الفضفضة الإلكترونية.. لماذا نختار مشاركة مشكلاتنا مع الغرباء؟

بمَن تثق في مشاركة مُشكلاتك الشخصية؟ سواء كانت مشكلة مهنية أو عاطفية أو صحية أو عائلية، هل ستذهب إلى شريك حياتك؟ صديقك المُفضل؟ والدتك؟ الآن سؤال آخر: مَن آخر شخص وثقت بمشاركته بعض المعلومات الشخصية حقا؟

وجد ماريو لويس سمول، عالِم الاجتماع بجامعة هارفارد ومؤلف كتاب "Someone to Talk To"، خلال بحثه أن الإجابات عن الأسئلة السابقة غالبا ما تكون غير متطابقة. ففي حين أكَّد بعض الناس باستمرار أنهم سيثقون أكثر بالأشخاص المُقربين منهم، فإنهم عندما سُئلوا عمَّن شاركوا معه مخاوفهم أو أزماتهم الأخيرة، غالبا ما كان شخصا عشوائيا على متن طائرة، أو مُصفِّف شعر، أو شخصا غريبا في غرفة الانتظار. (1)

كتاب "Someone to Talk To"

هل يُفسِّر ذلك بعض الشيء سبب انتشار الفضفضة الإلكترونية على صفحات المشكلات الاجتماعية بمواقع التواصل الاجتماعي أو المجموعات المُنتشرة على تطبيقات المراسلات المجانية؟ على هذه المجموعات، قد تجد شخصا يعرض مشكلة شخصية للغاية تتعلَّق في بعض الأحيان بعلاقته الزوجية الحميمية، وتجده يرجو القُرَّاء أن يُخبروه بآرائهم ليعرف حل مشكلته، هؤلاء القُرَّاء هم غرباء عنه كلية، لا يعرفون شيئا عن شخصيته ولا مُلابسات حياته ولا حتى أبعاد مشكلته سوى الأجزاء المُقتطفة المُقتضبة التي قرَّر هو حكيها.

التعليقات الافتراضية تُفاقم المشكلات

"كُنت أود التحدُّث فقط، أصبحت الخلافات والمواقف المتراكمة تبني بيني وبين زوجي سدا منيعا يجثم فوق صدري وحدي، لا أريد أن أُحادث أمي، لأنها كانت سترد بما تحمَّلته طوال حياتها من والدي لكي نكبر أنا وإخوتي في بيت مُستقر، كانت ستُذكِّرني بأطفالي الثلاث، كلام أمي يُشعرني دوما بأنني لم يعد لي وجود، مشاعري ليست مهمة بأي درجة، لا سعادتي ولا حزني ولا ألمي، يجب فقط أن أختزل كل شيء في هدف واحد فقط هو أن أحافظ على بيتي وأسرتي"، هكذا بدأت دينا.م، المرأة الثلاثينية حديثها مع "ميدان".

تُضيف دينا أنه لم يكن لديها سوى أمها لتتحدَّث معها، لا صديقات أو معارف، وقتها فكَّرت أن تنشر مُشكلتها الكبيرة مع زوجها على إحدى صفحات المشكلات الاجتماعية، تُضيف: "عرضت مشكلتي مرة ثانية وثالثة على مجموعات الفتيات والسيدات على تطبيقات المراسلة المجانية، عشرات الأصوات تُخبرني بضرورة الانفصال عن زوجي حفاظا على نفسية الأطفال، وأصوات قليلة ضعيفة تُخبرني ألا أُخرب البيت، وأن زوجي به صفات جيدة أصبحت غير موجودة بكثرة هذه الأيام، للأسف بعد مشاركة مشكلتي والتحدُّث بشأنها أصبحت أرفض زوجي أكثر وأبتعد عنه أكثر، وأصبحت الحياة أثقل وأصعب، لكن ما يعوقني عن اتخاذ القرار بالانفصال هو أنني أخشى أن أظلمه أو أظلم الأطفال".

في عام 1973، وضع عالِم الاجتماع في جامعة ستانفورد، مارك جرانوفيتر، نظرية "قوة الروابط الضعيفة"، مُعرِّفا "الروابط الضعيفة" بأنها علاقات اجتماعية تتسم بالاتصال النادر، وغياب القُرب العاطفي، وعدم وجود تاريخ من الخدمات المتبادلة. وفقا لهذا يمكن القول إن المعارف ضمن الروابط الضعيفة هم الأشخاص الذين يقعون في "شبكتك الموسَّعة". وقد رأى جرانوفيتر أننا نعتمد على الروابط القوية (دائرتنا الداخلية) للحصول على الدعم، وعلى الروابط الضعيفة (معارفنا) للحصول على المعلومات. (2)

يبدو أن الاستخدام المُكثَّف لوسائل التواصل الاجتماعي والمعدلات المرتفعة لعيش الأشخاص بمفردهم يدفع التوجُّه بالاعتماد على العلاقات الضعيفة إلى أقصى حدوده.

لكن أبحاث ماريو لويز سمول، من جامعة هارفارد، تقلب ذلك الاستنتاج رأسا على عقب، فهو يرى أن المقربين الحقيقيين للناس هم الغرباء الذين يقابلونهم، يقترح بحث سمول أن ما يقرب من نصف الأشخاص الذين نناقش معهم الأمور المهمة ليسوا أولئك الذين نعتبرهم أقرب المقربين إلينا. يعتقد سمول أننا بالطبع نعتمد على تلك الروابط القوية، لكنه يجادل بأن هذه ليست الصورة الكاملة، حيث يمكننا في كثير من الأحيان الحصول على الدعم من العلاقات الضعيفة مثل الزملاء والعلاقات العابرة والغرباء، ونحن نفعل ذلك غالبا.

وفيما يبدو، فإن الاستخدام المُكثَّف لوسائل التواصل الاجتماعي والمعدلات المرتفعة لعيش الأشخاص بمفردهم يدفع هذا التوجُّه بالاعتماد على العلاقات الضعيفة إلى أقصى حدوده. (3) وحتى العلاقات العابرة تحوَّلت إلى علاقات "افتراضية"، فعندما تكون في قطار أو على متن طائرة أو في طابور في متجر فإنك ستنظر إلى هاتفك بدلا من الشخص المُجاور لك.

يُعلِّق سمول قائلا: "أعتقد أن الأشخاص الذين يواجهون مشكلات حقيقية ليسوا الأشخاص الذين لا يستطيعون تسمية ثلاثة أو أربعة أشخاص يُشكِّلون شبكات الأمان والدعم الخاصة بهم، بل هم الأشخاص الذين لا يصادفون أي شخص عشوائي بانتظام". (4)

لماذا نختار التحدث مع الغرباء؟

حسنا، يقول سمول إن هناك ثلاثة أسباب تجعلنا نتجنَّب اللجوء إلى أقرب الأشخاص إلينا عندما نواجه مشكلات تتعلَّق بصحتنا أو علاقاتنا أو عملنا أو أطفالنا.

  • السبب الأول

هو أن أقرب علاقاتنا هي أكثر علاقاتنا تعقيدا. الزوج هو الصديق والحبيب، ونأمل أن يكون المدافع والحامي خلال أوقات الأزمات. الأم لديها تاريخ حياتك كله في رأسها. عندما نحتاج إلى التحدُّث والفضفضة حول مشكلاتنا نكون غير متأكدين من ردود أفعال المقربين، ولا نستطيع التنبؤ بالدور الذي قد يتقمَّصونه عندما يستمعون إلى المشكلة، نخشى أن يختاروا دورا يمنحنا شيئا آخر غير الدعم غير المشروط الذي نبحث عنه خلال الأزمة. لذلك نحن نثق في شخص آخر رُبما يكون غريبا تماما.

يستشهد سمول بحواره مع حالة من بحثه، عندما سألها عن أقرب شخص لها ردت بأنها والدتها، ولكن عندما سألها عما إذا كانت قد تحدَّثت مع والدتها عن المشكلات التي تواجهها مع صديقها، قالت: "مستحيل!". وشرحت ذلك قائلة: "سوف تقوم الأم بدور خاطئ". الابنة تريد المُستمِع، لكنها ستحصل على دور الأم التي ترغب في حمايتها والدفاع عنها، ولتجنُّب ذلك فإنها تتجنَّبها.

  • السبب الثاني

هو أننا عندما نتعامل مع تجربة صعبة فإننا نُفضِّل عادة أن نثق في الأشخاص الذين مرّوا بما نمر به، بدلا من أولئك الذين يعرفوننا جيدا، فنبحث عن "التعاطف المعرفي" بدلا من الدفء أو التقارب المضمونين. يقول سمول إنه عندما توفي والده في اليوم نفسه الذي وُلدت فيه ابنته، أراد التحدُّث إلى أشخاص مرّوا بتجربة مماثلة، ولم يكونوا بالضرورة أقرب الناس إليه.

  • السبب الثالث

هو أننا في لحظة ضعفنا تكون حاجتنا إلى الحديث أكبر من حاجتنا إلى حماية أنفسنا. يقول سمول: "النموذج العقلاني للسلوك البشري هو النموذج الذي تتوقَّف خلاله وتُفكِّر قبل أن تتصرَّف، ولكن الحقيقة هي أننا لا نفعل ذلك في كثير من الأحيان".

الفضفضة الإلكترونية.. تدعمك أحيانا وتُضلِّلك أحيانا

"كيف تتحمَّلين كل هذا؟ ما تعيشين فيه جحيم"، كانت هذه التعليقات التي تلقَّتها نور.س، الفتاة ذات السبعة عشرة عاما، حينما قرَّرت أن تُشارك مشكلاتها مع أسرتها على مواقع التواصل الاجتماعي، تقول نور لـ "ميدان": "كانت لديّ الكثير من المشكلات مع أمي، حول استذكار الدروس وما يجب أن أفعل وما لا يجب أن أفعل، حينما شاركت ما يُضايقني بالكتابة على صفحات التواصل الاجتماعي مع تجهيل شخصيتي، شعرت أنني جبل وأنني أتحمَّل ما لا يستطيع كل هؤلاء الأشخاص تصوُّر احتماله".

قادت الآراء الإلكترونية نور إلى الهرب من بيتها مع أول شجار جديد مع أمها، قضت ثلاث ليالٍ لا تريد العودة إلى البيت، فقط عادت حينما رأت أن شجارات أمها أهون بكثير مما سمعته خلال الليالي الثلاث من فتيات هربن من منازلهن في سن صغيرة وأصبحن يعشن في الشارع معيشة كاملة. ما قصَّته الفتيات لنور حول ما تعرَّضن له في منازلهن وخارجها جعلها تشعر أنها ضُلِّلت، وأن شجاراتها مع أمها لم تكن بكل هذا السوء، وأنها ليس لديها سبب حقيقي للهرب، ما دفعها إلى التواصل مع خالها الذي أعادها للمنزل.

تتحوَّل وسائل التواصل الاجتماعي إلى وجهة عالمية يتم من خلالها تبادل الخبرات العاطفية وتعزيزها. يكمن وجه الاختلاف هنا أنه على الرغم من أن الشعور بالعواطف يكون شخصيا وفرديا، فإنه في وسائل التواصل الاجتماعي يمكن مشاركتها في الوقت نفسه مع الآخرين. أظهرت العديد من الدراسات أن وسائل التواصل الاجتماعي باتت ساحة لتبادل المعلومات التي تعكس المشاعر السلبية، بهدف الحصول على المشاركة والدعم. (5)

صحيح أن نور حصلت على آراء مُضلِّلة بدلا من الدعم، لكن إيريكا جيلرسون قد حصلت على الدعم الذي كانت تهدف إليه، إيريكا هي طالبة في جامعة ديبول، كانت قد بدأت منذ سنوات في الكتابة بمدونتها التي تحمل عنوان: "إلى أخي، مع الحب"، التي تؤرِّخ عبرها معاناة شقيقها كريستوفر البالغ من العمر 11 عاما مع المرض العقلي والعنف. كانت جيلرسون تسعى لمساعدة الناس على فهم العلامات التحذيرية للمرض العقلي وبيان حقيقة أن الناس في كثير من الأحيان يحاولون الحصول على الرعاية ولا يمكنهم الوصول إليها. (6)

جيلرسون هي واحدة من كثيرين ممَّن يُدوِّنون بهدف التعامل مع حزنهم بشأن أحبائهم المصابين بأمراض عقلية، أو لمساعدة أنفسهم على التعامل مع المرض العقلي من خلال الكتابة عن فترات الاكتئاب أو القلق المؤلمة التي تنتابهم من وقت لآخر، أو مناقشة التحديات اليومية، أو مُجرد التنفيس ببساطة، وما حصلت عليه جيلرسون في المقابل هو الدعم الذي جعلها أقوى وأقدر على الاستمرار.

قبل فترة طويلة من انتشار المدونات ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى، روَّج علماء النفس لفوائد الكتابة عن الأفكار والعواطف التي تنشأ من التجارب المؤلمة أو المُجهدة. منذ الثمانينيات، وجدت الأبحاث التي أجراها جيمس بينيباكر، أستاذ علم النفس بجامعة تكساس في أوستن، وآخرون أن الكتابة المُركَّزة قصيرة المدى حول العواطف يمكن أن تُعزِّز وظيفة المناعة، وتُخفِّض ضغط الدم، وتُخفِّض معدل ضربات القلب، كما تُقلِّل من اضطرابات النوم لدى مرضى السرطانات المنتشرة. وقد وثَّقت الأبحاث أيضا فوائد نفسية أخرى للكتابة مثل تقليل القلق والاجترار والتحكُّم في أعراض الاكتئاب. (7)

تقول ستيفاني سميث، عالِمة النفس الإكلينيكية في كولورادو، التي تُدوِّن في مدونة حول أهمية علم النفس والصحة العقلية الجيدة: "يمكن أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي مساعدا جيدا لعلاج مشكلات الصحة العقلية، ولكنها ليست بالضرورة بديلا مناسبا للعلاج". تدرك سميث أن الكثير من الناس لا يستطيعون تحمُّل تكاليف العلاج، ولا يمكنهم الوصول إلى العلاج أو لا يؤمنون به، تُعلِّق على هذا: "إذا كان الدعم المتاح عبر الإنترنت هو كل ما يمكن لبعض الأشخاص الحصول عليه، فأعتقد أن من المهم أن ندعمهم في ذلك".

حذار من التعليقات السلبية

"لم يكن لديّ الشجاعة لأحكي هذا لشخص مُقرَّب، ماذا يُمكنني أن أقول؟ إنني أريد أن أتزوج مرة أخرى؟ لأنني لم أعد أشعر بالراحة ولا السعادة مع زوجتي التي مرَّ على زواجي منها ما يزيد على عشرة أعوام وأثمر زواجنا عن ابن وابنة. مَن سيستمع إليّ؟ أمي ستُذكِّرني بجهود زوجتي معي وكم تحمَّلت ظروفي الصعبة حتى أصبح لدينا بيت وحياة مُستقرة، أصدقائي بعضهم سيراني شيطانا يُريد أن يهدم حياة أطفاله المُستقرة، والبعض الآخر سيقول لي ما بالك لا تُفكر في الزواج العرفي فهو سيوفِّر لك التزامات أقل تجاه الزوجة الثانية، وأنا لا أريد أن أسمع الرأيين السابقين، هكذا بدأ مدحت. ع، الرجل الأربعيني الذي يعمل مهندسا بحريا، حديثه مع "ميدان".

يُضيف مدحت قائلا: "لم يكن أمامي إلا أن أقص مشكلتي على إحدى صفحات فيسبوك التي تنشر المُشكلات الاجتماعية وتفتح باب الآراء حولها دون أن تُعرِّف بشخصية صاحب المشكلة، كُنت أريد أن أسمع صوتا غير صوت أفكاري التي لا تتوقَّف، وكانت ميزة أن لا أحد سيعرف أن هذه مشكلتي الخاصة بمنزلة إغراء لا يُقاوم، كتبت مشكلتي، حكيت عن أزماتي مع زوجتي وعدم قدرتنا على التفاهم، حاولت كتابة كل شيء بإنصاف، فقصصت وقوفها إلى جانبي في بداية حياتنا، كتبت عن طفلينا وعن محبتي الشديدة لهم وحرصي عليهم.

يستطرد مدحت بالقول: "لكن ما تلقيته هو آلاف التعليقات التي تتهمني اتهامات لم أكن أتخيَّل أن شخصا ما سوف يصفني بها يوما، اتهامات بأنني قليل الأصل وخائن ولا أُراعي العِشرة ولا أحفظ الجميل، اتهامات بأنني أناني ولا أهتم حتى لأطفالي الذين ادّعي محبتهم، آلاف الاتهامات بلا مُبالغة بسبب ما كتبته. أدخلني الموقف في هوّة حقيقية من الحزن والألم، كنت أسأل نفسي هل أنا بكل هذا السوء فعلا الذي رآني به كل هؤلاء؟ لماذا إذن لا أذهب وأتزوج عرفيا مرة واثنتين؟! رأيتني شخصا مُدّعيا للمثالية، ومن الواضح أنني لا أملك منها شيئا وفقط أخدع نفسي".

تلفت ديبورا سيراني، أخصائية معالجة نفسية في نيويورك، النظر إلى وجود اعتبار آخر يجب أن يُنظر إليه بحذر بالغ بالنسبة لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، وهو قسم التعليقات في المدونات والمنشورات الأخرى، حيث يمكن أن تكون بعض التعليقات سلبية للغاية ومُضِرَّة. توصي سيراني العملاء وعلماء النفس الآخرين باستخدام أدوات "الإشراف على التعليقات" على مدوناتهم، التي تسمح لك بمراجعة التعليقات قبل نشرها، أو إنشاء إعدادات لا يُسمح فيها بالتعليقات.

تقول سيراني: "التعليقات السلبية أمر لا مفر منه عند التدوين، وفي الواقع، هناك أشخاص يتصيَّدون المدونات لمجرد العثور على أمر يجادلون فيه أو شخص يوبِّخونه أو يسخرون منه، ما عليك هنا هو أن تقاوم الحديث أو المجادلة أو محاولة إثبات وجهة نظرك للمُعلِّق السلبي. بدلا من ذلك، احذف وجوده بمجرد اكتشافه". (7)


لكن هل التنفيس العاطفي على الإنترنت مفيد كالحصول على دعم واقعي؟ وجدت الأبحاث أن الدعم المُقدَّم عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا يُحسِّن الصحة العقلية للأشخاص المُفرطين في استخدام هذه الوسائل، ربما تُسهِّل وسائل التواصل الاجتماعي على الأشخاص التفاعل عبر الإنترنت، لكنها لا تُقدِّم فوائد معينة يمكن تحقيقها من خلال التفاعلات البشرية في الحياة الواقعية.

في هذا السياق، قام دار ميشي، الأستاذ المساعد في قسم الإعلان والعلاقات العامة بجامعة ولاية ميشيغان، ومورجان إليثورب، أستاذ مساعد في قسم الاتصالات بجامعة ديلاوير، بالمشاركة بإجراء دراسة نُشرت فيما بعد في مجلة "Addictive Behaviors". شملت الدراسة استبانة أُجريت على 403 من الطلاب الجامعيين من ذوي الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي لتحديد درجة الدعم الاجتماعي التي يحصلون عليها في الحياة الواقعية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. (8)

يقول دار ميشي: "أردنا مقارنة الاختلافات بين الدعم النفسي الواقعي والدعم المُقدَّم عبر وسائل التواصل الاجتماعي لمعرفة ما إذا كان الدعم المُقدَّم عبر وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يكون له آثار مفيدة". وكانت النتيجة أنه في حين أن الدعم الذي تُحقِّقه وسائل التواصل الاجتماعي لم يؤثر سلبيا على الصحة العقلية، فإنه لم يؤثر عليها أيضا إيجابيا.

يُضيف ميشي قائلا: "الدعم الاجتماعي الواقعي فقط هو الذي يستطيع تحقيق صحة عقلية أفضل عموما، لكن التفاعلات النموذجية عبر وسائل التواصل الاجتماعي محدودة، ونفترض أنها لا تسمح بمزيد من الاتصال الجوهري، الذي قد يكون ضروريا لتوفير نوع الدعم الذي يحمي من أزمات الصحة العقلية". (9)

إذا كنت قد لجأت من قبل إلى تويتر أو إنستغرام أو فيسبوك أو تيك توك للتنفيس عن يوم عصيب في المكتب أو شجار مع صديق أو زوج، فمن المُحتمَل أنك تعرف أنه بينما تشعر بالرضا في الوقت الحالي، فإن هذا الشعور لا يدوم طويلا، كما أنك في الأغلب لا تصل إلى حل مناسب للمشكلة. يمكن أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي أداة رائعة للبقاء على اتصال مع الآخرين، ولكن عندما تصبح المَنفذ الوحيد لك فقد تكون مشكلة.

يقول إليثورب: "يبدو أنه كلما زاد استخدام المرء لوسائل التواصل الاجتماعي بإفراط، قلَّ الدعم الاجتماعي الذي يحصل عليه هذا الشخص في الحياة الواقعية، مما يؤدي إلى تدهور صحته العقلية". (8)

ابحث عن الدعم الواقعي

يُعَدُّ الدعم العاطفي عاملا وقائيا مهما للتعامل مع صعوبات الحياة، فقد ارتبطت الوحدة بمجموعة متنوعة من المشكلات الصحية، بما في ذلك ارتفاع ضغط الدم وتناقص المناعة وأمراض القلب والأوعية الدموية والتدهور المعرفي (10)، أيضا رُبطت المستويات المنخفضة من الدعم الاجتماعي بزيادة خطر الوفاة بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية والأمراض المُعدية وحتى السرطان. (11)

صحيح أن الإجهاد جزء طبيعي لا مفر منه في الحياة، ولكن الكثير من الضغط والإجهاد النفسي يمكن أن يؤثر على صحتك العاطفية والجسدية. (12) الجيد هنا هو أن هناك طرقا للحصول على هذا الدعم واقعيا وبفعالية ودون السلبيات التي تفرضها وسائل التواصل الاجتماعي.

قد لا تحتاج إلى شبكة ضخمة من الأصدقاء والعائلة للاستفادة من الدعم الاجتماعي. يجد بعض الناس كامل الدعم بين حفنة من الناس، سواء كانوا زملاء عمل أو جيرانا أو أصدقاء. ومع ذلك، قد لا تأتي العلاقات الاجتماعية دائما بتلقائية، حيث يواجه بعض الأشخاص صعوبة في تكوين روابط اجتماعية، فيما يفقد العديد من الأشخاص علاقاتهم الراسخة التي أسَّسوها على مدى سنوات طويلة بسبب التغيرات الحياتية مثل التقاعد أو الانتقال أو وفاة أحد الأحباء. لكن تذكَّر أن من الممكن دوما إنشاء اتصالات اجتماعية جديدة.

قد لا يكون بإمكانك الوثوق بشخص واحد بشأن كل شيء، ولا بأس بذلك. ربما يكون من الجيد أن يكون لديك زميل عمل مُقرَّب يُمكنك التحدُّث إليه عن مُشكلات العمل، وجار يستمع إليك عندما تواجه صعوبات مع أطفالك. المقصود هنا أن تبحث عن علاقات مختلفة للحصول على أنواع مختلفة من الدعم. لكن تذكَّر ألا تتورَّط عاطفيا إلا مع الأشخاص الذين يمكنك الوثوق بهم والاعتماد عليهم، لتجنُّب التفاعلات السلبية المُخيِّبة للآمال التي يمكن أن تجعلك تشعر بحال أسوأ. (13)

شيء آخر يُمكنك فعله وهو أن تكون استباقيا، فغالبا ما يتوقَّع الناس من الآخرين التواصل معهم، ثم يشعرون بالرفض عندما لا يبذل الناس قصارى جهدهم للقيام بذلك. لتحقيق أقصى استفادة من علاقاتك الاجتماعية، عليك أنت أن تبدأ ببذل الجهد ولا تنتظر الخطوة الأولى من الطرف الآخر، يُمكنك أن تُخصِّص وقتا للأصدقاء والعائلة، كما يُمكن التواصل مع الآخرين لتقديم يد المساعدة، تُشير الأبحاث إلى أن تقديم الدعم الاجتماعي للأصدقاء والعائلة له تأثير إيجابي أكبر حتى من تلقيه. (14)

ولضمان دوام العلاقات واستمرارها، ابحث عن الأشخاص الذين لديهم اهتماماتك نفسها، سواء كنت تهتم بالقراءة أو الفن أو الموسيقى أو الأعمال الخيرية، الاهتمامات المُشتركة ستجعل بينكم شيئا يُمكنكم التحدُّث حوله دوما والمشاركة بشأنه. لا تُحبَط إذا لم تُكوِّن صداقات بين عشية وضحاها، حاوِل الاستمتاع بالتجربة أثناء التعرُّف على الآخرين، بمرور الوقت ستجد أن الصداقات تكوَّنت بعفوية.

يُمكنك أيضا طلب المساعدة المُتخصِّصة، إذا كنت تشعر بالتوتر وليس لديك أي شخص تثق به أو تعتمد عليه، يمكن للأطباء النفسيين مساعدتك، سيُمكنهم تطوير إستراتيجيات معك لإدارة التوتر وتحسين مهاراتك الاجتماعية.

__________________________________

المصادر:

  1. Someone To Talk To
  2. The Strength of Weak Ties
  3. Slowly but surely, working at home is becoming more common
  4. The Paradox of Confiding in (Near) Strangers
  5. Social media – An arena for venting negative emotions
  6. To My Brother, With Love
  7. Blogging for mental health
  8.  Problematic social media use and social support received in real-life versus on social media: Associations with depression, anxiety and social isolation
  9. Need to vent? Turn to real-life support, not social media
  10. A Meta-Analysis of Interventions to Reduce Loneliness
  11. Understanding the Links Between Social Support and Physical Health: A Life-Span Perspective With Emphasis on the Separability of Perceived and Received Support
  12. Social and Emotional Support and its Implication for Health
  13. Manage stress: Strengthen your support network
  14. Providing social support may be more beneficial than receiving it: results from a prospective study of mortality
المصدر : الجزيرة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة