عاداتنا الغذائية مُعدية.. كيف يمكنك تناول طعام صحي في عالم غير صحي؟

"لا تدعها تفوتك"

"جرب واحدة فقط، إنها لذيذة"

"لست بحاجة إلى إنقاص الوزن، إنك نحيف بالفعل"

"لا تحرم نفسك من الاستمتاع بالحفل، إنها مرة واحدة"

تُحدِّق في الأطباق اللذيذة على المائدة التي تجمعك بالأصدقاء أو العائلة، تُحيط بك المخبوزات والبطاطا المقلية والنقانق والشوكولاتة والحلوى، تحاول أن تقاوم وتكتفي بالقليل من السلطة والخضراوات، لكن كلماتهم تُحاصرك وتدفعك لتناول المزيد، أنت بالفعل تحاول اتباع نظام غذائي صحي، لكن كيف لك مثلا حين تكون وحدك أن تتوقَّف عن تناول قطع الشوكولاتة التي حملها إليك صديقك في إحدى المناسبات السارَّة؟ كيف تقاوم المخبوزات الشهية التي صنعتها والدتك للتو؟ وكيف تقاوم إغراء مائدة مزدحمة في تجمُّع عائلي؟

 

التأثير الاجتماعي في طعامنا

أنت تعرف ذلك الآن، ولعلك تعلَّمته بالتجربة مرارا وتكرارا. غالبا ما تتأثَّر عاداتنا الغذائية بالسياق الاجتماعي؛ إننا نأكل أكثر في صُحبة الأصدقاء والأقارب وزملاء العمل، وتختلف اختياراتنا في وجودهم، فيؤثِّر ذلك في مكونات أطباقنا وفي قدر ما نتناوله، لدينا تلك الحساسية تجاه سلوك الآخرين حتى عندما نتسوَّق لشراء الطعام، هل تلاحظ كيف يبدو طبقك مختلفا عندما تكون بصحبة أشخاص يعانون من السمنة؟ (1)

 

في دراسة أجراها باحثون بجامعة برمنغهام بالمملكة المتحدة حول التأثيرات الاجتماعية في طعامنا، تأكَّد تأثُّر سلوكنا بشدة بالوسط الاجتماعي؛ إذ إننا نأكل بشكل مختلف عندما نشارك الآخرين مقارنة بما يحدث عندما نأكل بمفردنا، فتميل خياراتنا الغذائية إلى التقارب مع المحيطين بنا، لنُحدِّد معايير الأكل المناسب من خلال سلوك الآخرين والتوقُّعات الثقافية المشتركة.

 

تحكمنا معايير شخصية وصور نمطية (مثل كون النساء يأكلن كميات أقل مثلا) ومقارنات بين ما نراه "قاعدة" في مجموعتنا وما يقوم به الآخرون من سلوكيات، نأكل أقل من المعتاد إذا اعتقدنا أن تناول كمية صغيرة سيترك انطباعا إيجابيا، ونأكل بكميات أكبر من المعتاد في وجود أشخاص يأكلون بنَهَم. (2)

في اختياراتنا نُدرِك فائدة التوافق مع سلوك الآخرين، ويُلازمنا القلق بشأن القبول الاجتماعي، فنميل لمحاكاة سلوك مَن حولنا، يعود هذا لأمرين مختلفين؛ الأول أننا نريد أن نترك انطباعا إيجابيا؛ أفضل انطباع ممكن عن أنفسنا، أما الثاني فهو أننا نريد الالتزام بالقواعد الاجتماعية غير المكتوبة في الغالب لمجتمعنا، أو ما يُسمى بالأعراف الاجتماعية، وبعبارة أخرى، نحن لا نريد أن نبدو مختلفين بين الناس.

 

وعلى الجانب الآخر، وربما للسبب ذاته، فإننا نميل لتجنُّب السلوك المُعتاد للأفراد الذين لا نحبهم، فإذا كنت لا تحب مجموعة من الأشخاص لأي سبب ورأيتهم يتناولون الوجبات السريعة فستعزف عن تناولها، ويمتد الأمر لكل مَن لا نحب أن نكون مثلهم أو ننتمي إليهم، وحتى تقديرنا المنخفض لذواتنا فيما يتعلَّق بالمظهر قد يؤثر في اختياراتنا فيدفعنا لأن نختار طعامنا بوعي أكبر، فنتناول طعاما صحيا فقط لتجنُّب انخفاض تقدير الذات.(3)

 

علاقاتنا التي تُصيبنا بالسمنة

تأثُّرنا بالمحيطين بنا يعني أننا قد نأكل مثلهم طعاما غير صحي وكميات أكبر إذا كانوا يفعلون ذلك، فيؤدي استهلاكنا لمزيد من الطعام، أكثر مما نحتاج، إلى السمنة، إذا كان الأشخاص من مجموعتك الاجتماعية المباشرة (الأصدقاء والأشقاء مثلا) يعانون من السمنة المفرطة، فهناك احتمال أكبر لأن تُصاب بالسمنة.

 

في دراسة نشرتها مجلة "New England Journal of Medicine" عام 2007 حول العلاقة بين زيادة الوزن لدى أحد الأشخاص وحدوث زيادة في الوزن لدى المقربين منه، تُتبِّع انتشار السمنة في الشبكة الاجتماعية لنحو 12 ألف شخص بين عامَيْ 1971-2003 للوقوف على الأسباب المُحتمَلة لزيادة انتشار السمنة في العقود الماضية.

لاحظ الباحثون وجود روابط اجتماعية بين الأشخاص الذين يعانون من السمنة المفرطة، وأكَّدت نتائج الدراسة زيادة احتمال إصابة الشخص بالسمنة بنسبة 57% إذا كان لديه صديق أُصيب بها، كما تزيد فرصة الإصابة بالسمنة بنسبة 40% إذا كان أحد الأشقاء مصابا، وبين الأزواج أيضا تزيد فرصة إصابة أحدهما بالسمنة بنسبة 37% إذا أصيب بها الآخر، ما يعني أن السمنة تنتشر من خلال الروابط الاجتماعية وليس فقط عبر العوامل الوراثية.

 

يبدو أيضا أن وجود اتصالات اجتماعية يُحدِث أثره في تغيير قناعة الشخص وقدرته على تقبُّل السمنة أو زيادة الوزن، ومن ثم يتبنَّى سلوكيات معينة تؤدي إلى زيادة الوزن (في تناول الطعام وممارسة الرياضة)، وفي النهاية، تُحفَّز مناطق الدماغ التي تتوافق مع سلوكيات معينة في تناول الطعام إذا لاحظها الشخص لدى المحيطين به.(4)

 

احذر صديقك النحيف أيضا

في دراسة حول تأثير وزن الأشخاص الآخرين في حياتنا وخياراتهم الغذائية على مقدار ما نتناوله، نشرتها مجلة أبحاث المستهلك عام 2010، أجرى باحثون تجربة على 210 طالب جامعي، دون إخبارهم بحقيقتها، كان الطلاب يتصوَّرون أن التجربة تتعلَّق بمشاهدة الأفلام بمشاركة طالب آخر (كان عضوا في فريق البحث)، قبل المشاهدة كان الطالب في فريق البحث يملأ طبقا من الطعام استعدادا لمشاهدة الفيلم، ثم يتناول الطالب الآخر طبقا ليملأه أيضا، ولاحظ الباحثون أن الطالب محل التجربة كان يتأثَّر بحجم ما يأكله زميله فيملأ طبقه بكمية مشابهة.

تأثَّرت كمية الطعام دائما بالطالب الأول (عضو فريق البحث)، لكن الجزء الآخر من التجربة كشف شيئا مختلفا؛ كان الطالب الأول يرتدي أحيانا ملابس مُخصَّصة لتجعله يبدو أكثر وزنا، فكان الطلاب محل التجربة يملؤون أطباقهم بكمية أقل منه دائما، أشارت نتائج الدراسة إلى أننا نتناول كميات أقل من الطعام مع الزملاء ذوي الوزن الزائد حين يأكلون كثيرا، لكننا نأكل أكثر دون أن ننتبه مع ذلك الصديق النحيف الذي يأكل كثيرا.(5)

 

ومع ذلك فليس بوسعنا أن نتجنَّب مشاركة الطعام مع الآخرين، فهذا يحرمنا من مزايا كثيرة أخرى، فالحديث مع مَن نحبهم على المائدة يقوي الترابط معهم وينشِّط المواد الكيميائية العصبية المفيدة في الجسم، فتُطلَق المواد الأفيونية الذاتية (المسؤولة عن الشهية) والأوكسيتوسين (الذي يفرزه الجسم في حالات الحب والثقة والهدوء) مما يُحفِّز المشاعر السارَّة.

 

الامتنان والحب الذي يغمرنا في وجود مَن نحبهم يُحفِّز شعورنا بالاسترخاء، ويُنشِّط الجهاز العصبي المحيطي (الذي يوصل بين الدماغ والنخاع الشوكي وبقية الجسم)، فتتحسَّن وظيفة الجهاز الهضمي. يساهم ذلك في تخفيف أعراض عسر الهضم مثل حرقة المعدة وانتفاخ البطن، ويُحسِّن امتصاص العناصر الغذائية. (6)

 

لكن في ظل الضغوط التي نتعرَّض لها من الأصدقاء حين لا نشاركهم الأصناف نفسها، كيف يمكن أن نشاركهم المائدة ونحن نتبع نمط حياة صحيا؟ وكيف يمكنك تغيير عاداتك الغذائية بينما لم تقتنع عائلتك والمقربون منك بعد بجدوى الأمر؟ وإذا ذهبت إلى العمل ولا يوجد مطاعم إلا لبيع الوجبات السريعة، فماذا ستأكل؟ إذا كان منزلك مليئا بأي شيء سوى الطعام الحقيقي، فماذا ستفعل؟

 

كيف تأكل طعاما صحيا في عالم غير صحي؟

الدور الذي تلعبه قواعد الأكل الاجتماعي فيما نتناوله وفي زيادة معدلات السمنة أو الوقاية منها دفعت العلماء للتركيز على تحسين معايير الأكل الاجتماعي وتشجيع تناول الغذاء الصحي في المناسبات، لكن يبدو الأمر بعيدا حتى الآن، فالعادات الراسخة فيما يتعلَّق بالطعام يتطلَّب تغييرها كثيرا من التركيز والتصميم، خاصة حين تفتقد دعم المحيطين بك. (7)

 

لا يُدرِك أصدقاؤك غالبا قدر الإغراء الذي تتعرَّض له لكي تمتنع عن تناول الأطعمة اللذيذة كالمثلجات والحلوى، والأطعمة التي تغازلك على المائدة، أفضل ما يمكنك فعله أن تخبرهم ألا يُقدِّموا لك شيئا منها باعتبارها هدايا، والأهم أن يتناولوها بعيدا عنك إن كان ذلك ممكنا، واطلب الدعم من العائلة، وحدِّثهم عن أهدافك الصحية، فقد يساعدهم ذلك على أن يصبحوا أكثر قبولا، ويمكنهم حينها تقديم الدعم، حتى إذا استغرق الأمر بعض الوقت.(8)

 

ستشعر عند الاستغناء عن الوجبات السريعة والالتزام بممارسة المزيد من التمارين بالرغبة في أن يشاركك المقربون منك هذا الأسلوب لينتقل إليهم الشعور بالرضا مثلك، ومع ذلك لا تنسَ أنه قرار عليهم اتخاذه بأنفسهم للتخلي عن العادات غير الصحية والانضمام إليك في رحلتك نحو صحة أفضل. إذا كنت تعيش مع أفراد لا يعنيهم الأمر، ركِّز طاقتك في أن تواصل ما بدأته، ودع الأمر للوقت الذي يكونون فيه مستعدين لتغيير قناعاتهم. اختياراتك الصحية الجديدة تناسبك أنت، فتذكَّر أنه لن يمكنك إجبار الآخرين على التغيير، يسير كلٌّ منا في الطريق الذي يختاره في النهاية.

 

سيكون التواصل مع أشخاص يتبعون النظام نفسه ولديهم أهداف ودوافع مشابهة دعما قويا لتتمكَّن من مواصلة السير في طريقك، يمكنك البحث في المجموعات على شبكات التواصل الاجتماعي للعثور على أشخاص في منطقتك يشاركونك أهدافك، الدعم مهم عندما تريد تغيير نمط حياتك.(9)

في أسلوب حياتك الجديد، ربما تجد صعوبة عندما لا يكون لدى الشخص الذي تشاركه الطعام التفضيلات نفسها، لذا ربما يكون مفيدا إذا توليت بنفسك إعداد وجبات الطعام للآخرين، سيضمن لهم ذلك وجبة مغذية ولك وجبة صحية، وسيُقوِّي الترابط بينكم.(10) يمكنك كذلك أن تستخدم البدائل كي لا تحرم نفسك من مشاركة الحالة، حين يأتي وقت تناول الحلوى مثلا، قدِّم لنفسك بديلا من الفاكهة أو حلوى صحية من العسل والفاكهة أو قطعة من الشوكولاتة الداكنة، وأبدع في صنع بدائل شهية تجذبك رائحتها، حينها لن تجد صعوبة كبيرة في مشاهدة الآخرين يأكلون ما لا يمكنك تناوله.(11)

 

في الوقت نفسه، يمكنك أن تحتفظ معك بوجبات خفيفة صحية قدر الإمكان، فإذا كنت في السيارة مع صديقك وشعرتما بالجوع، فسيكون من الصعب مقاومة تناول القليل من البطاطا المقلية، لكن إذا كنت تحتفظ بوجبات خفيفة وصحية في حقيبتك، فسيكون بإمكانك تناول وجبة خفيفة عندما تحتاج إلى تناول شيء ما، دون أن تكسر عاداتك الصحية.(12)

 

في لقاءات الأصدقاء لا تدع تناول الطعام في الخارج يُمثِّل لك تحديا كبيرا، فقط حاول اختيار مطعم يُقدِّم بعض الخيارات الصحية في القائمة، ليكون بإمكانك الاستمتاع بوقتك مع الأصدقاء بينما تبقى في مسارك. سيكون صحنك مليئا ببعض الأصناف المختلفة؛ السلطة مثلا واللحم المشوي، فيما تمتلئ أطباقهم بالبطاطا المقلية والمعكرونة، لكن سيظل بإمكانك قضاء وقت ممتع والاستمتاع بصحبتهم، إذا تعرَّضت لمحاولة الضغط عليك لتناول بعض الأطعمة غير الصحية، قاوِم أولا، لكن تذكَّر أنه لا بأس بتناول القليل منها على سبيل المكافأة. (13)

——————————————————————————————–

المصادر

  1. Social Influence on Food Choices: Is Social Eating Bad?
  2. Social influences on eating
  3. Social Influence on Food Choices: Is Social Eating Bad?
  4. The Spread of Obesity in a Large Social Network over 32 Years
  5. Watching Your Weight? Beware Of Skinny Friends With Big Appetites
  6. Never Eat Alone! The Benefits of Eating With Others
  7. Social influences on eating
  8. Are Your Relationships Making You Fat?
  9. 5 Ways To Be Healthy When Those Around You Aren’t
  10. What to Do When People Just Don’t Get Your Healthy Choices
  11. Are Your Relationships Making You Fat?
  12. How to Eat Healthy When Everyone Around You Isn’t
  13. 5 Ways To Be Healthy When Those Around You Aren’t
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة