"فصول الشاشات المضيئة".. هل تعليم الأطفال عبر الإنترنت مفيد حقا؟

شكت "مونتينيك وودارد"، مُعلِّمة المرحلة الإعدادية في إحدى مدارس الولايات المتحدة، من أحد فصول مدرستها، قائلة إنها تجد صعوبة في التعامل مع تلاميذه، ولا تعرف كيف تتصرَّف معهم، خاصة أحد الأطفال الذي كانت تعتبره "مُهرِّج الفصل"، فقد مَثَّل لها باستمرار تحديا صعبا، خاصة أن سلوكه كان يؤثر بالسلب في أقرانه، كان هذا قبل أن يتوقَّف كل شيء بسبب جائحة كورونا، فتُغلق المدارس وتستمر الدراسة لشهور عبر الإنترنت.

 

بعد شهور من التعلُّم عن بُعد أصبح لدى وودارد أخبار مدهشة عن تلاميذ فصلها المُحيِّر، فالأطفال، وخاصة ذلك "المُهرِّج"، كانوا "يتألقون" في عملية التعلُّم عن بُعد. فمع قدوم جائحة كورونا كان اللجوء إلى التعليم عن بُعد حلا لا مفر منه، هكذا اختُبِر هذا النوع من التعليم مع جميع الطلاب على اختلاف قدراتهم، لكن ما حدث مع طلاب وودارد لم يحدث مع الجميع، لقد تأخَّر كثير من الطلاب عن التحصيل الجيد، وعجز المعلمون عن تقييم قدرات طلابهم، وبقي التساؤل؛ هل تُجدي حقا الدراسة عبر الإنترنت خاصة مع الأطفال في عمر مُبكِّر؟ (1)

 

معاناة أغلب الطلاب

من المؤكَّد أن هناك أطفالا كثيرين عانوا في ظل التعلُّم عن بُعد من مجموعة متنوعة من الآثار الأكاديمية والعقلية والجسدية، ناهيك بالمتطلبات المادية للتكيُّف مع النظام الجديد، مثل وجود جهاز حاسوب مناسب، والوصول المنتظم إلى شبكة الإنترنت، إلى درجة أن الكثير من الآباء والأبناء اضطروا إلى مشاركة جهاز واحد. وقد تسبَّب هذا التفاوت في القدرات وفي إمكانية الوصول عبر الإنترنت بين الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور في عقبات كبيرة واجهها الأطفال.

 

واجه طلاب المجتمعات الفقيرة وأولئك الذين يعانون من صعوبات التعلُّم والمُتعلِّمون ثنائيو اللغة وذوو الإعاقة تحديات أكبر من غيرهم، وافتقدوا الدعم أثناء التعلُّم عن بُعد، مما تسبَّب في خسائر فادحة لدى عديد من الأطفال وأُسرهم، فاضطر بعض الآباء إلى التخلي عن وظائفهم للمساعدة في الإشراف على تعلُّم أطفالهم، فيما اضطر بعضهم لترك أطفالهم في المنزل دون إشراف أثناء وجودهم في العمل. بعض هذه التأثيرات كان قصير المدى، فيما تأثَّر بعض الطلاب بطريقة سيمتد أثرها طويلا حتى بعد عودتهم إلى الفصول الدراسية المادية، بفروق واضحة تباينت حسب العِرق والطبقة التي ينتمون إليها ومستوى الدخل. (2)

 

خطر التعرض لمحتوى غير مناسب

في إبريل/نيسان 2020، ذكرت اليونيسف أن ملايين الأطفال مُعرَّضون بنسبة كبيرة لخطر الأذى مع انتقال حياتهم إلى الإنترنت أثناء الإغلاق في الجائحة، حيث تضاعف وقت استخدام الشاشة واعتمدت العائلات على التكنولوجيا والحلول الرقمية لتعليم الأطفال وإبقائهم على اتصال بالعالم الخارجي، بينما لم يكن لدى كل الأطفال المعرفة والمهارات اللازمة للحفاظ على سلامتهم عبر الإنترنت.

 

وكما هو واضح، فإن قضاء الأطفال وقتا أطول على المنصات الافتراضية يزيد من فرصة تعرُّضهم للمحتوى الضار والعنيف، ويجعلهم عُرضة للاستغلال الجنسي عبر الإنترنت، وأمام هذا الخطر أوصت اليونيسف، وجهات أخرى من بينها الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU)، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، باتخاذ تدابير عاجلة للتخفيف من المخاطر المُحتمَلة التي يتعرَّض لها الأطفال والتأكُّد من أن تجاربهم عبر الإنترنت آمنة وإيجابية. وكان من بين ما أوصت به الآباء لحماية أطفالهم التأكُّد من حصول أجهزة الأطفال على أحدث برامج مكافحة الفيروسات، وإجراء حوارات مفتوحة مع الأطفال حول مَن يتواصلون معهم عبر الإنترنت، ووضع قواعد لهذا التواصل والوقت المتاح لاستخدام الإنترنت، ومتابعة أي علامات -مثل الضيق- قد تظهر لدى الأطفال بسبب نشاطهم عبر الإنترنت. (3)

 

لماذا يعاني بعض الأطفال بينما ينجح الآخرون؟

حسنا، دعونا نتجاوز لوهلة مخاطر الاستخدام المُفرِط للإنترنت لنطرح سؤالا لا يقل أهمية: هل التعليم عبر الإنترنت فعال حقا؟ وهل يمكن أن يُغني عن الدراسة في الفصول المادية؟ للإجابة عن هذا السؤال أُجريت دراسة عام 2015 على عينة عشوائية من طلاب الصف التاسع لمدارس شيكاغو الثانوية، شملت طلابا من 17 مدرسة، كانوا قد فشلوا في اختبارات مادة الجبر وأعادوا دراستها عبر الإنترنت أو عبر دورات وجها لوجه. أفاد الطلاب الذين درسوا عبر الإنترنت أن الدورة كانت أكثر صعوبة، وسجَّلوا درجات أقل من أقرانهم، وكانت النتائج واضحة؛ لقد تعلَّم الطلاب في دورات الجبر عبر الإنترنت أقل بكثير ممَّن درسوا مع مدرس داخل فصول الدراسة. (4)

 

لكن على الرغم من ذلك، ظهرت نتائج أخرى من مركز تطوير التعليم في ولاية ماساشوستس حول تأثير الدورات التدريبية عبر الإنترنت على طلاب الصف الثامن من ذوي المهارات المتقدِّمة في الرياضيات، تقول إن الطلاب الذين درسوا عبر الإنترنت في نهاية العام الدراسي كانوا أفضل في التحصيل مقارنة بمَن درسوا في الفصول (5)، لذلك فإن هذه النتائج، كما يبدو، لا تتعلَّق فقط بطبيعة المساق -كونه إلكترونيا أم لا- ولكنها ترتبط أيضا بالبيئة أو الظروف الخاصة بكل طالب أثناء اجتيازه المساق.

 

وبينما يبدو أن التعليم في دورة تدريبية عبر الإنترنت يُتيح لمدرس واحد أن يصل إلى آلاف الطلاب ويفتح آفاقا من المعرفة لأي طالب لديه اتصال بالإنترنت، فإن هذا لم يحدث مع الجميع، فقد أضرَّ بفئات من طلاب المدارس الثانوية والكليات من الفئات الأقل استيعابا، الذين كانوا في أمسّ الحاجة إلى معلمي الفصول الدراسية، وواجهوا مشكلات في التعليم عبر الإنترنت، إذ يتطلَّب حضور فصل دراسي بدون معلم وجها لوجه مستويات عالية من التحفيز والتنظيم الذاتي لا تتوفر لديهم. (6)

على جانب آخر، وجد كثير من الأطفال ضالتهم في مزايا التعلُّم عبر الإنترنت وحقَّقوا نتائج أفضل، وأحد الأسباب التي تُفسِّر هذا التباين هو أن الطلاب الذين حقَّقوا نتائج جيدة هم من "ذوي المهارات القوية"، وهؤلاء يجدون في الإنترنت فرصا مذهلة بالفعل، حيث يوفر لهم دورات دراسية أكثر تقدُّما مما توفره مدارسهم، ويمنحهم المرونة في تحديد ساعات الدراسة، مع فرصة لممارسة الرياضة وتنظيم اليوم بكفاءة أكثر. كما تحسَّن أداء الأطفال الخجولين ومفرطي النشاط بشكل ملحوظ، فأظهروا تطورا أفضل في التعلُّم عن بُعد، وصار بإمكانهم التركيز على الدراسة أكثر مما يحدث في الفصل الدراسي المادي. (7)

 

من جانب آخر، ورغم ما أُثير من تعليقات عن سلبيات التعليم عن بُعد، وكيف أنه لا يسمح بإقامة علاقات شخصية بين الأطفال والمعلمين وبين الأطفال وأقرانهم، فإن هذه النقطة تحديدا كانت مصدر راحة لبعض الطلاب، خاصة أولئك الذين وقعوا ضحايا للتنمر الجسدي أو اللفظي في المدرسة ووفَّر لهم المنزل في المقابل مكانا آمنا للدراسة. (8) في هذا السياق، تُشير بيانات المركز الوطني لإحصاءات التعليم في الولايات المتحدة لعام 2017 إلى أن ما لا يقل عن 20% من الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 12-18 عاما أبلغوا عن تعرُّضهم للتنمر في المدرسة، وكان لدى الطلاب الأكثر تعرُّضا للتنمر أداء أكاديمي أقل من أقرانهم. (9)

 

وحتى بين أولئك الطلاب الذين لم يعانوا تجارب سلبية، كانت الفصول المدرسية تُمثِّل لدى كثيرين منهم مصدرا للقلق وعدم الارتياح؛ حيث أفاد ما يقرب من ثلث المراهقين بأنهم شعروا بالضغط من أجل "الظهور بمظهر جيد" أو "التوافق الاجتماعي" في المدرسة، مما قد يؤثر على مشاركتهم وتركيزهم في الفصل. (10)

 

التعلُّم المختلط

بالطبع لا يزال من المُبكِّر الحُكم على التعليم عبر الإنترنت، فالتحديات غير العادية التي واجهها العديد من الطلاب في العامين الماضيين بسبب الجائحة، مثل التوقُّف عن كثير من الأنشطة وضعف الروابط الاجتماعية، ومرض بعض أفراد الأسرة (ووفاة بعضهم أحيانا)، وانعدام الأمن المالي، وحالة الضغط وعدم اليقين، تجعل من المُبكِّر الحُكم باستقلالية على مزايا التعلُّم عن بُعد أو مشكلاته، لكنه يُعتبر حتى اليوم خيارا يُفيد الطلاب ذوي الاحتياجات العميقة والمتنوعة، ويُعَدُّ خيارا رائعا للمتفوقين منهم، بينما لا يزال الطلاب الذين يعانون الصعوبات الأكاديمية يحتاجون إلى فصل دراسي يتفاعلون فيه مع المعلم وجها لوجه.

 

ربما تكون الدورات "المختلطة" التي يقضي الطلاب فيها وقتا في فصل دراسي مع المعلم، بينما تتوفر المواد الدراسية عبر الإنترنت، خيارا جيدا للجميع، حيث تُشير الأبحاث إلى أن الطلاب -من جميع المستويات تقريبا- يقومون بعمل جيد في هذه الفصول المختلطة كما يفعلون في الفصول الدراسية التقليدية. في هذا النموذج، تُكمل الموارد عبر الإنترنت العملية التعليمية التقليدية ولكنها لا تحل محلها. (12)

———————————————————————————

المصادر

  1. Why Are Some Kids Thriving During Remote Learning?
  2. The Impact of Distance Learning on Kids
  3. Children at increased risk of harm online during global COVID-19 pandemic – UNICEF
  4. The Struggle to Pass Algebra: Online vs. Face-to-Face Credit Recovery for At-Risk Urban Students
  5. Access to Algebra I: The Effects of Online Mathematics for Grade 8 Students
  6. Online Courses Are Harming the Students Who Need the Most Help
  7. Why Are Some Kids Thriving During Remote Learning?
  8. المصدر السابق
  9. Bullying
  10. Why Are Some Kids Thriving During Remote Learning?
  11. How a virtual program may help kids get ready for kindergarten
  12. Online Courses Are Harming the Students Who Need the Most Help
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة