المادة التي يكرهها الجميع.. كيف تقدم الجغرافيا للأطفال بطريقة ممتعة؟

لطالما كانت مادة الجغرافيا بمثابة كابوس ثقيل يلازمنا طوال سنوات الدراسة، تطاردنا أسماء العواصم، وخطوط الطول والعرض، والخرائط التي لم نستطع قط فك مفاتيحها، هذا إلى جانب الكثير والكثير من الأرقام التي لم نتمكن من حفظها أو فهم ما تمثله.

 

إذا لم تتخصص في الجغرافيا، فعادة ما تنقطع علاقتك بها في الصفوف الثانوية، لكنك تظل محاصَرا دائما بشبح الجغرافيا، قد تتوه هنا أو هناك في إحدى المدن، قد لا تتمكن أبدا من إرشاد سائقي الأجرة، قد تذهب إلى رحلة ولا تتمكن من قراءة خرائط جوجل، فتفوت زيارة نصف المعالم التي وددت لو رأيتها، كل هذا ولم نتحدث بعدُ عن الصعوبة التي تواجهها في فهم الأحداث السياسية المتلاحقة بسبب ارتباطها بالجغرافيا، فربما لا تعلم مثلا أين تقع أفغانستان، وما علاقة ما يحدث هناك بالصين أو الهند أو روسيا أو باكستان.

 

لماذا يكره الجميع الجغرافيا؟

حسنا، لنعترف بالأمر، نعم، الجغرافيا مهمة، لا يرتبط الأمر بحفظ الأرقام وأسماء العواصم فقط، لكن الجغرافيا تتسرب في كل شيء حولنا. لا يقتصر الأمر عليَّ أو عليك، يواجه الطلاب في جميع أنحاء العالم صعوبات تتعلق بمادة الجغرافيا، وقد أكد استطلاع أجرته ناشيونال جيوغرافيك عام 2002 على الفكرة ذاتها.

 

ضم هذا الاستطلاع أكثر من 3000 شخص تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاما في كندا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا العظمى وإيطاليا واليابان والمكسيك والسويد والولايات المتحدة، وخلصت النتائج إلى أن 37% فقط من الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاما يمكنهم تحديد مكان العراق على الخريطة، في حين أن نصفهم لم يستطيعوا تحديد حتى موقع ولاية نيويورك، و20% كانوا غير قادرين على تحديد المحيط الهادئ.

 

ربطت نتائج الاستطلاع بين السفر والقدرة على تحدث أكثر من لغة وتحسن المعرفة الجغرافية، ففي البلدان التي سجلت أعلى الدرجات، وهي السويد وألمانيا وإيطاليا، سافر ما لا يقل عن 70% من الشباب إلى الخارج في السنوات الثلاث الماضية، وتحدث معظمهم أكثر من لغة واحدة، بينما في الولايات المتحدة والمكسيك سافر حوالي 20% فقط إلى الخارج خلال الفترة نفسها، وتحدثت الأغلبية لغة واحدة فقط(1).

 

في الواقع، فإن معظم الناس لا يكرهون المحتوى قدر كراهيتهم للطريقة التي يُدرَّس بها، وفي أغلب المناهج غالبا ما تُدرس الجغرافيا بطريقة سيئة، حيث تُقدَّم إلى الطلاب سلسلة من الأسماء والأماكن والتواريخ المقتطعة من سياقاتها، دون فهم حقيقي للروابط بين هذه الإحصائيات والأرقام وما يحدث من حولهم.

بخلاف ذلك، غالبا ما تركز المناهج على تدريس اللغات والرياضيات والعلوم وتهمل الجغرافيا، رغم أن هذا العلم بكل ما يقدمه من وعي بالسمات المادية للأرض وخصائصها الجيولوجية وفهم لطبيعة الأماكن وعلاقات البشر داخلها، يصبح بمثابة قطعة البازل الأخيرة التي تساعد المرء في فهم اللغز، واستيعاب العلاقات المتداخلة بين مختلف العلوم والتاريخ والأدب والفنون، وكيف ترتبط جميعها بالأماكن والبشر.

 

بحسب "فرانسوا أوديجييه"، أستاذ فخري بكلية علم النفس والعلوم التربوية في جامعة جنيف، عادة ما يُختزل التصور العام لتدريس الجغرافيا في تعريف الطلاب إلى مجموعة من الأسماء، أسماء المدن والأنهار والجبال والعواصم بالاعتماد على خرائط لا تتعدى وظيفتها تسمية وتوطين الظواهر الجغرافية دون التفكير فيها ومحاولة فهمها، ونظرا للطابع الجامد الذي يطبع تدريس الجغرافيا بهذا الأسلوب، كان التلاميذ يرونها مادةً للحفظ والاستظهار، فيما تراها فئة أخرى من التلاميذ مادةً صعبة لكثرة المعلومات والأرقام الإحصائية التي تتضمنها.

 

من هنا جاء التفكير في محاولة جعل الجغرافيا المدرسية مادة مشوقة ومرغوبة من خلال انفتاحها على العلوم الطبيعية والاجتماعية المختلفة، ودراسة مواضيع جديدة ومنوعة مثل العولمة وجغرافيا الأديان والجغرافيا الطبية، وكذلك التركيز على دراسة الارتباط بين الظواهر المختلفة، وإبراز العلاقات بينها وتأثيرات ذلك من خلال الانفتاح على بقية العلوم الإنسانية(2).

 

لأن كل شيء يرتبط بالمكان

"المكان في حالات كثيرة ليس حيزا جغرافيّا فقط، فهو أيضا البشر، والبشر في زمن معين. وهكذا نكتشف علاقة جدلية بين عناصر متعددة متشابكة ومتفاعلة. فالمكان يكتسب ملامحه من خلال البشر الذين عاشوا فيه، والبشر هم تلخيص للزمن الذي كان، وفي مكان محدد بالذات، وبالتالي فقد اكتسب الناس ملامح وصفات ما كانوا ليكتسبوها لولا هذه الشروط. وحين أصبحت لهم هذه الصفات أثروا في المكان والزمان، كما تأثروا بهما، ما ينعكس في النتيجة في إعطاء الأماكن و الأزمنة ملامحها"

عبد الرحمن منيف – سيرة مدينة: عمّــان في الأربعينات

في استطلاع حديث أجرته الجمعية الجغرافية الوطنية للمعلمين الأميركيين، قال ما يقرب من ثلثي المشاركين (62٪) إن تدريس الجغرافيا "مهم للغاية"، وقد وجد الاستطلاع أن 74٪ من المعلمين غير المتخصصين في الجغرافيا قد دمجوا الجغرافيا في مناهجهم الدراسية، مثل علم الأحياء، وعلوم البيئة، والتاريخ والفنون البصرية والدين، بل وحتى الموسيقى. وأظهر الاستطلاع أن المعلمين يتشاركون الشعور بأن الجغرافيا ضرورية لتعميق تعلم الطلاب.

 

يساعد تعلم أبنائنا للمفاهيم الجغرافية على بناء مهارات التفكير النقدي، ورؤية الأنظمة البشرية والطبيعية المعقدة بعدسة أوسع وأكثر ثراء. ويمكن دائما ربط الجغرافيا بمختلف المواد الدراسية؛ في الموسيقى يبدأ الأمر بالتعرف إلى بلدان الموسيقيين، ولا ينتهي بمحاولة فهم التأثيرات الجغرافية المتبادلة بين مختلف أنواع الموسيقى الوطنية والمحلية، في الأدب أيضا تساعدنا معرفة الروابط الجغرافية بين البلدان والظروف السياسية والتاريخية على فهم النتاج الأدبي بشكل أفضل. جميع الموضوعات ترتبط بالجغرافيا بشكل أو بآخر، ﻷن كل شيء يرتبط بالمكان(3).

 

هل يمكننا أن نفهم العالم دون أن نفهم الجغرافيا؟

كما نتعلم حروف الأبجدية كي نستطيع القراءة، والأرقام كي نستطيع الحساب، تبدو الجغرافيا بمثابة الأبجدية اللازمة لفهم حدود الأماكن والعلاقات بينها وبين ساكنيها، وفهم أمور تؤثر على حياتنا اليومية، مثل أثر النظام الشمسي على المناخ.

 

ستظل نظرتنا قاصرة دون الجغرافيا، بداية من الخطوة الأولى التي تشمل التعرف إلى موقعنا في العالم، المنزل ثم المنطقة وحتى المدينة والدولة والقارة؛ ثم فهم الأحداث التاريخية في سياق علاقتها بطبيعة البلاد وتضاريسها، وعلاقاتها بالدول المجاورة؛ والعلاقة بين الاقتصاد والجغرافيا وشبكات النقل ومواقع الموارد الطبيعية.

 

كذلك فإن فهم مدى قرب مكانين على الخريطة يمكن أن يساعد الأطفال على معرفة كيف ولماذا أثرت الحضارات المختلفة في بعضها بعضا، وفهم تأثير الجغرافيا على الثقافات المختلفة، واكتساب تقدير للعالم الذي يتجاوز الحدود التي يعيشون فيها. كل هذه المعلومات تتيح لطفلك دمج مفاهيم متعددة من العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية، ما يُمكّنه في المستقبل من اتخاذ قرارات مستنيرة فيما يتعلق باستخدام الموارد المتاحة أمامه(4).

 

كيف يمكننا مساعدة أبنائنا في تعلم الجغرافيا؟

يكتسب الأطفال المعرفة من خلال حواسهم ومن خلال اللعب والخبرات اليومية، فهم يلمسون الأشياء ويشمون الروائح ويتذوقون الأطعمة، ويتحركون عبر الأماكن ويقفزون ويتسلقون ويسألون ملايين الأسئلة اليومية، يلحظون في النزهات اليومية كيف يؤثر تغير الطقس على طبيعة المكان، وبقليل من التوجيه يمكن أن تصبح خبراتهم اليومية مصدرا لتنمية الفضول وتعزيز المفردات والمفاهيم المتعلقة بالمكان والجغرافيا.

 

  • مفاهيم المكان والاتجاهات

أول سؤال تطرحه الجغرافيا هو: "أين؟"، معرفة المكان، أين يقع؟ وكيف يؤثر على حياتنا وعلى شكل الأنشطة التي نقوم بها؟

 

يبدأ الوعي بالمكان منذ الطفولة المبكرة، بالطبع يصعب على الطفل في سن صغيرة فهم خطوط الطول والعرض، وربما يصعب عليه تمييز اليمين واليسار، لكنه يعي وجود جسده في حيز مكاني، يحاول الوقوف ليصطدم بحافة المنضدة؛ فيبدأ في إدراك الحيز المكاني للمنضدة وعلاقته بها. هذه المفاهيم المكانية المجردة تتكون في عمر مبكر، في سن الثانية يمكن للأطفال التمييز بين الأشياء القريبة والبعيدة، يتعرف إلى بيته، مكان غرفته، ومكان غرفة الحمام والمطبخ، ثم يكبر الطفل ويخرج من البيت ليعرف عنوانه واسم المدينة، وهكذا. أما مفاهيم الاتجاهات فهي تتطور من خلال التجارب الجسدية، كالجري والقفز والتسلق والدحرجة.

 

من عمر 5 سنوات، بإمكان الطفل تطوير فهم الاتجاهات واستيعاب مفاهيم مثل اليمين واليسار من خلال التجارب اليومية، على سبيل المثال عندما تذهبون إلى مكان ما قم بالتعليق على الطريق أثناء السير: "سوف نستدير إلى اليمين بعد ثلاث بنايات. واحد، اثنان، ثلاثة…"، تحدث عن مفاهيم الشرق والغرب والشمال والجنوب، مثلا أخبر طفلك أن هذه الغرفة مشمسة في الصباح ﻷنها تواجه الشرق.

 

كذلك اعرض صورا لمختلف البيئات، مثل الصحراء والمناطق الساحلية، وساعد طفلك على فهم الظواهر الخاصة بها. احتفظ في المنزل بكرة أرضية وخريطة لدولتك أو للعالم معلقة على الجدار، عند السفر أشر لأطفالك إلى الطريق الذي سوف تسلكونه.

 

  • خصائص المكان

لكل مكان شخصية مميزة، تماما كالبشر، فما الذي يميز الأماكن؟ هل هي طبيعة التربة أم درجة الحرارة أم الأحداث التاريخية التي جرت بها وألقت بظلالها على أركانها وعلى طباع ساكنيها؟ ساعد أطفالك على اكتشاف الخصائص المختلفة للأماكن، يتعلم الصغار من خلال الحواس المختلفة، من خلال اللعب على الشاطئ بالرمال والمياه وملاحظة طبيعة التربة المختلفة، وإذا أتيح لكم السفر لبلدان ذات طبيعة مختلفة عن مدينتكم، ساعدهم على ملاحظة الفروق والاختلافات.

 

  • الطقس

يعتبر الطقس جزءا مهما من طابع المكان. مدى تعرض المكان للشمس أو المطر، اتجاه الرياح، كلها عوامل تحدد المحاصيل الزراعية وطبيعة الحياة في المنطقة. ساعد الطفل في مراقبة الأحوال الجوية، وتحدث عنها يوميا. يؤثر الطقس وحالته على الروتين اليومي للطفل مباشرةً، ساعده على ملاحظة تأثير حالة الطقس على اختيار ملابسه، أو على نزهته اليومية، وملاحظة تغير شكل المكان بحسب تغير الفصول، كيف تسقط أوراق الشجر في الخريف، كيف تتجمد المسطحات المائية في الشتاء، وكذلك كيف يؤثر اتجاه الرياح وسرعتها على اتجاه طائرته الورقية وارتفاعها، استخدم خريطة الطقس في الجريدة اليومية أو عبر الإنترنت للبحث عن درجات حرارة المدن حول العالم واكتشف مدى سخونة بعضها في الصيف ومدى برودة بعضها في الشتاء، كذلك ابحث عن درجة الحرارة في عدة مدن وقارن هذه الأرقام مع مدينتك، اسأل الأطفال إذا كان بإمكانهم التفكير في أسباب اختلاف درجات الحرارة في المواقع المختلفة، واستعرض معهم الأسباب بطرق مبسطة مناسبة لأعمارهم.

 

  • الانتقالات

تتضمن دراسة الجغرافيا تعلم مفاهيم الانتقال، ومعرفة كيفية انتقال الأشخاص والمنتجات من مكان لآخر. ساعد أطفالك في قراءة الملصقات على ألعابهم أو المنتجات الغذائية والملابس المستوردة والتي تشير إلى مكان صناعتها، وناقشهم حول الطرق التي انتقلت بها المنتجات من مكان لآخر. كذلك استعرض معهم تطور وسائل النقل والمواصلات، سواء عبر مشاهدة الأفلام الوثائقية، أو زيارة المتاحف المخصصة لوسائل النقل(5).

 

  • الخرائط

تعتبر الخرائط واحدة من أهم الوسائل اللازمة في دراسة الجغرافيا؛ ﻷن أذهاننا تتذكر ما نتعلمه من خلال الصور. علّق الخرائط على الجدران، كما يمكنك إحضار مجسم الكرة الأرضية، ساعد طفلك على البحث عن الأماكن التي تثير فضوله. إذا قررتم السفر، اجعله يتتبع بإصبعه الصغيرة الطريق الذي سوف تسافرون من خلاله، وضعوا علامات على الأماكن التي زرتموها.

 

  • البازل

يعتبر البازل واحدا من أفضل الطرق لدراسة أي صورة لفترة طويلة. أحضر بازل لخريطة ما، وأثناء العمل على تركيبه، سيعاود الطفل النظر للصورة الكاملة مرة بعد أخرى من أجل تركيب أجزائها(6).

 

  • السفر

سواء خارج الدولة أو داخلها، فالسفر وسيلة رائعة للتعرف عن كثب إلى الأماكن والثقافات المختلفة، وإذا تعسر السفر فبإمكانكم مشاهدة أفلام وثائقية حول مختلف الأماكن.

على جانب آخر، تعد قناة "ناشيونال جيوغرافيك كيدز" فرصة ممتازة لتعلم الجغرافيا، حيث تقدم العديد من المصادر المتنوعة للأطفال، سواء عبر متابعة برامجها على التلفاز أو من خلال موقعها الإلكتروني. تقدم المجلة نفسها مجموعة من الموضوعات الجغرافية المنوعة والجاذبة للأطفال في سن صغيرة، تتميز صفحاتها بالرسوم والصور ذات الجودة العالية، كما تحمل بعض الألغاز الشيقة.

 

يوفر الموقع نفسه أيضا العديد من المصادر والخرائط التفاعلية أو تلك الجاهزة للتنزيل والطباعة، ناهيك بالكثير من مقاطع الفيديو. أفضل ما في الأمر أن هذه المواد مقسمة بحسب الموضوعات وبحسب المرحلة الدراسية، بحيث يمكنك البحث عن الموضوع الذي يثير اهتمام الطفل والعثور على المواد المناسبة لعمره بسهولة.

 

ملاحظة: هذا التقرير هو جزء من سلسلة تقدمها كاتبة المادة لتعليم الأطفال نطاقات مختلفة، عادة ما نظن أنها حصرية للكبار فقط، لكنها ليست كذلك أبدا. يمكنك الاطلاع أيضا على مواد: دليل لتعليم الفلسفة للأطفال، ودليل لتعليم الموسيقى للأطفال، ودليل لتعليم العلوم للأطفال، ودليل لتعليم الأطفال قراءة اللوحات الفنية.

——————————————————–

المصادر

  1. Survey Reveals Geographic Illiteracy
  2. Darch. J ,1987,Crise de la géographie , in, la pensée, Out, p194
  3. Survey: 62% Of Teachers Say Learning About Geography Is ‘Extremely Important’
  4. Importance Of Teaching Children Geography
  5. Early Childhood: Where Learning Begins Geography with activities for children ages 2 to 5 years of age
  6. Fun Ways to Teach Geography to Kids at Home
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يسعى كثير من الآباء باستمرار لتربية أطفالهم بطريقة تجعلهم يحظون بفرص أفضل في الحياة. ويعتقد الآباء أن القراءة هي نقطة الانطلاق نحو هذا الهدف، إذ يجب أن يربوا أطفالا نهمين بالقراءة. فكيف يحدث ذلك؟

11/3/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة