المهم التأكُّد من استخدام صندوق علاجي مُوصى به من قِبَل طبيب، كي لا يتسبَّب في الإضرار بعينيك، واطلب مشورة طبيب العيون بشأن اختيار صندوق الضوء المناسب إذا كانت لديك مشكلات في العين مثل المياه الزرقاء أو إعتام عدسة العين أو تلف العين الناتج عن داء السكري. (9)

 

  • العلاج المعرفي السلوكي

العلاج المعرفي السلوكي

عادة ما يتم ذلك في جلسات جماعية تمتد على مدار نحو 6 أسابيع، ويُركِّز هذا النوع من العلاج النفسي على استبدال الأفكار السلبية المُتعلِّقة بموسم الشتاء بأفكار أكثر إيجابية.

 

من الجدير بالذكر هنا الإشارة إلى دراسة طويلة الأمد نشرتها كيلي روهان، العالِمة النفسية بجامعة فيرمونت، تابعت خلالها مرضى الاضطراب العاطفي الموسمي لمدة عامين، ووجدت أن الآثار الإيجابية للعلاج السلوكي تدوم لفترة أطول بمرور الوقت مقارنة بالعلاج بالضوء.

 

  • العلاج الدوائي

نظرا لأن الاضطراب العاطفي الموسمي، مثل الأنواع الأخرى من الاكتئاب، يرتبط باضطرابات في نشاط السيروتونين، تُستخدم في بعض الأحيان الأدوية المضادة للاكتئاب المُسماة "مثبطات امتصاص السيروتونين الانتقائية" أو (SSRIs) لعلاج الاضطراب العاطفي الموسمي في الحالات الشديدة. لكن تذكَّر أنه لا يمكنك اللجوء إلى هذه الأدوية قبل استشارة طبيبك. (10)

 

إن وجود كل هذه الخيارات للعلاج يمنحك فرصة لاتخاذ الخطوات اللازمة لحماية نفسك، وإنقاذ شتائك القادم من براثن الحزن والضباب.

——————————————————————————————–

المصادر

  1. THE ART OF WINTER LIVING
  2. seasonal depression
  3. Information from Your Family Doctor Seasonal Affective Disorder
  4. Seasonal Affective Disorder
  5. المصدر السابق
  6. seasonal depression
  7. Will Norway Ever Beat the Winter Blues?
  8. Seasonal affective disorder: More than the winter blues
  9. Therapy Over Lamps for Seasonal Depression
  10. Seasonal Affective Disorder
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة